بعد أربعة وأربعين يوماً من الحرب العدوانية التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران، بدأ المشهد الحقيقي للكارثة يتكشف شيئاً فشيئاً، فالأرقام التي تخرج من طهران تفوق كل التوقعات، وتكشف عن حجم ممنهج من التدمير طال كل شيء: من المنازل والجسور إلى مصافي النفط ومحطات تحلية المياه.
وأعلن البنك المركزي الإيراني أن إعادة بناء الاقتصاد المدمر، بما في ذلك مصافي النفط المشلولة والبنية التحتية للنقل المدمرة، قد تستغرق أكثر من اثني عشر عاماً. وفي مشهد يعكس فداحة الكارثة، كشفت وزارة الإسكان والطرق العمرانية الإيرانية أن أكثر من 101 ألف منزل في أربع وعشرين محافظة تعرضت لأضرار متفاوتة منذ السابع والعشرين من فبراير حتى التاسع والعشرين من مارس، بمفرده شهر واحد فقط من القصف المتواصل .
ولم تكن المنازل وحدها هي المستهدفة، بل تعرضت منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية لدمار منظم وغير مسبوق في تاريخ الحروب الحديثة. وبلغ عدد منشآت الطاقة التي تضررت في الشرق الأوسط بأكمله أكثر من ثمانين منشأة، أكثر من ثلثها صنف على أنه تعرض لأضرار بالغة أو شديدة الخطورة، مما يعني أن استعادة الإمدادات الإقليمية حتى لو انتهى الصراع فوراً قد تستغرق ما يصل إلى عامين كاملين.
واعتبر رئيس وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول هذا الاضطراب بأنه "أكبر تهديد لأمن الطاقة في التاريخ"، مشيراً إلى أن الخسائر في إمدادات النفط والغاز تجاوزت بالفعل تلك التي شهدتها أزمات السبعينيات والحرب في أوكرانيا مجتمعة، حيث فقد العالم نحو ثلاثين مليون برميل يومياً من إمدادات النفط .
270 مليار دولار خسائر أولية
كشفت التقديرات الأولية الصادرة عن البنك المركزي الإيراني أن الخسائر المادية المباشرة تجاوزت مئتين وسبعين مليار دولار، وهو رقم أولي مرشح للارتفاع بشكل كبير مع استمرار عمليات المسح والتقييم الميداني. وتوزعت هذه الخسائر على قطاعات متعددة، كان نصيب قطاع الطاقة الأكبر منها، حيث تعرضت مصافي النفط ومحطات معالجة الغاز والبنى التحتية التصديرية لأضرار بالغة جعلت معظمها خارج الخدمة.
وفي مؤشر على محاولة التعافي السريع، أعلن نائب وزير النفط الإيراني محمد صادق عظيمي فر أن فرق الصيانة والترميم انتشرت في اليوم التالي للضربات في جميع المنشآت المتضررة، وتم استدعاء المقاولين المعنيين، وبدأت أعمال إعادة البناء بالفعل . وأضاف عظيمي فر أن طهران تتوقع استعادة ما بين سبعين وثمانين بالمئة من طاقتها التكريرية والتوزيعية المتضررة إلى مستويات ما قبل الحرب في غضون شهر إلى شهرين فقط ، وهو ما يعكس قدرة هندسية ولوجستية إيرانية ملفتة رغم شدة القصف.
لكن قطاع الإسكان كان الأكثر إيلاماً من الناحية الإنسانية، إذ أظهرت أرقام وزارة الطرق والتنمية العمرانية أن ما يقرب من مئة وواحد ألف وحدة سكنية تضررت في أربع وعشرين محافظة، منها ما يقارب ثلاثة وثلاثين ألف وحدة في محافظة طهران وحدها، أي ما نسبته ثلاثون بالمئة من إجمالي المنازل المتضررة . وقدرت الوزارة الاحتياجات الأولية لتعويض خسائر قطاع الإسكان بنحو أربعين هيمت (أي أربعين مليار تومان)، منها ثلاثة وعشرون هيمت مرتبطة بطهران تحديداً . وفي محاولة لاستيعاب النازحين، أعلنت الحكومة أنها ستمنح أولوية قصوى لتوفير المأوى الفوري، حيث سيتم إيواء من دمرت منازلهم بالكامل في فنادق مجانية، مع إعفاء المستأجرين من دفع الإيجار في حال تدمير وحداتهم السكنية .
