لن أُجمّل ولن أستخدم لغة دبلوماسية تُرضي أحداً.. ما يجري ليس تفاوضاً… بل امتحان إذعان.. لبنان اليوم لا يدخل إلى طاولة التفاوض كدولة، بل يُقاد إليها كطرفٍ مُقيَّد، نصفُه صامت، ونصفُه الآخر يتكلّم بلسان غيره.
أيّ تفاوض هذا؟
دولة لا تحتكر قرار الحرب والسلم، نظامٌ لا يملك الجرأة على توحيد موقفه، وسلطةٌ تخاف من ظلّها أكثر مما تخاف على شعبها!
لنكن أكثر صراحة، ما يُحضَّر للبنان ليس اتفاقاً… بل صيغة خضوع مُغلّفة بالسياسة.
حين تذهب دولة إلى التفاوض إمّا أن تفرض شروطها أو على الأقل تدافع عن مصالحها..
أما لبنان اليوم، فيذهب ليُسأل، ماذا تريدون أن نفعل؟
وهنا الفضيحة.
السلطة التي تتحدّث عن السيادة صباحاً، تُسلّم القرار مساءً.
تُخاطب شعبها بلغة الكرامة، وتُخاطب الخارج بلغة التوسّل.
أيّ ازدواجية هذه؟
أيّ سقوطٍ هذا الذي يُطلب من الناس أن يصفّقوا له؟
لا تحاولوا تبرير العجز بكلمات كبيرة.
ولا تختبئوا خلف شعارات المقاومة أو الدولة أو الواقعية السياسية.
الشعوب ترى.وواللبنانيون يعرفون.
نعم يعرفون أنّ بلدهم لم يعد يُدار، بل يُدار به.
ويعرفون أنّ كلّ جولة تفاوض قادمة، إذا لم تُبنَ على قرار سيادي حقيقي، لن تكون إلا محطة إضافية في مسلسل التنازلات.
الأخطر من ذلك؟ أنّ البعض لم يعد يرى المشكلة.
أن يصبح الخضوع “واقعية”، والصمت “حكمة”، والتراجع “إنجازاً”…
فهنا لا تكون الأزمة سياسية فقط، بل أزمة وعي وكرامة.
لبنان لا يحتاج إلى مفاوضٍ بارع، بل إلى قرارٍ شجاع.
قرار يقول بوضوح، نحن دولة… ولسنا تابعين.
أما إذا استمرّ هذا النهج، فلا داعي لكلّ هذا التمثيل.
وفّروا على الناس عناء الانتظار، وأعلنوا الحقيقة كما هي..
لسنا ذاهبين لنفاوض…
نحن ذاهبون لنقول:
“بأمركم.”
وعندها، لا تتحدّثوا عن سيادة، ولا عن كرامة، ولا عن وطن.
لأنّ الوطن الذي لا يملك قراره…ليس وطناً،
بل ورقة على طاولة الآخرين.
وقبل أن يقع ما يُحضَّر في الغرف المغلقة،
أتمنّى—بل أحذّر—أن يصحو السياسيون.
أن يدركوا أنّهم لا يُديرون مرحلة عابرة،
بل يقفون على حافة لحظةٍ ستُكتب في التاريخ إمّا كإنقاذ… أو كسقوط نهائي.
فما يُحضَّر لهم ليس تفصيلاً، وما يُرسم ليس لصالحهم، ومن لا يقرأ التحوّلات…
سيُكتب اسمه في خانة الذين لم يفهموا… حتى خسروا كلّ شيء..










