لا زالت غزة تكشف عن مكنوناتها ، فبعدما فضحت الداخل الفلسطيني بانقساماته التي لا تخدم القضية و لا المشروع الوطني الفلسطيني بتموقع السلطة الوطنية الفلسطينية في جحر الأريحية و الإنهزامية ، هاهي غزة تلقننا درسا آخر و هي التي وضعت العمل الإنساني على المحك و أظهرت الرهانات الكبرى المتعلقة به و بارتباطه تارة بالمحتل و الغازي و تارة أخرى بخضوع و خنوع الحليف أو الصديق الوهمي و أقصد هنا خاصة الدول العربية .
يلاحظ الدارس و العامل في المجال الإنساني ، انهيار المنظومة النظرية و العملية للعمل الانساني في الحالة الغزاوية . لقد انهارت منظومة معايير التدخل و أصبحت عبثية ، غير مرتبطة بسياق الكارثة أو الحرب ،نظرا لخصوصية غزة من النواحي الإستراتيجية و السياسية وكثافة الهمجية الصهيونية وحجم العنف الممارس ،كلها عوامل أخرجت العمل الإنساني من المرجعية المعيارية ،فلقد أصبحت غزة أنموذجا قائما بذاته و مرجعية أصبح من اللازم الأخذ بها .
كيف سنتعامل كخبراء و متدخلين في العمل الإنساني و كيف يمكننا بلورة الحالة الغزاوية كمرجعية لبناء منظومة عمل إنساني لها مبادئها و منطلقاتها ؟
الرهان الكبير هنا هو كيف يمكننا فهم الواقع الغزاوي في ظل تواصل متقطع للقصف و العنف ، ضبابية كبيرة في تسيير شؤون القطاع من الداخل و من مجلس السلام المزعوم ، تواصل انهيار سمعة العمل الإنساني من خلال فضائح المنظمات الإنسانية التي أصبحت عيونا للعدو في القطاع، و عجز للمنظومة الأممية على التكفل باحتياجات الغزاويين الأساسية و كأن هناك شبه إجماع على تماطل مقصود من أجل خدمة أجندة المحتل و هي إرغام السكان على الرحيل عن غزة في مشهد آخر للنكبة .
هنا نتوقف عند محدودية العمل الانساني ،الذي أصبح عملا إغاثيا محدودا جدا في ظل ضعف و شح المساعدات المقدمة ، تنظيم المرور عبر المعابر المتاحة ، خضوع المساعدة الإنسانية لإرادات المتصارعين على القضية من خلال القطاع . كل هذا رهن العمل الانساني و عجل بانهياره الحتمي .
هو درس آخر من دروس غزة ، التي مهدت لما نعرفه حاليا من تكالب على إيران و لبنان و فضح جلي للمطبعين و لتضامن عربي أصبح في طي النسيان فاسحا المجال لموجة تضامن جديدة قادمة من خارج ما يسميه الإعلام المحيط العربي أو العالم العربي و الذي سأتطرق إليه في الحلقة القادمة من هذه السلسلة .







