الاعتقال الإداري تحول لأداة سياسية وليس إجراء قانونياً
احتجاز الجثامين سياسة ممنهجة للسيطرة والعقاب الجماعي الفلسطيني
الأسيرات يتعرضن للتفتيش العاري والتحرش الجنسي في السجون
غياب التحرك الدولي يعزز الإفلات من العقاب الإسرائيلي بحق الأسرى
المحاكم العسكرية الإسرائيلية تحولت إلى أداة تنفيذ شبه تلقائي للإعدام
استمرار سياسة مقابر الأرقام واحتجاز الجثامين في الثلاجات بحق الشهداء
قالت ياسمين وليد قاسم، المحامية والباحثة الحقوقية لدى الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، إن مشروع قانون إعدام الأسرى هو امتداد لمسار تشريعي طويل اتسم بالانتقائية والعنصرية، مشددة على أنه جريمة مقننة وانتهاك جسيم للحق في الحياة.
وأوضحت "قاسم"، في حوار أجرته معها "180 تحقيقات"، أنه منذ عام 1967 وحتى نهاية عام 2024، تعرّض نحو مليون فلسطيني لسياسات الاعتقال، من بينهم أكثر من خمسين ألف طفل، في مؤشر واضح على الطابع الشامل والممتد لهذه السياسة الانتقامية. كما سُجّلت قرابة 7,000 حالة اعتقال خلال عام 2025 وحده. فيما يُقدّر عدد الأسرى والمعتقلين داخل سجون الاحتلال حتى عام 2026 بنحو (9,600) أسيرًا، يقبعون في (23) سجن ومركز توقيف وتحقيق بينهم حوالي (350) طفلًا و(79) أسيرة.

وأشارت إلى تصاعد استخدام الاعتقال الإداري بشكل ملحوظ، خاصة بحق معتقلي قطاع غزة، في ظل التعديلات التي أُدخلت على قانون “المقاتل غير الشرعي”، والذي منح سلطات الاحتلال صلاحيات أوسع، من بينها احتجاز الأفراد لفترات طويلة دون عرضهم على جهة قضائية قد تصل إلى نحو (75) يومًا قابلة للتمديد، إضافة إلى حرمانهم من حق الاتصال بمحامٍ لفترات قد تمتد لأشهر.
وأكدت "قاسم" أن استمرار احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين، هو في حقيقته سياسة ممنهجة ذات أبعاد مركبة، تطورت تاريخيًا منذ عام 1948 ثم ترسخت بعد عام 1967، لتتحول من ممارسة محدودة إلى أداة ثابتة تُستخدم ضمن منظومة السيطرة والعقاب الجماعي.
بعد إقرار قانون إعدام الأسرى، كيف توصّفين هذا التطور قانونيًا: هل هو تشريع داخلي أم جريمة حرب مُقنّنة؟
لا يمكن النظر إلى مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين باعتباره مجرد تشريع داخلي ضمن المنظومة القانونية الإسرائيلية، بل هو امتداد لمسار تشريعي طويل اتسم بالانتقائية والتمييز والعنصرية. حيث جرى توظيف القانون كأداة سياسية لإضفاء صفة الشرعية على الممارسات والانتهاكات التي تتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ما يجعله أقرب إلى جريمة مقننة وانتهاك جسيم للحق في الحياة منه إلى تشريع قانوني.
فعندما ننظر الى ممارسات الاحتلال الاسرائيلية على مدى الزمن نلاحظ تطور لهذا المسار عبر مراحل متعاقبة؛ لتحويل عقوبة استثنائية محدودة التطبيق إلى أداة تشريعية موجهة ذات طابع عنصري. إذ استندت إسرائيل منذ عام 1948 إلى الإرث القانوني البريطاني، لا سيما قانون الطوارئ لعام 1945، ثم عززت هذا الإطار من خلال إقرار قانون محاكمة النازيين ومساعديهم لعام 1950، الذي شكل الأساس لتطبيق عقوبة الإعدام في جرائم محددة. ورغم إلغاء تطبيق الإعدام فعليًا على الجرائم الجنائية المدنية عام 1954، أبقت إسرائيل على العقوبة في حالات استثنائية مثل جرائم الإبادة والخيانة، وهو ما كرسه قانون القضاء العسكري لعام 1955، ولاحقًا قانون العقوبات لعام 1977، الذي أجاز الحكم بالإعدام في ظروف الحرب أو الجرائم ذات الطابع الأمني.

