20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

غزة تحت حصار الأوبئة: تدهور بيئي خطير يهدد حياة آلاف العائلات وسط القطاع

يعيش النازحون في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة فصلاً جديداً من فصول المعاناة التي تتجاوز القصف والدمار

بقلم: محمد خميس
١٣ أبريل ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
23 مشاهدة
غزة

غزة

يعيش النازحون في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة فصلاً جديداً من فصول المعاناة التي تتجاوز القصف والدمار، حيث تطل "الكارثة البيئية" برأسها مهددة حياة الآلاف في مخيمات الإيواء المكتظة.

 ومع استمرار الحصار الخانق ومنع إدخال أبسط مقومات النظافة والمبيدات الحشرية، تحولت هذه المخيمات إلى بؤر موبوءة تنتشر فيها الحشرات والقوارض بشكل مرعب، ما تسبب في تفشي أمراض جلدية وتنفسية لم يعهدها السكان من قبل. 

هذه الظروف المأساوية، التي تأتي في ظل غياب تام لشبكات الصرف الصحي، جعلت من "الخيمة" التي كان يُفترض أن تكون ملجأً آمناً، مكاناً يفتقر لأدنى معايير الكرامة الإنسانية، وسط تحذيرات طبية من انفجار وشيك في الحالة الصحية قد يؤدي إلى سقوط ضحايا بأعداد تفوق ما تخلفه العمليات العسكرية المباشرة.

الحشرات والقوارض.. وحوش صامتة تشارك النازحين خيامهم

تؤكد الشهادات الحية من داخل مخيمات النزوح في دير البلح أن الحياة باتت جحيماً لا يُطاق؛ حيث يروي النازحون قصصاً تقشعر لها الأبدان عن غزو الذباب والصراصير والبعوض لخيامهم بكثافة غير مسبوقة، نتيجة تراكم النفايات والمياه العادمة بين الخيام.

 ولم يتوقف الأمر عند الحشرات، بل وصلت المأساة إلى انتشار الفئران والقوارض التي باتت تهاجم الأطفال في منامهم، حيث سُجلت حالات إصابة مباشرة، من بينها عض طفلة صغيرة داخل خيمتها، ما أثار موجة من الرعب بين الأمهات اللواتي يفتقرن لأي وسيلة لحماية أطفالهن. 

إن هذا الانتشار ليس مجرد مظهر من مظاهر القذارة، بل هو ناقل حيوي للأمراض الفتاكة في بيئة يعاني أطفالها أصلاً من سوء التغذية الحاد وضعف المناعة، مما يجعل من أي إصابة بسيطة خطراً داهماً على حياتهم.

المستشفيات تحت الضغط.. صرخة طبية من "شهداء الأقصى"

من جانبه، أطلق خليل الدقران، المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى، تحذيراً شديد اللهجة حول الوضع الصحي المتدهور. وأكد أن المستشفى بات يستقبل أعداداً هائلة ومتزايدة من المرضى، وخاصة الأطفال، المصابين بأمراض جلدية معدية مثل "الجرب" والحكة الشديدة، فضلاً عن النزلات المعوية الحادة والتهابات الجهاز التنفسي الناتجة عن استنشاق الروائح الكريهة والعيش في بيئة ملوثة. 

وأوضح الدقران أن الطواقم الطبية تعمل بإمكانيات محدودة جداً، محذراً من أن استمرار منع إدخال المنظفات والمبيدات الحشرية سيمهد الطريق لتفشي أوبئة واسعة النطاق مثل "الكوليرا" أو "الكبد الوبائي"، وهي أمراض قد يصعب السيطرة عليها في ظل الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية في قطاع غزة.

انعدام البنية التحتية وتحول المخيمات إلى مزارع للميكروبات

إن السبب الرئيسي وراء هذه الكارثة يعود إلى التدمير الممنهج للبنية التحتية؛ فقد أدى استهداف شبكات الصرف الصحي ومنع وصول الوقود اللازم لتشغيل مضخات المياه إلى تجمع المياه الراكدة حول خيام النازحين، مما حوّل المكان إلى مستنقعات وبائية بامتياز. 

النازحون في دير البلح يشيرون إلى أن الروائح الكريهة باتت رفيقهم الدائم، وأن غياب الصابون والمعقمات والمياه الصالحة للاستحمام جعل من النظافة الشخصية رفاهية بعيدة المنال. 

هذا الواقع أوجد بيئة خصبة جداً لتكاثر الطفيليات، حيث تصبح الخيام المصنوعة من النايلون والقماش مخازن للحرارة والرطوبة، وهي الظروف المثالية لنمو الفطريات والبكتيريا التي تنهش أجساد النازحين المنهكة أصلاً من النزوح المتكرر وفقدان المأوى.

مطالبات دولية وتخاذل إنساني مستمر

أمام هذا المشهد القاتم، تتصاعد دعوات النازحين والجهات الحقوقية للمنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية و"الأونروا"، للتدخل الفوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

 إن إدخال المبيدات الحشرية وتوفير أدوات النظافة الشخصية ليس مجرد مطلب إنساني، بل هو حق أساسي للحياة تضمنه القوانين الدولية في أوقات النزاع. 

ويرى مراقبون أن صمت المجتمع الدولي عن هذه الجوانب "البيئية" للعدوان يساهم بشكل غير مباشر في تفاقم الكارثة، حيث يُترك آلاف الفلسطينيين لمواجهة مصيرهم أمام جيوش من الحشرات والقوارض والأمراض. 

إن التدخل العاجل لتصريف المياه العادمة وتوفير حلول صحية عاجلة هو السبيل الوحيد لمنع تحول هذه المخيمات إلى "مقابر بيئية" جماعية، في وقت ينتظر فيه النازحون بصيص أمل ينهي كابوسهم اليومي.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال