4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

أزمة "الفكة" في غزة.. بين ابتكارات التكيف الشعبي ومخاطر الحلول الرقمية بلا ضمانات

وفي قراءة تحليلية لهذا المشهد المعقد، يطرح المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر تساؤلات جوهرية تمس صلب العمل المصرفي في القطاع

بقلم: خاص_ 180 تحقيقات
١٦ أبريل ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
20 مشاهدة
المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر

المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر

لا شك أن أزمة نقص العملات المعدنية أو ما يعرف بـ "الفكة" في قطاع غزة قد تحولت مع حلول عام 2026 إلى تحدٍ يومي مرهق يمس أبسط احتياجات الناس الحياتية، حيث يواجه المواطنون صعوبات بالغة في أبسط العمليات الشرائية ابتداءً من شراء ربطة الخبز من المخابز وصولاً إلى شراء حاجيات الأطفال الأساسية من المحال التجارية وحتى سداد أجرة التنقل في المواصلات العامة وغيرها من المعاملات البسيطة.

 هذا الواقع المرير دفع الكثير من الغزيين بوازع الحاجة والضرورة إلى البحث عن حلول بديلة ومبتكرة، سواء عبر مبادرات فردية تطوعية أو مشاريع تجارية رقمية جديدة، وهو أمر يُحسب للمجتمع الغزي الذي يثبت يوماً بعد يوم قدرته الفائقة على التكيف والإبداع في ظل أقسى الظروف المعيشية والسياسية، إلا أن هذه المبادرات رغم بريقها تثير مخاوف اقتصادية عميقة تتعلق بسلامة النظام المالي العام واستدامة هذه الحلول في بيئة تفتقر إلى الاستقرار القانوني والمصرفي الواضح.

غياب المؤسسات المصرفية وسؤال الثقة المفقودة

وفي قراءة تحليلية لهذا المشهد المعقد، يطرح المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر تساؤلات جوهرية تمس صلب العمل المصرفي في القطاع، متسائلاً عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء غياب البنوك والمؤسسات المصرفية الرسمية عن تقديم حلول منظمة وآمنة لهذه الأزمة المستعصية، رغم ما تمتلكه هذه البنوك من ثقة مجتمعية وثقل مالي وخبرة تقنية تؤهلها لإدارة التحول الرقمي في المدفوعات الصغيرة، ويرى أن هذا الفراغ الذي تركته المؤسسات الرسمية هو ما سمح ببدء انتشار تطبيقات ذكية أو بطاقات دفع تُباع وتُشترى في الأسواق العامة خارج أي إطار مصرفي معترف به، وبدون وجود جهة ضامنة تحمي حقوق المستخدمين وأموالهم، وهو ما يضع ممتلكات المواطنين البسيطة في مهب الريح أمام مبادرات قد تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الأمن السيبراني أو الضمان المالي المودع لدى جهات رقابية مستقلة.

مخاطر الحلول بلا ضمانات وتحديات البيئة غير المستقرة

إن الأمر في غزة لا يتوقف عند حدود الابتكار التقني فحسب، بل يمتد ليشمل غياب الغطاء الرسمي حتى عن المبادرات التي تتسم بالجدية، وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يطرحه المحلل أحمد أبو قمر: من يضمن أموال الناس التي تُدفع نقداً مقابل شحن هذه البطاقات أو التطبيقات؟ ومن الذي سيتحمل المسؤولية القانونية والمادية في حال حدوث خلل تقني مفاجئ أو تعرض هذه المنصات لعمليات نصب واحتيال منظمة، أو حتى في حال اختفاء الجهة المُصدرة للبطاقة فجأة من السوق؟ خاصة وأن بيئة غزة الحالية بكل ما فيها من تعقيدات أمنية واقتصادية مهيأة تماماً لحدوث مثل هذه الأحداث المؤسفة.

