يقف بنك فلسطين اليوم، بوصفه أكبر بنك في الوطن المحتل والمعتمد باسم السلطة الفلسطينية دولياً، أمام اختبار حقيقي لدوره المجتمعي فبدلاً من أن يتحول إلى ركيزة دعم اقتصادي في وجه الانهيار، من خلال تقديم خدمات مجانية وتسهيلات متنوعة في الحالة الاستثنائية، لكنه تعمد على تعزيز اتساع فجوة الثقة بينه وبين المواطنين الغزيين الذين أنهكتهم الحرب.
وفي قطاعٍ تتآكل فيه مقومات الحياة يومًا بعد يوم، تحت وطأة حرب مدمّرة وانهيار اقتصادي غير مسبوق، لم يعد المطلوب من البنوك مجرد فتح الأبواب، بل إعادة تعريف دورها المجتمعي وواجبها الوطني في زمن الكارثة والابادة، فيما يعتبر بنك فلسطين أكبر بنك محلي من حيث حجم الأصول ورأس المال وشبكة الفروع وعدد العملاء وفقاً لأحدث التقارير المالية، ولأن بنك فلسطين يبدو أكثر انفصالاً عن معاناة أهل غزة.
فقد أكدت شهادات ميدانية قيامه بانتهاج سياسات تعسفية ادت إلى إجراءات تقشفية في ظروف الحرب، فإن توقيت هذه القرارات أثار تساؤلات حول البُعد القانوني والاجتماعي لدور البنك، خصوصًا أنه يُعد من أكبر المؤسسات المالية الفلسطينية وأكثرها تأثيراً؛ وندرس في هذا المقال أبرز السياسات العقابية كما وصفها عدد من سُكان غزة المتضررين ومنها:
سياسة التقييد على حسابات الأفراد والمؤسسات والمعاملات البنكية، ووقف حركة السيولة النقدية وسوء تسويق العملات المهترئة أو تبديلها، رغم أن الخدمات المصرفية كانت تشكّل الوسيلة شبه الوحيدة المتبقية للسكان لتسيير شؤونهم اليومية الأساسية، كعمليات البيع والشراء وتأمين الاحتياجات الضرورية، ورغم ذلك كرّس بنك فلسطين نفسه كأداة تضييق في خضم حرب الإبادة، وهو ما برز بالبدء بتوقيف وإغلاق حسابات مصرفية، وفرض مزيد من التعقيد على نظام التحويلات البنكية، وعدم إيجاد حلول لتفعيل نظام السحب والإيداع، ومنع فتح حسابات بنكية جديدة للمواطنين، وفصل موظفين في أحلك أوضاع القطاع بحجج ودواعي غير واضحة؛ فأهل التضحيات كانوا العُرضة الأكثر لتلك السياسة القذرة وفق ما يعرف بالنظام المركزي للبنك (السستم)، كذوي الشهداء والأسرى والجرحى والأسرى المحررين وموظفين حكومة غزة أو عناصر محسوبة على فصائل المقاومة.
وفي الوقت الذي تُمثل فيه السيولة النقدية شريان الحياة الإقتصادية، وضمان استمرار النشاط التجاري ودفع الأجور، لم يكن بنك فلسطين مُجرد طرف محايد، بل تحوّل إلى طرف فاعل في تنفيذ هذه السياسات العقابية لسُكان غزة، التي تفاقم من مُعاناة الفلسطينيين في غزة، والتي ترسم صورة قاتمة لتواطؤ مؤسسات السلطة الفلسطينية، عبر آلياتها المالية، مع الحصار الإسرائيلي.
