في توقيت حساس يمر به الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تتصاعد وتيرة الانتهاكات المنهجية التي تمارسها سلطات الاحتلال في مدينة القدس المحتلة، مستهدفة بشكل مباشر بلدتي سلوان والعيسوية، اللتين تمثلان خط الدفاع الأول عن الهوية العربية للمدينة.
وقدم المحلل السياسي الفلسطيني محمد مصطفى شاهين قراءة تحليلية لهذا التصعيد الميداني، مؤكداً أن ما يحدث ليس مجرد إجراءات أمنية روتينية، بل هو تنفيذ دقيق لاستراتيجية إسرائيلية كبرى تهدف إلى تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي للمدينة المقدسة بما يخدم الرواية الاستيطانية.
دلالات التوقيت: صراع الإرادات والهروب نحو التصعيد
يرى شاهين في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أن هذا التصعيد يأتي في سياق مرحلة سياسية إسرائيلية داخلية تتسم بالتشدد المفرط، حيث تسعى حكومة "نتنياهو، بن غفير، سموتريتش" إلى إثبات قدرتها على فرض السيادة الكاملة على ما يصفونه بـ "القدس الموحدة"، ويوضح أن التوقيت الحالي يرتبط بمحاولة الاحتلال استغلال الظروف الدولية والإقليمية لتسريع وتيرة التهويد، واستخدام القوة العسكرية كأداة للردع في وجه المقاومة المتنامية في الضفة والقدس.
كما يشير إلى أن تزايد عمليات "الهدم الذاتي" في أحياء الشياح وبطن الهوى ورأس العامود يعكس رغبة الاحتلال في حسم الملفات العالقة قبل حدوث أي تحولات سياسية دولية قد تفرمل مشاريعه الاستيطانية.
الاستراتيجية الكبرى: من التهويد إلى التطهير العرقي البطيء
ويؤكد شاهين أن السياسة الإسرائيلية الحالية تتجاوز مصطلح "التهويد" لتصل إلى ما يمكن وصفه بـ "التطهير العرقي البطيء". فالاحتلال يدمج بين الأدوات العسكرية المباشرة والتشريعات القانونية التمييزية لخلق بيئة طاردة للفلسطينيين وتعد مشاريع مثل "مدينة داود" التي تديرها جمعية "العاد" الاستيطانية في سلوان، مثالاً صارخاً على محاولات السيطرة على الأحياء المحيطة بالمسجد الأقصى، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً لقرار مجلس الأمن رقم 478 لعام 1980، وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة لا يجوز تغيير طابعها القانوني أو السكاني.
سيكولوجية الهدم الذاتي: الإكراه تحت وطأة القانون
توقف المحلل الفلسطيني عند ظاهرة "الهدم الذاتي" التي أصبحت كابوساً يطارد عائلات الطويل وقويدر والطحان وغيرهم. ويوضح شاهين أن إجبار المواطن على هدم منزله بيده يمثل قمة الانتهاك النفسي والاقتصادي، حيث يضع الاحتلال السكان بين خيارين مرّين: إما الهدم بأيديهم أو تحمل تكاليف الهدم الباهظة التي تفرضها البلدية، والتي قد تصل إلى مئات الآلاف من الشواكل، هذه السياسة تهدف إلى دفع السكان نحو "التهجير الطوعي المفتعل"، وهي جريمة تخالف العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، خاصة مع تسجيل عام 2025 كواحد من أسوأ الأعوام في تاريخ عمليات الهدم بالقدس.
عسكرة الإدارة: مرافقة البلدية لقوات الشرطة
يكشف شاهين عن الوجه الآخر للاقتحامات، والمتمثل في مرافقة طواقم بلدية الاحتلال للقوات العسكرية. ويرى أن هذا الإجراء يهدف إلى "شرعنة" الانتهاك عبر تحويله من فعل عسكري صِرف إلى إجراء إداري قانوني، وتقوم هذه الطواقم بتصوير المباني، وتحرير المخالفات الكيدية، وتوزيع إخطارات الهدم، مما يخلق ملفات قانونية جاهزة لاستخدامها في المحاكم الإسرائيلية لاحقاً كذرائع لمصادرة الأراضي، الهدف النهائي هو خلق حالة من "الرعب اليومي" والضغط الإداري المستمر الذي يحرم المقدسيين من الشعور بالأمان في منازلهم، مما يمهد الطريق لإخلاء أحياء كاملة لصالح المستوطنين.
الجحيم اليومي: الآثار الاجتماعية والاقتصادية للعدوان
لا تتوقف آثار التصعيد عند هدم الحجر، بل تمتد لتضرب النسيج الاجتماعي للفلسطينيين في سلوان والعيسوية. ويصف شاهين الواقع المعيشي بأنه تحول إلى "جحيم يومي" نتيجة الحواجز المفاجئة، والاعتقالات العشوائية، والغرامات المالية التي تنهك الاقتصاد المحلي، هذا الحصار غير المعلن يؤدي إلى تفكك الأسر وانهيار المؤسسات المحلية، ويجعل الأطفال يعيشون في حالة خوف دائم، وهي حرب نفسية ممنهجة لكسر الإرادة الجماعية للصمود. الاحتلال يريد إيصال رسالة مفادها أن الحياة في القدس للفلسطينيين ستكون مستحيلة، بينما تفتح الأبواب على مصراعيها للمستوطنين بدعم حكومي كامل.
مستقبل القدس: بين الضم الفعلي وحق العودة الصامد
في ختام تحليله، يشدد محمد مصطفى شاهين على أن هذه التحركات هي تمهيد لمشاريع كبرى تهدف لتحويل الأحياء الفلسطينية إلى "حدائق قومية" ومستوطنات يهودية، وهو ما يغير التوازن الديموغرافي جذرياً في إطار خطة "القدس الموحدة"، هذه الممارسات تصنف كجريمة حرب مستمرة بموجب المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة.
ومع ذلك، يرى شاهين أن الوعي الجماعي الفلسطيني والصمود الأسطوري لأهالي القدس هو الصخرة التي ستتحطم عليها هذه المؤامرات، مؤكداً أن المدينة ستبقى عربية الهوية والسيادة، وأن القوة العسكرية مهما بلغت لن تستطيع إلغاء الحق التاريخي والقانوني للشعب الفلسطيني في عاصمته المقدسة.