ويؤكد أبو قمر أن المسألة ليست هامشية كما قد يظن البعض، فالمبالغ الإجمالية المتداولة عبر هذه البطاقات الصغيرة والمنتشرة بين مئات آلاف المواطنين ليست قليلة على الإطلاق، والمخاطر المرتبطة بضياعها حقيقية وملموسة.

دور الجهات الرسمية وغياب الرقابة على الأسواق

في ظل هذا التوسع العشوائي في وسائل الدفع البديلة، يبرز تساؤل استراتيجي حول دور الجهات الرسمية وفي مقدمتها وزارة الاقتصاد الوطني في تنظيم هذا المجال الحيوي والمتنامي، فهل يُعقل أن يُترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لأي مشروع تجاري أو مبادرة فردية للعمل في تداول أموال الناس وتخزينها إلكترونياً دون رقابة صارمة أو إطار قانوني يحمي كافة الأطراف؟ إن غياب القوانين الناظمة لهذه المبادرات يشجع على ظهور "اقتصاد ظل" مالي قد يؤدي في النهاية إلى كوارث مالية فردية وجماعية تزيد من أعباء المواطن المثقل أصلاً بالأزمات.

ويشدد أبو قمر على ضرورة أن تتدخل وزارة الاقتصاد وسلطة النقد لوضع معايير وشروط واضحة لعمل أي جهة تصدر بطاقات دفع بديلة، بما يضمن وجود أرصدة مقابلة لها في البنوك وحماية بيانات المستخدمين من الاختراق أو الاستغلال التجاري غير المشروع.

الحلول الرقمية كبديل لـ "الخردة" المعدنية

ويرى مراقبون أن اللجوء للحلول الرقمية هو توجه عالمي صحيح، لكن تطبيقه في غزة يشوبه الكثير من العيوب الهيكلية، حيث أن المواطن الذي يضطر لشراء بطاقة "فكة" بقيمة عشرة شواكل لكي يتمكن من دفع ثمن الخبز، يجد نفسه أمام جهة مجهولة لا يربطه بها عقد قانوني ملزم، وهذا الواقع يعزز من حالة عدم اليقين الاقتصادي، فالمبادرات الفردية التي يعبر عنها الغزيون بروح الإبداع يجب أن تُحتضن مؤسساتياً لضمان استمراريتها، ويشير المحللون إلى أن أزمة الفكة ليست مجرد نقص في القطع المعدنية، بل هي أزمة في تدوير السيولة النقدية، وهو ما يتطلب تدخلاً من البنوك لتسهيل عمليات الدفع الإلكتروني عبر تطبيقاتها الرسمية المعتمدة بخصومات تشجيعية، بدلاً من ترك الساحة لمشاريع تجارية قد تهدف للربح السريع دون النظر إلى معايير الحماية المالية للمواطن المنهك اقتصادياً.

السيناريوهات المتوقعة في حال استمرار التهميش الرسمي

إذا استمر الحال على ما هو عليه دون تدخل تنظيمي من الجهات المختصة في غزة، فإننا قد نشهد في القريب العاجل انهياراً لبعض هذه المبادرات الرقمية نتيجة ضغوط سحب السيولة أو الأعطال التقنية، مما سيؤدي إلى ضياع حقوق آلاف المستخدمين وتعميق أزمة الثقة في أي حلول تكنولوجية مستقبلية.

 إن التحذيرات التي يطلقها الخبراء الاقتصاديون أمثال أحمد أبو قمر يجب أن تؤخذ على محمل الجد من قبل صانع القرار، فالمسؤولية تقتضي تحويل هذه المبادرات الإبداعية إلى قطاع منظم يساهم في حل الأزمة بدلاً من أن يصبح أزمة جديدة بحد ذاته، إن غزة بحاجة اليوم إلى "ميثاق ضمان مالي" يربط بين المبتكرين والجهات الرقابية والمواطنين، لضمان أن تظل "الفكة" وسيلة لتسهيل الحياة لا وسيلة لتهديد مدخرات الناس البسيطة.

خاص_ 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال