في سلسلة من التصريحات المتسارعة، طرح دونالد ترامب مواقف لافتة تمس ملفات شديدة الحساسية في الشرق الأوسط، كاشفًا عن مزيج معقد من الضغوط السياسية ومحاولات إعادة ترتيب موازين القوى، سواء في ما يتعلق بإيران أو بجبهة لبنان.
فخلال مقابلة مع NewsNation، أكد ترامب أن إيران وافقت على وقف تخصيب اليورانيوم، مشيرًا إلى أنه لم يكن متفاجئًا من هذه الخطوة، في إشارة إلى قناعته بأن الضغوط الأمريكية المتصاعدة تدفع طهران نحو تقديم تنازلات تدريجية في ملفاتها النووية. ويعكس هذا التصريح تصورًا أمريكيًا يعتبر أن مسار التفاوض مع إيران قد وصل إلى مراحل متقدمة، خاصة مع حديث ترامب عن أن "معظم النقاط تم التفاوض عليها بالفعل".
ضغوط مباشرة على إيران
في سياق متصل، شدد ترامب على أن الحصار البحري المفروض على إيران سيستمر إلى حين إتمام "المعاملات" معها بنسبة كاملة، وهو تعبير يحمل دلالات اقتصادية وسياسية في آن واحد، إذ يوحي بأن واشنطن تستخدم أدوات الضغط البحري والتجاري لفرض شروطها التفاوضية. ورغم إعلان إيران – بحسب ما نقله ترامب – أن مضيق هرمز مفتوح بالكامل وجاهز للعبور، فإن استمرار الحصار يعكس تناقضًا واضحًا بين الإشارات الميدانية والتوجهات السياسية.
هذا التناقض يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة المرحلة الحالية: هل هي مرحلة تهدئة تمهيدية لاتفاق واسع، أم مجرد إعادة تموضع تكتيكي تفرضه توازنات القوة، دون تغيير حقيقي في جوهر الصراع بين واشنطن وطهران؟
لبنان بين القرار الأمريكي والتنفيذ الإسرائيلي
على صعيد آخر، حملت تصريحات ترامب بعدًا أكثر حساسية، حين أكد أن إسرائيل لن تقصف لبنان بعد الآن، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة فرضت بشكل واضح وقف هذا النوع من العمليات، مستخدمًا تعبيرًا حاسمًا يعكس نفاد الصبر من استمرار التصعيد.
وبحسب ما تم تداوله، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أقرّ ضمنيًا بهذا التوجه، معلنًا أن القتال في لبنان سيتوقف "بناءً على طلب صديقي ترامب"، وهو تصريح يكشف حجم التأثير الأمريكي المباشر على القرار العسكري الإسرائيلي، ويؤكد أن هامش الحركة لدى تل أبيب يظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بالموقف الأمريكي.
بين الخطاب والواقع الميداني
ورغم وضوح هذه التصريحات وحدّتها، فإن التجربة منذ أكتوبر 2023 تشير إلى فجوة مستمرة بين الخطاب السياسي والتطبيق الفعلي، خاصة في ما يتعلق بالسلوك العسكري الإسرائيلي في المنطقة، والذي اتسم بتوسيع نطاق العمليات وتكثيف الضربات، وسط دعم أمريكي عسكري وسياسي لم يتوقف.
كما أن الحديث عن "حظر أمريكي" لقصف لبنان لا يمكن فصله عن السياق الأوسع، حيث تلعب واشنطن دورًا مركزيًا في إدارة الصراع، سواء عبر الدعم المباشر أو عبر محاولات احتواء التصعيد عندما يهدد بالتحول إلى مواجهة إقليمية شاملة.
تسارع التفاهمات أم إدارة للأزمات؟
تصريحات ترامب التي تشير إلى ضرورة تسريع العملية مع إيران، بالتوازي مع استمرار أدوات الضغط، تعكس نهجًا مزدوجًا يجمع بين التفاوض القسري ومحاولة فرض نتائج سريعة. وفي الوقت ذاته، فإن التدخل المباشر لوقف التصعيد في لبنان يوحي برغبة في منع توسع رقعة الحرب، دون معالجة جذور التوتر، وعلى رأسها استمرار العدوان على غزة منذ أكتوبر 2023.
وبين هذه المعطيات، تبدو المنطقة أمام مشهد معقد، تتحرك فيه القوى الكبرى بين فرض التهدئة من جهة، والإبقاء على عناصر الضغط والصراع من جهة أخرى، ما يجعل أي حديث عن استقرار دائم أمرًا مؤجلًا، في ظل غياب حلول سياسية حقيقية تعالج جذور الأزمات بدل الاكتفاء بإدارتها.










