لم تُحقق المفاوضات الأمريكية الإيرانية، التي استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد، أي تقدم يُذكر رغم امتدادها لنحو 21 ساعة متواصلة. وجاء ذلك في ظل تمسك واضح من الطرفين بمواقفهما دون تقديم تنازلات جوهرية. وهو ما انعكس مباشرة على مسار المحادثات ونتائجها الأولية.
ووفق صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن هذا التعثر يضع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام خيارات وُصفت بأنها "غير مرغوبة". كما أشارت إلى أن الجولة التفاوضية اتسمت بالجمود منذ بدايتها وحتى نهايتها. ولم تُظهر أي مؤشرات على اختراق سياسي حقيقي.
وأوضحت الصحيفة أن فشل نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في انتزاع تنازلات من الجانب الإيراني لم يكن مفاجئاً. إذ جاءت المحادثات في سياق تراكمي من جولات سابقة لم تحقق اختراقاً مماثلاً. ما يعكس عمق الأزمة بين الطرفين.
عرض مرفوض
قدّم جي دي فانس، بحسب ما نقلته "نيويورك تايمز"، عرضاً وصفه بـ"إما القبول أو الرفض" لإنهاء البرنامج النووي الإيراني بشكل دائم. غير أن طهران رفضت العرض بشكل مباشر دون الدخول في تفاصيل تفاوضية موسعة. وهو ما أنهى عملياً أحد أهم محاور الجلسة.
وقال فانس للصحافيين إن واشنطن حددت بوضوح خطوطها الحمراء وما يمكن أن تُبدي فيه مرونة. وأضاف أن الطرف الإيراني اختار عدم قبول الشروط المطروحة. في إشارة إلى تصلب موقف طهران خلال المحادثات.
وترى الصحيفة أن هذه الجولة لم تختلف كثيراً عن جولة جنيف السابقة التي انتهت إلى طريق مسدود. ما أدى لاحقاً إلى عدوان أمريكي وتصعيد عسكري واسع بين الطرفين. استمر لأسابيع واستهدف مواقع عسكرية وبنية نووية داخل إيران.
إيران والقدرة على الصمود
يرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن استعراض القوة العسكرية يمكن أن يدفع إيران إلى تغيير موقفها. وقد شمل هذا الاستعراض، وفق تقارير وزارة الحرب الأمريكية، ضربات طالت آلاف الأهداف. في حين حاولت إيران إثبات قدرتها على الصمود أمام هذا الضغط.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن وزارة الخارجية الإيرانية تأكيدها أن الخسائر التي تكبدتها البلاد عززت تمسكها بمواقفها. وشددت على أن الدفاع عن المصالح الوطنية أصبح أكثر صلابة من أي وقت مضى. ما يعكس تصاعد الخطاب السياسي الإيراني.
لكن الصحيفة رجحت أن هذا التوازن قد يتغير لاحقاً رغم الجمود الحالي. مشيرة إلى أن واشنطن تخشى الانجرار إلى مفاوضات طويلة ومعقدة. في وقت يعتقد فيه ترامب أنه حقق انتصاراً في المواجهة الأخيرة.
تجارب سابقة
استحضرت "نيويورك تايمز" تجربة الاتفاق النووي السابق بين واشنطن وطهران في عهد باراك أوباما. والذي استغرق التوصل إليه نحو عامين من المفاوضات المعقدة. وشمل تنازلات متبادلة من الطرفين.
وبموجب ذلك الاتفاق، سُمح لإيران بالاحتفاظ بجزء من مخزونها النووي مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات. مع تحديد سقف زمني لبعض القيود حتى عام 2030. وهو ما شكل حينها إطاراً هشاً للتوازن النووي.
وترى الصحيفة أن العقبات الحالية تعكس نفس الإشكالات التي أطاحت بمفاوضات سابقة. حيث لا يزال الخلاف قائماً حول اليورانيوم المخصب وحق التخصيب داخل إيران. ما يجعل الوصول إلى اتفاق جديد أكثر تعقيداً.
مأزق القرار
أشارت الصحيفة إلى أن واشنطن تعتمد حالياً على ورقة التهديد العسكري كأداة ضغط رئيسية. خاصة مع اقتراب انتهاء وقف إطلاق النار الهش خلال فترة قصيرة. ما يزيد من حساسية الموقف السياسي والعسكري.
لكن هذا الخيار، وفق التحليل، ليس سهلاً من الناحية الاقتصادية أو الدولية. إذ يؤدي أي تصعيد جديد إلى اضطراب في أسواق الطاقة وارتفاع التضخم العالمي. وهو ما يضع الإدارة الأمريكية أمام كلفة سياسية مرتفعة.
وفي المقابل، تواصل إيران ربط ملفات التفاوض بمضيق هرمز والعقوبات والتعويضات. ما يعكس اتساع دائرة المطالب وصعوبة تقليصها. في ظل غياب أرضية مشتركة بين الطرفين.
صراع الروايات
خلصت "نيويورك تايمز" إلى أن كل طرف يرى نفسه منتصراً في المواجهة الأخيرة. إذ تعتبر واشنطن أن الضربات العسكرية حققت أهدافها الاستراتيجية. بينما ترى إيران أنها نجحت في الصمود وعدم الانكسار.
ويعكس هذا التباين العميق في السرديات السياسية فجوة متزايدة بين الطرفين. ما يجعل أي اتفاق مستقبلي أكثر تعقيداً. خاصة في ظل غياب الثقة المتبادلة.
وتؤكد الصحيفة أن كلا الجانبين غير مستعد لتقديم تنازلات في المرحلة الحالية. وهو ما يبقي الأزمة مفتوحة على احتمالات التصعيد أو الجمود.










