بدأ نازحون في لبنان رحلة العودة إلى منازلهم، الجمعة، مع دخول وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين الاحتلال وحزب الله حيّز التنفيذ لمدة 10 أيام. هذا التطور فتح الباب أمام تحركات ميدانية واسعة لعائلات أنهكتها الحرب، رغم استمرار القلق من هشاشة الاتفاق. ويعكس المشهد حالة مركبة بين الأمل الحذر والخشية من انهيار التفاهم في أي لحظة.
وبرزت الحرب الإسرائيلية على لبنان كعقبة رئيسية أمام تأمين اتفاق سلام أوسع يسعى إليه ترامب لإنهاء حرب إيران. هذه الحرب لم تقتصر آثارها على الجانب العسكري فقط، بل امتدت لتشمل تعطيل تجارة الطاقة العالمية ورفع أسعار النفط بشكل لافت. كما أسهمت في تعميق المخاوف من تداعيات اقتصادية قد تتجاوز حدود المنطقة.
وبعد إعلان الاتفاق، قال ترامب في منشور على منصة "تروث سوشيال"، الجمعة، إنه "قد يكون يوماً تاريخياً للبنان"، مضيفاً أن "أموراً جيدة تحدث". هذا التصريح يعكس محاولة لتسويق الاتفاق كإنجاز سياسي، رغم التحديات الميدانية القائمة. كما أبدى ترامب في تصريحات سابقة أمله بأن يتصرف حزب الله بشكل "جيد وإيجابي" خلال هذه المرحلة الحساسة.
تحذيرات ميدانية
بدأت عائلات نازحة التوجه نحو جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، رغم التحذيرات الرسمية من التسرع في العودة. هذا الاندفاع الشعبي يعكس حجم المعاناة التي دفعت السكان إلى المجازفة بالعودة قبل استقرار الأوضاع بشكل كامل. كما يكشف عن فجوة بين الواقع الميداني والتوصيات الرسمية.
وأصدر جيش الاحتلال تحذيراً لسكان جنوب لبنان، مطالباً بعدم الانتقال إلى جنوب نهر الليطاني حتى إشعار آخر. هذا التحذير يؤكد استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة، ويضع قيوداً عملية على حركة السكان. كما يعكس استمرار حالة التوتر رغم الإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار.
في المقابل، جدّدت قيادة الجيش اللبناني الدعوة إلى التريّث في العودة، مشيرة إلى تسجيل خروقات للاتفاق. وأكدت في بيان ضرورة الالتزام بتوجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة حفاظاً على سلامة المواطنين. كما شددت على تجنب الاقتراب من المناطق الخطرة، خاصة خلال ساعات الليل، في ظل استمرار المخاطر الأمنية.
خروقات مستمرة
رغم دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، استمرت الخروقات الإسرائيلية بشكل ملحوظ في عدة مناطق جنوبية. فقد قصفت مدفعية جيش الاحتلال بلدتي الخيام ودبين، بالتزامن مع عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة. هذا التصعيد الميداني يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام الأطراف ببنود الاتفاق.
كما نفذ جيش الاحتلال عملية تفخيخ ونسف واسعة في بلدة الخيام الحدودية، في مؤشر على استمرار العمليات العسكرية رغم الهدنة. ولم تتوقف الاعتداءات عند هذا الحد، حيث أطلقت القوات الإسرائيلية قذائف مدفعية ورشقات رشاشة باتجاه فريق إسعاف. وأسفر ذلك عن وقوع إصابات، ما يعكس خطورة الوضع الإنساني على الأرض.
ودمر الاحتلال غالبية الجسور التي تربط مناطق جنوب لبنان، ما أدى إلى عزل قرى وبلدات بالكامل. هذا التدمير للبنية التحتية يزيد من صعوبة عودة الحياة الطبيعية، ويعمق الأزمة الإنسانية. كما يضع تحديات إضافية أمام جهود الإغاثة وإعادة الإعمار في المرحلة المقبلة.
عودة رغم المخاطر
رغم المخاطر الأمنية والخروقات المستمرة، يصر أهالي جنوب لبنان على العودة إلى منازلهم. هذا الإصرار يعكس ارتباطاً عميقاً بالأرض، ورغبة في استعادة الحياة الطبيعية مهما كانت التحديات. كما يكشف عن حجم الضغط النفسي والاجتماعي الذي يعيشه النازحون.
ويعمل الجيش اللبناني على فتح الطرق الحيوية، خاصة عند جسر القاسمية، لتسهيل حركة العبور. وقد تم استقدام جرافات لإزالة الركام وردم الحفر الناتجة عن القصف، في محاولة لإعادة ربط المناطق ببعضها. كما تشهد المنطقة جهوداً مكثفة لتنظيم حركة المرور وتخفيف الازدحام.
وشهدت منطقة القاسمية زحمة سير خانقة منذ منتصف الليل، مع توافد العائدين إلى مناطقهم. هذا المشهد يعكس حجم التحدي اللوجستي الذي يواجه السلطات اللبنانية. كما يبرز الحاجة إلى تنسيق أكبر بين الجهات المعنية لضمان عودة آمنة ومنظمة.
مواقف دولية
أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن دعمه الكامل لوقف إطلاق النار في لبنان. لكنه في الوقت نفسه أبدى قلقه من تأثير استمرار العمليات العسكرية على صمود الاتفاق. هذا الموقف يعكس التباين بين الدعم السياسي والواقع الميداني المضطرب.
ودعا ماكرون إلى ضمان أمن المدنيين على جانبي الحدود بين لبنان وإسرائيل. كما شدد على ضرورة تخلي حزب الله عن سلاحه، مقابل احترام الاحتلال للسيادة اللبنانية ووقف الحرب. هذه الدعوات تعكس رؤية أوروبية تسعى لتحقيق توازن بين الأمن والسيادة.
من جانبها، أوضحت الخارجية الأمريكية أن الاتفاق يسمح للاحتلال بالدفاع عن نفسه في أي وقت. لكنها أكدت في المقابل عدم تنفيذ عمليات هجومية ضد أهداف لبنانية، سواء كانت مدنية أو عسكرية. هذا النص يفتح الباب لتفسيرات متعددة قد تؤثر على استقرار الهدنة.
لبنان ومستقبل الهدنة
تشير المعطيات الميدانية إلى أن وقف إطلاق النار لا يزال هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة. فاستمرار الخروقات، إلى جانب التباين في تفسير بنود الاتفاق، يضعف فرص تثبيته. كما يعكس غياب ضمانات واضحة تلزم جميع الأطراف بالالتزام الكامل.
وأكد حزب الله أنه سيرد على أي هجوم، ما يعني أن أي خرق قد يؤدي إلى تصعيد سريع. في المقابل، أعلن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو موافقته على الهدنة لدفع جهود السلام، مع التأكيد على عدم انسحاب القوات. هذا التناقض يعكس تعقيد المشهد السياسي والعسكري.
في ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل الهدنة مرهوناً بتطورات الميدان وقدرة الوسطاء على احتواء التصعيد. كما يعتمد على مدى التزام الأطراف بتقديم تنازلات حقيقية تضمن استقراراً طويل الأمد. وحتى ذلك الحين، ستظل المنطقة تعيش على وقع هدنة هشة قابلة للاهتزاز في أي وقت.