أحد أبرز الانتقادات الموجهة لبنك فلسطين يتعلق برفض فتح حسابات مصرفية جديدة لمواطنين في غزة خلال الحرب ما بين الفترة الزمنية (2023,2026)، أو تأجيل البت في طلباتهم دون مبررات واضحة، هذا الإجراء حرم شريحة كبيرة من السكان الأشد احتياجاً، من إمكانية استقبال تحويلات خارجية أو تنظيم مدخراتهم بشكل آمن،هذا الواقع دفع كثيرين إلى اللجوء إلى وسطاء وسوق غير رسمي، وما يعرف بـ"العمولة" لتحويل أرصدتهم إلى سيولة نقدية مقابل عمولات مرتفعة، ما يفاقم خسائرهم في وقت هم بأمسّ الحاجة فيه لكل شيكل، ورغم أن أزمة السيولة ترتبط بعوامل سياسية وأمنية أوسع، إلا أن الانتقاد الموجه لبنك فلسطين يتمثل في غياب حلول استثنائية مرنة تتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية، والاكتفاء بإجراءات تقليدية لا تعكس طبيعة المرحلة.
فلا تزال عمليات السحب والإيداع النقدي مُعطلة في غزة، في ظل أزمة سيولة خانقة. وباتت الحسابات المصرفية، وفق وصف مواطنين، أرقامًا على الشاشة لا يمكن تحويلها إلى نقد فعلي لتلبية الاحتياجات اليومية، وفي بيئة تتزايد فيها المساعدات والتحويلات الفردية من الخارج، يصبح الحساب البنكي ضرورة معيشية لا ترفًا إدارياً، وبالتالي، فإن تقييد فتح الحسابات يُنظر إليه من قبل متضررين كإجراء يضاعف العزلة المالية للقطاع، بدل أن يسهم في دمجه ماليًا في ظل الأزمة.
سياسة التمييز بين المواطنين حاملي البطاقة الشخصية حول تاريخ إصدارها، فمن باب التضييق، ورغم إعلانه العمل على استئناف فتح حسابات بنكية للمواطنين في غزة، إلا أن الواقع يقول إن بنك فلسطين يرفض فتح أي حساب بنكي لسكان غزة ممن يحملون هويات شخصية منتهية الصلاحية أي أنها صادرة منذ أكثر من 10سنوات أو صادرة عن الشق المدني بوزارة الداخلية في غزة، كوثيقة إثبات شخصية رسمية في معاملاته المصرفية، ولم يقتصر رفض البنك على الهوية الدائمة، بل شمل أيضا بطاقة التعريف المؤقتة التي صدرت كبديل فاقد أثر ظروف طارئة خلال أشهر الحرب.
ويأتي موقف إدارة بنك فلسطين في وقت أعلنت فيه وزارة الداخلية في رام الله اعترافها الرسمي بالوثيقتين (الهوية الدائمة والتعريف المؤقتة)، مع توجيهات صريحة لسلطة النقد باعتمادهما في كافة المعاملات المالية والمصرفية، إلا أن مجلس إدارة البنك لا يزال يرفض التعامل بهذه القرارات، ورغم أن البنوك تبرر هذه الإجراءات باعتبارات تنظيمية وامتثال مصرفي، إلا أن منتقدين يرون أن تطبيق المعايير دون مراعاة الواقع الاستثنائي يحوّل الضوابط إلى عوائق، ويضع المواطن في مواجهة بيروقراطية قاسية في وقت فقد فيه منزله أو مصدر رزقه.
سياسة الفصل التعسفي لمئات الموظفين من العاملين لديه في قطاع غزة دفعة واحدة، بينهم قرابة 400 موظف داخل القطاع، إضافة إلى عشرات آخرين غادروه خلال الحرب، وذلك دون إعلان أي أسباب واضحة أو معايير شفافة توضّح آلية اتخاذ قرار تسريح الموظفين وفصلهم بشكل تعسفي، فيما تُمثل هذه الخطوة تنصلًا خطيرًا من المسؤولية المجتمعية في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة، مع استمرار حرب الإبادة وما خلّفته من انهيار اقتصادي واجتماعي واسع، وهناك عددًا من الموظفين المفصولين كانوا يزاولون عملهم فعليًا في الفروع التي أعيد فتحها مؤخرًا داخل غزة، قبل أن يتلقوا اتصالات هاتفية من إدارة البنك تطالبهم بتقديم استقالاتهم، دون إتباع أي إجراءات قانونية أو إدارية واضحة، وبأسلوب وصف بالمُهين، حيث يرى مراقبون أن فصل موظفين في بيئة تعاني من فقرٍ مدقع وبطالة مرتفعة وانهيار اقتصادي وأزمة مالية وفقدان سيولة نقدية يبعث رسائل سلبية بل كارثية حول الالتزام بالمسؤولية المجتمعية في أصعب الظروف المحيطة بسكان قطاع غزة.