أما على صعيد البنى التحتية الأخرى، فقد لحقت أضرار جسيمة بالجسور ومحطات توليد الكهرباء ومحطات تحلية المياه والمطارات، مما جعل الحياة اليومية للملايين الإيرانيين أشبه بجحيم حقيقي. وأكد تقرير صادر عن البنك المركزي أن إعادة تأهيل الاقتصاد الوطني قد تستغرق أكثر من اثني عشر عاماً، وهي فترة طويلة ستضاعف معاناة شعب صمد أكثر من أربعين يوماً تحت وطأة القصف العنيف . وتشير التقديرات غير الرسمية إلى أن إجمالي تكاليف إعادة الإعمار قد تتراوح بين ألف ومئتي مليار دولار كحد أدنى وألفي مليار ومئتي مليار كحد أقصى ، وهو رقم يعادل أضعاف الناتج المحلي الإيراني، مما يعني أن طهران وحدها لا يمكنها تحمل هذه الأعباء المالية الباهظة تحت أي ظرف.
من سيدفع فاتورة الحرب؟
في خطوة لافتة وغير مسبوقة، لم تكتف طهران بالشكوى أو المناشدة، بل حولت قضية التعويضات إلى مطالبة قانونية وسياسية رسمية، حيث وجهت رسالة شديدة اللهجة إلى مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة، حملت توقيع سفير إيران الدائم لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني، تطالب فيها خمس دول جارة بتعويض إيران عن الأضرار المادية والمعنوية التي تكبدتها . وهذه الدول هي البحرين والسعودية وقطر والإمارات والأردن، والتي اتهمتها طهران بأنها "خرقت التزاماتها الدولية تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية بموجب القانون الدولي" من خلال منح وصول القوات الأمريكية والإسرائيلية إلى أراضيها ومجالها الجوي ومنشآتها العسكرية .
وقال إيرواني في رسالته إن "هذه الدول، من خلال أفعالها غير المشروعة دولياً، انتهكت التزاماتها الدولية تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية بموجب القانون الدولي، مما يستوجب مسؤوليتها الدولية، وعليها أن تقدم تعويضاً كاملاً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، بما في ذلك التعويض عن جميع الأضرار المادية والمعنوية الناجمة عن أفعالها غير المشروعة دولياً" . وأضافت الرسالة أن إيران قدمت لمجلس الأمن أدلة وبيانات موثقة ليس فقط حول استخدام أراضي هذه الدول من قبل المعتدين، ولكن أيضاً في بعض الحالات، تورطهم المباشر في شن هجمات مسلحة غير قانونية استهدفت أهدافاً مدنية في إيران .
وبعيداً عن القنوات الدبلوماسية، صاغ القادة الإيرانيون المطلب بلغة أكثر حدة وصراحة، حيث قال النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا عارف: "السعي للحصول على تعويضات عن الأضرار الناجمة عن الضربات على إيران هو حق غير قابل للتفاوض لشعبنا. أولئك الذين أشعلوا هذه النار لا يمكنهم توقع بقائهم بمنأى عن تكاليفها" . ويقرأ المراقبون في هذا المطلب تحولاً استراتيجياً إيرانياً، حيث لم تعد طهران توجه غضبها فقط نحو واشنطن وتل أبيب، بل بدأت تضغط بشكل مباشر على الحكومات العربية التي تعاونت مع الحملة العسكرية، محاولةً إحداث شرخ في التحالف المعادي لها .
العبور مقابل التعويض المباشر
لكن إيران لم تترك الأمر مجرد مطالبات قانونية، بل تقدمت باقتراح عملي وآلية مبتكرة لتمويل إعادة الإعمار، وذلك ضمن خلافتها من عشر نقاط التي قدمتها إلى إدارة ترامب عبر الوسطاء الباكستانيين . وتقوم الفكرة الأساسية للخطة على أن إيران لن تطلب تعويضات مالية مباشرة من أي طرف، بل ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية مقابل أن تدفع كل سفينة تعبر المضيق رسم عبور بقيمة مليوني دولار، على أن يتم اقتسام هذه العائدات مع سلطنة عُمان .
