مع امتداد أمد الحرب بين إيران وإسرائيل، لم يعد المشهد العسكري ثابتاً كما حاولت الرواية الإسرائيلية تقديمه، بل شهد تحولات متسارعة في ميزان الأداء الميداني، خصوصاً فيما يتعلق بفاعلية أنظمة الدفاع الجوي. فقد أظهرت معطيات نشرتها صحيفة "هآرتس" أن الأسبوع الأخير من القتال سجل اختراق نحو ربع الصواريخ الإيرانية لمنظومات الاعتراض، وهو تطور لافت يعكس منحنى تصاعدياً في قدرة هذه الصواريخ على الوصول إلى أهدافها.
وبحسب تحليل الصحيفة، فإن هذه النسبة ليست حدثاً عابراً، بل تأتي ضمن اتجاه متنامٍ رُصد خلال مراحل الحرب المختلفة. فكلما طال أمد المواجهة، ارتفعت نسبة الصواريخ التي لم يتم اعتراضها، سواء بسبب تعقيدات تقنية أو حسابات تشغيلية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول حدود التفوق الدفاعي الإسرائيلي الذي طالما جرى الترويج له.
الصواريخ العنقودية
تكشف البيانات أن جزءاً كبيراً من هذا التحول يرتبط باستخدام إيران للصواريخ العنقودية، وهي أسلحة تطلق عشرات الذخائر الصغيرة التي تنتشر على مساحات واسعة، ما يجعل اعتراضها أكثر تعقيداً. وتشير "هآرتس" إلى أن إسرائيل لم تتمكن حتى الآن من تطوير استجابة فعالة ومخصصة لهذا النوع من التهديد، رغم أنها واجهته سابقاً في جولات قتال سابقة، خصوصاً في يونيو من العام الماضي.
هذا العجز النسبي لا يتعلق فقط بطبيعة السلاح، بل أيضاً بحدود الأنظمة الدفاعية المستخدمة. فبعض هذه الأنظمة، مثل "مقلاع داود"، صُمم أساساً لاعتراض الصواريخ بعيدة المدى، لكنه لا يملك الكفاءة الكافية للتعامل مع الذخائر العنقودية التي تتفكك على ارتفاعات منخفضة نسبياً داخل الغلاف الجوي.
أرقام تكشف الواقع
وفقاً للفحص الذي أجرته "هآرتس"، أطلقت إيران نحو 650 صاروخاً خلال أربعين يوماً من القتال، وهو رقم يتقاطع مع تقديرات الأنظمة الإسرائيلية. ومن بين هذه الصواريخ، تمكن 77 صاروخاً من اختراق الدفاعات وإصابة أهداف داخل إسرائيل، أي ما يقارب 12% من إجمالي الإطلاقات.
ومن اللافت أن الغالبية الساحقة من هذه الصواريخ المخترقة كانت عنقودية، حيث بلغ عددها 61 صاروخاً، في مقابل 16 صاروخاً فقط برؤوس حربية تقليدية تزن ما بين 100 و500 كيلوغرام. وقد أسفرت هذه الهجمات عن سقوط قتلى وجرحى، إضافة إلى أضرار واسعة النطاق في مئات المواقع، بما في ذلك مناطق في الضفة الغربية.
مقارنة بجولات سابقة
للمقارنة، تشير المعطيات إلى أن إيران أطلقت نحو 530 صاروخاً بالستياً خلال 12 يوماً فقط في يونيو الماضي، وتم توثيق اختراق 35 صاروخاً آنذاك، كان معظمها من النوع التقليدي وليس العنقودي. وهذا يعكس تحولاً واضحاً في تكتيكات الاستخدام الإيراني، حيث بات الاعتماد على الذخائر العنقودية أكثر حضوراً وتأثيراً في الجولة الأخيرة.
هذا التحول لا يمكن فصله عن سياق أوسع من التكيف العسكري، حيث تسعى طهران إلى استغلال الثغرات في أنظمة الدفاع الإسرائيلية، وهو ما يفسر التزايد التدريجي في نسب الاختراق مع مرور الوقت.
أزمة أنظمة الاعتراض
رغم تأكيد مصادر عسكرية إسرائيلية عدم وجود نقص مباشر في صواريخ الاعتراض، فإن الواقع الميداني يعكس تعقيدات أكبر. فطول أمد الحرب فرض ضغوطاً على إدارة المخزون، خاصة مع ارتفاع تكلفة بعض الأنظمة مثل "حيتس 3"، الذي يُعد الأغلى في الترسانة الإسرائيلية، حيث تصل تكلفة الصاروخ الواحد إلى نحو 3 ملايين دولار، وفقاً للتقديرات التي نقلتها "هآرتس".
