يشرع بابا الفاتيكان في زيارة لإفريقيا ،يدشنها من الجزائر و هذه سابقة في تاريخ الزيارات البابوية للخارج ، الجزائر تحمل دلالات روحية و عاطفية كما صرح بذلك البابا ،فهي البلد الذي احتضن تاريخيا المرجعية المسيحية و هو "ابن تاغاست " سوق أهراس الجزائرية حاليا ، هي زيارة لها دلالات تتعدى ما يطلق عليه الكثير الدعوات للتسامح و التعايش و حوار الأديان و هي من المثاليات الدينية التي يحاول الدينيون زرعها إعلاميا خاصة ،فتاريخ الأديان السماوية الثلاث مفعم بالتشنجات و الأزمات و الحروب.
المهم هنا ،كيف يمكن للفاتيكان و للجزائر خاصة أن تشتغل بجدية على هذه الزيارة و ضمان مخرجات إيجابية و تموقع إيجابي على الساحة المتوسطية و العالمية.
الجزائر و إن أضاعت امتياز الوساطة في الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران ، لا يجب عليها أن تضيع رمزية و أبعاد الزيارة البابوية للجزائر.
سيسير البابا على جزء من مسارات و نهج سيده القديس اوغسطين بزيارة أماكن و مقدسات و دير مسيحية كاثوليكية ، رممت و هيئت وزينت بمناسبة هذه الزيارة من أهمها كنيسة السيدة الإفريقية بالعاصمة و كنيسة القديس اوغسطين أو لآلة بونة بمدينة عنابة .
صانع القرار في الجزائر ،ملزم بتحقيق نتائج ملموسة من هذه الزيارة و هي :
تثمين دور الجزائر في مسار العيش مع بعض و التأكيد على دورها التاريخي كأرض للأديان و التنوع الثقافي.
التأكيد على الدور المحوري للفاتيكان في مقاربته الاوغسطينية الحالية ،لانتزاع موقف واضح مما يجري في العالم من انتهاكات و حروب و أزمات خاصة على غزة و لبنان و سوريا و العراق و إيران و التكالب الغربي باسم التحالف المسيحي صهيوني ، مجرد موقف بابوي من هذا الجانب سوف يكون مطية إيجابية نحو المستقبل.
الجزائر بوابة أفريقيا ،من هذا المنطلق كذلك ،يمكن للجزائر أن تلعب دورا محوريا بفضل هذه الزيارة البابوية لأفريقيا ،الأفارقة الاوغسطينيون يعتبرون الجزائر محجة لهم و موطن مرجعيتهم الدينية و لهذا فالجانب السياسي الدبلوماسي الديني لا يجب أن يغيب عن صانع القرار الجزائري .
أنجبت الجزائر القديس اوغسطين و هو الذي عاش مسارا دينيا و دنيويا مفعما بالتجارب و التناقضات ، كان ملهما للكنيسة الرومانية ،محاربا لإخوته في الدين و العرق ، الدوناتيون الذين ذاقوا ويلات "فتاويه" و تصريحاته النارية اتجاههم .
مثلما كانت الجزائر موطن القديس اوغسطين فهي موطن القديس دونا و قديسين و قديسات آخرين ، لا يجب نسيانهم في مسعى التصالح الديني ،الروحي الحامل لدلالات سياسية أكثر منها دينية
.
أليست السياسة الوقوف على الأمر بما يصلحه ،بتعريف الماوردي .
أوليس الدين كذلك الوقوف على أمور الإنسان المعقدة و المتشابكة و المنحرفة بالتدبير .
التهافت الفولكلوري على هذه الزيارة ،بالتحضيرات و المبادرات المتسرعة ،كمبادرة وزارة الثقافة الجزائرية بتصنيف المسارات الأوغسطينية لدى اليونسكو ،يمكنها أن تقلل من مكانة الزيارة على المستويات المعرفية و الدينية و الروحية .
هذه الزيارة البابوية ،يجب أن تستثمر خدمة للمصلحة الجزائرية خاصة و للإنسانية كذلك .
التأسيس للدراسات الاوغسطينية ، دراسات الأديان ، التعاون الثقافي بين الأسقفية و بنيات المجتمع المدني الجزائري ، السياحة الثقافية الدينية المشتركة بين الإسلام و المسيحية في الجزائر ، محاربة التطرف الديني بكل أشكاله ، التأسيس لكرسي الجزائر في الفاتيكان ، دراسات التراث الثقافي المسيحي في شمال إفريقيا و مركزه الجزائر . كلها نقاط وجب العمل على تحقيقها على ضوء هذه الزيارة البابوية .
من جهة أخرى و ضمن مقاربة توطيد المرجعية الدينية الجزائرية السمحة ،سوف يكون لبابا الفاتيكان الفرصة للإطلاع عن قرب على مدى الثراء الثقافي الذي تتمتع به الجزائر و عن تجربتها كذلك في المصالحة و محاربة التطرف الديني و هي كلها تجارب مشهود لها في العالم .