وأوضحت الخطة الإيرانية أن حصة إيران من عائدات رسوم العبور هذه ستخصص حصرياً لإعادة بناء الجسور ومحطات الطاقة التي دمرتها الضربات الأمريكية والإسرائيلية . وهذا الاقتراح ذكي من الناحية التكتيكية، فهو يحول إعادة الإعمار من مسألة تعويضات قضائية معقدة قد تستغرق سنوات إلى آلية تمويل ذاتي ترتبط بفتح الممر المائي الحيوي. ووصف الرئيس الأمريكي ترامب الاقتراح في البداية بأنه "خطوة مهمة"، لكنه اعتبره "غير كاف"، مهدداً بضربات ستجعل البنية التحتية الإيرانية في حالة تستغرق مئة عام لإعادة بنائها .
وبالفعل، ومع انهيار محادثات إسلام آباد في الثاني عشر من أبريل، وبدء الحصار البحري الأمريكي الشامل في الثالث عشر من أبريل، أصبحت هذه الخطة معلقة في الهواء. لكن بعض المحللين يعتقدون أن هذه الخطة المكونة من عشر نقاط كانت الأساس لاتفاق وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين والذي تم الإعلان عنه لاحقاً، مما يتيح نافذة دبلوماسية للتفاوض على آليات تنفيذ نموذج "رسوم العبور" ونطاق تخفيف العقوبات .
الشعب الإيراني يدفع الثمن
بينما تتصارع الحكومات على من يدفع الفاتورة، يظل الشعب الإيراني هو الخاسر الأكبر في هذه الحرب. فإلى جانب تدمير مئة ألف منزل، تشير التقديرات إلى أن أكثر من ثلاثة آلاف شخص قتلوا في الغارات الجوية الأمريكية الإسرائيلية على إيران منذ الثامن والعشرين من فبراير . ويواجه مئات الآلاف من النازحين الجوع والبرد والعطش، خاصة في المناطق النائية التي تعرضت بنيتها التحتية للخدمات للدمار الكامل.
ولم تقتصر التداعيات على إيران وحدها، بل امتدت إلى العالم أجمع. فقد حذر فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، من أن الاضطرابات الحالية تشكل "أكبر تهديد لأمن الطاقة في التاريخ"، حيث فقد العالم حوالي ثلاثين مليون برميل يومياً من إمدادات النفط . وارتفعت أسعار النفط بشكل كبير، مما زاد من الضغوط التضخمية على اقتصادات العالم كله. ويقول دين بيكر، المشارك في تأسيس مركز الأبحاث الاقتصادية والسياسية في واشنطن، إن "حتى لو انتهت الحرب غداً، فمن المحتمل أن يستغرق الأمر عاماً أو نحو ذلك حتى تتم استعادة جميع مرافق الإنتاج والشحن بالكامل" .
حرب الخراب ورهانات الإعمار
تقدم الأرقام والتقديرات صورة قاتمة عن حجم الكارثة التي حلت بإيران، والتي لم تشهد المنطقة لها مثيلاً منذ حروب الخليج قبل عقود. فمئتان وسبعون مليار دولار ليست مجرد أرقام في دفاتر محاسبية، بل هي آلاف الأرواح التي أزهقت، ومئات الآلاف من المنازل التي هدمت، وبنى تحتية كانت تخدم ملايين البشر دمرت في غمضة عين.
وبينما تطالب إيران جيرانها العرب بدفع فاتورة إعادة الإعمار، وتقدم مقترحات مبتكرة لتمويلها من رسوم عبور السفن، فإن السؤال الأكبر يبقى بلا إجابة حتى الآن: هل ستسمح أمريكا وحلفاؤها لهذه الآليات بالنجاح، أم أن الحرب ستدخل مرحلة جديدة أكثر دموية وتوسعاً، مما يعني المزيد من الدمار وتأجيل أي أمل في التعافي إلى أجل غير مسمى؟ ويظل الشعب الإيراني، بكل فئاته، هو الضحية الأولى في هذه المعادلة المعقدة، منتظراً أي بارقة أمل تأتيه من مفاوضات متعثرة أو من حلفاء لم يحركوا ساكناً.