كما كشفت تقارير سابقة، منها ما بثته القناة 12، عن تأخر في إعادة تزويد هذا المخزون بسبب خلافات داخلية بين مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية. وفي السياق ذاته، تراجع مخزون صواريخ "ثاد" الأمريكية بعد استخدامها المكثف، مع نقل جزء منها إلى دول الخليج، ما يعكس دوراً أمريكياً مباشراً في إدارة التوازنات الدفاعية في المنطقة.
معضلة القرار اللحظي
تعتمد آلية الاعتراض الإسرائيلية على تتبع الصاروخ منذ لحظة إطلاقه، وتحديد نقطة سقوطه المتوقعة قبل اتخاذ قرار الاعتراض أو تركه يسقط في مناطق مفتوحة. غير أن هذا القرار لا يكون دائماً دقيقاً، خاصة في ظل محدودية الموارد وتعقيد طبيعة التهديد.
وتزداد هذه المعضلة تعقيداً في حالة الصواريخ العنقودية، التي تتفكك على ارتفاع يقارب 10 كيلومترات، ما يتطلب استخدام أنظمة اعتراض عالية الارتفاع مثل "حيتس" أو "ثاد". أما استخدام أنظمة أقل ارتفاعاً، فيعني عملياً السماح بانتشار الذخائر الصغيرة على نطاق واسع.
منحنى الخطر
تكشف البيانات الزمنية للحرب عن تصاعد تدريجي في نسب الاختراق. ففي الأسبوع الأول، لم تتجاوز النسبة 5%، لكنها ارتفعت إلى 7% في الأسبوع الثاني، ثم إلى 16% و23% في الأسابيع التالية. ورغم تسجيل تراجع مؤقت في الأسبوع الخامس، عادت النسبة للارتفاع بشكل حاد في الأيام الأخيرة لتصل إلى 27%، وهي أعلى نسبة خلال الحرب.
هذا التصاعد يعكس تراكماً في الخبرة العملياتية لدى الجانب الإيراني، مقابل استنزاف تدريجي في القدرات الدفاعية الإسرائيلية، سواء على مستوى الموارد أو الكفاءة التشغيلية.
استهداف المدنيين
تشير المعطيات إلى تحول واضح في طبيعة الأهداف، حيث انتقلت الهجمات من التركيز على البنى التحتية والأهداف العسكرية إلى استهداف المراكز السكانية بشكل مباشر، خاصة باستخدام القنابل العنقودية. ويعكس هذا التحول تصعيداً في قواعد الاشتباك، ومحاولة لفرض معادلة ردع جديدة تقوم على استهداف العمق المدني.
في المقابل، تبرز هذه الوقائع زيف الادعاءات الإسرائيلية حول القدرة المطلقة على حماية الجبهة الداخلية، حيث أظهرت الأرقام حجم الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالمناطق المأهولة، رغم كل منظومات الدفاع المتطورة.
أضرار واسعة النطاق
توزعت الإصابات والأضرار على عدة مدن، من بينها تل أبيب وبيتح تكفا وبني براك ورمات غان، حيث سجلت عشرات الإصابات في كل منطقة، إضافة إلى تدمير مئات الشقق وإخلاء آلاف السكان. وتوضح تقارير فرق الإنقاذ، بحسب "هآرتس"، أن القنابل العنقودية رغم محدودية تأثيرها الفردي، فإن انتشارها الواسع يجعلها أداة تدمير فعالة.
كما سقطت العديد من هذه الذخائر في مناطق مفتوحة أو اكتُشفت لاحقاً، ما يزيد من خطورتها على المدى الطويل، خاصة مع بقاء بعض القنابل غير المنفجرة.
حسابات معقدة
يرى ضباط إسرائيليون أن ما يسمى "سياسة الاعتراض" تحكمه اعتبارات متعددة، تشمل إدارة المخزون، وتحديد الأولويات، وحماية المواقع الاستراتيجية. إلا أن هذه السياسة، كما تكشف الوقائع، لا تضمن دائماً منع الضرر، بل تفتح المجال أمام اختراقات متزايدة مع استمرار الحرب.
وفي ظل هذه المعطيات، يتضح أن المواجهة لم تعد مجرد صراع تقني بين صواريخ وأنظمة اعتراض، بل باتت اختباراً لقدرة الأطراف على الصمود والاستنزاف، في سياق إقليمي تلعب فيه أمريكا دوراً محورياً، سواء عبر الدعم العسكري المباشر أو إعادة توزيع منظومات الدفاع في المنطقة.