سياسة الاستعلاء والتكبر على الناس وإغلاق الفروع المنتشرة في قطاع غزة، والتهميش بعدم الرد على الاستفسارات المقدمة والمعاملات المطروحة، هذه الخطوة تعكس، أن بنك فلسطين الذي يقدّم نفسه باعتباره “البنك الوطني المعتمد” كان من أوائل الجهات التي تخلّت عن الفلسطينيين والغزيين خصيصاً في واحدة من أكثر المراحل قساوة خلال الحرب والتي أغلق أبوابه في وجوه أهالي وسكان قطاع غزة، كما أن مبادئ العناية الواجبة في مجال الأعمال وحقوق الإنسان تُحمّل المؤسسات المصرفية مسؤولية مضاعفة خلال الأزمات، حيث يتعيّن عليها تقييم الأثر الحقوقي لقراراتها المالية والإدارية، وضمان عدم إلحاق أضرار تعسفية بالموظفين أو تعميق الانهيار الاقتصادي والاجتماعي القائم، ولا يمكن فصل القرارات الصادرة عن سياسات انتهجها بنك فلسطين منذ بداية الحرب، والتي وُصفت على نطاق واسع بأنها مُجحفة بحق سكان قطاع غزة، عبر التضييق على الحسابات البنكية وتعميق أزمة السيولة وحرمان فئات واسعة من الوصول إلى حقوقها المالية، ومنع فتح حسابات جديدة للمواطنيين وإغلاق وتقييد حسابات نشطة وفعالة لأفراد ينتمون لتنظيمات فلسطينية أو مؤسسات دولية أو محلية، ويؤكد منتقدو هذه السياسات أن استمرارها يعكس غيابًا واضحًا للمسؤولية المجتمعية في مرحلة يُفترض فيها بالمؤسسات الوطنية أن تكون سندًا للناس، لا عبئًا إضافيًا فوق معاناتهم اليومية.
فمن المستفيد من هذه السياسات العقابية والمقصودة لأهل غزة؛ وتحديداً في ظل الحرب المُسعرة ضد البشر والشجر والحجر؛ بعد عامين من الحرب والدمار الذي أصاب قطاع غزة، لا يكفي تشغيل فروع محدودة مرحلياً دون خطة عاجلة لتأمين السيولة وحماية مدخرات المواطنين، وسط تكدس ازدحام المواطنين أمام بوابات فروع البنك في محافظتي غزة والوسطى فقط! الأمر الذي عمل على احتكار الفروع التي تستقبل عملائها وتقديم لهم الخدمات المتاحة وفقاً للسياسات المتبعة من إدارة البنك في رام الله.
فلا يمكن إغفال دور بنك فلسطين المتواطئ في تشديد الحصار المالي، لا سيما الإنساني على قطاع غزة، برغبة إسرائيلية مُعلنة، إذا لطالما دعت أوساط سياسية إسرائيلية بمنع وصول الأموال أو تجديد النظام المصرفي في القطاع، بحجة منع تقويض المقاومة ومنع محاولات إعادة تأهيلها، كما أن السلطة الفلسطينية تقود دورها التنسيقي بتنفيذ الأجندة الصهيونية فيما تمنح وتمنع وفق ما يدلي به ضباط الشاباك (مخابرات الاحتلال).