ومع احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967، أُضيف البعد العسكري عبر الأوامر العسكرية التي وسّعت نظريًا صلاحيات المحاكم العسكرية، من أبرزها الأمر رقم (1651) لعام 2009، دون أن يتحول ذلك إلى تطبيق فعلي منتظم للعقوبة بحق الأسرى الفلسطينيين، حيث بقيت محصورة عمليًا ضمن نطاق السجن المؤبد. وفي السنوات الأخيرة، اتجهت السياسات التشريعية نحو إعادة تفعيل العقوبة بصيغة موجهة إلزامية، عبر خطابات عنصرية ترجمت فيما بعد إلى مشاريع قانونية تستهدف الأسرى الفلسطينيين.
وتُظهر مسارات طرح هذا القانون منذ عام 2015، مرورًا بمحاولات متكررة في 2016 و2018–2020، وصولًا إلى إعادة إحيائه في سياق سياسي متطرف منذ عام 2022، أن الهدف لم يكن تنظيم العقوبة بقدر ما هو استهداف فئة بعينها، وهم الأسرى الفلسطينيون. الى أن تُوّج ذلك بالمصادقة على المشروع في قراءاته المختلفة حتى عام 2026. فهذا القانون ليس إلا قانون عنصري يمثل تمييزًا واضحًا على أساس قومي، كما ينتهك حقوق الإنسان وأبرزها الحق في الحياة، إلى جانب الحق في محاكمة عادلة. وتعد الضمانات القضائية من الحقوق الأساسية التي يمنحها القانون الدولي الإنساني واتفاقيات حقوق الإنسان لضمان حماية الأفراد بالإضافة إلى حظر العقوبات التمييزية والقاسية أو اللاإنسانية.
وفي سياق الاحتلال الاسرائيلي، فإنه يخضع لأحكام القانون الدولي الإنساني التي تُلزم دولة الاحتلال بحماية السكان الواقعين تحت سيطرتها، لا إخضاعهم لعقوبات انتقامية. كما يتعارض مع اتفاقيات جنيف، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، ونظام روما الأساسي.
بناءً على ذلك، فإن مشروع قانون إعدام الأسرى لا يُعد مجرد تنظيم داخلي للعقوبات، بل يمثل تشريعًا ذا طابع تمييزي ونموذجاً واضحاً للإعدام التعسفي، ويقترب في طبيعته من جريمة حرب، ويرتقي إلى جريمة ضد الإنسانية وجزءا من جريمة الإبادة جماعية إذا طُبق ضمن سياسة عامة تستهدف فئة محددة على أساس قومي أو عرقي، بما يشكل خرقًا جوهريًا للقانون الدولي ويستدعي مساءلة دولية فعالة.
كيف تقرأين منح المحاكم العسكرية صلاحية فرض الإعدام بشكل شبه إلزامي؟ فالقانون يُلزم بفرض الإعدام في حالات محددة ضمن تعريف فضفاض!
يمكن قراءة منح المحاكم العسكرية الإسرائيلية صلاحية فرض عقوبة الإعدام بشكل شبه إلزامي بوصفه تحولًا خطيرًا في طبيعة الإجراءات القضائية. فهي تحول الوظيفة القضائية من سلطة تقديرية قائمة على العدالة الفردية، إلى أداة تنفيذ شبه تلقائي للعقوبة ذات طابع عقابي وسياسي تميزي.
فمن الناحية القانونية، يقوم هذا التحول عبر تقليص السلطة التقديرية للقاضي، حيث لم تعد عقوبة الإعدام خيارًا استثنائيًا يُنظر فيه وفق ظروف كل قضية، بل أصبحت نتيجة شبه حتمية متى توافرت شروط محددة بصياغة قانونية موسعة. وجاء القانون بتعريف فضفاض يشمل (عقوبة الاعدام ) بحق كل شخص يتسبب عن قصد أو إهمال في وفاة مواطن إسرائيلي تحت بند "الدوافع الأمنية" أو "الخلفية الإرهابية".
ويُعزز هذا الاتجاه اعتماد إصدار الحكم بالأغلبية بدل الإجماع من القضاة، حيث ينتهك القاعدة القانونية الأساسية التي تنص على إجماع الهيئة القضائية لإصدار الحكم. كذلك، ـتاح أن تكون رتبة القضاة دون رتبة مقدم، بالإضافة إلى أنه يجعل من السجان قاضٍ وجلاد، ويمنح السجانين المنفذين سرية الهوية وحصانة جنائية ومدنية كاملة ويعمل على تقييد الحق في الاستئناف. حيث يُنفذ الحكم بلا استئناف، ليتم تنفيذ الحكم خلال 90 يومًا بواسطة الشنق، بالإضافة إلى منع العفو أو تخفيف العقوبة، ما يُضعف ضمانات المحاكمة العادلة ويحول العقوبة إلى أداة ردع سياسية وعقابية ممنهجة مرتبطة بالهوية الوطنية.

كما أن إسناد هذه الصلاحية إلى المحاكم العسكرية يثير إشكاليات قانونية جوهرية، لكون هذه المحاكم تُنشأ في سياق الاحتلال وتفتقر إلى معايير الاستقلال والحياد. وفي السياق ذاته، فإن إسناد هذه الصلاحية إلى محاكم عسكرية يكرّس إشكالية جوهرية تتعلق بعدم تكافؤ مراكز الخصوم، إذ يُحاكم المدنيون أمام جهات قضائية عسكرية استثنائية تعمل ضمن منظومة الاحتلال، وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية التي تشدد على ضرورة استقلال القضاء وحياده. كما أنها تُطبّق على فئة محددة من السكان، وهم الفلسطينيون فقط، ما يعمّق الطابع التمييزي للعقوبة.
كذلك لم يحدد معيار تطبيق القانون، بل جاء بشكل موسع وعام يشمل "كل شخص"، بالتالي يعني أنها تشمل النساء والأطفال وكبار السن. وبذلك، فإن الجمع بين الطبيعة العسكرية للمحاكم، والطابع شبه الإلزامي للعقوبة، يجعل من الإعدام أداة قمع قانونية موجهة.
وعليه، فإن هذا التطور يمثل تقنينًا للإعدام التعسفي، ويتعارض مع المعايير الدولية التي تشترط حصر هذه العقوبة في أضيق الحدود، وضمان أعلى درجات الحماية القضائية. كما يُعد مؤشرًا على استخدام القضاء كأداة عقاب جماعية، بما يرتقي إلى انتهاك جسيم لحقوق الانسان و للقانون الدولي الإنساني. كما يعكس استخدام القانون كوسيلة لإضفاء الشرعية الشكلية على انتهاكات تمسّ جوهر الحق في الحياة، بما يضعه في تعارض مباشر مع قواعد القانون الدولي الإنساني ومعايير حقوق الإنسان.
كيف توصّفين اليوم واقع الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال: هل ما زال ملفًا حقوقيًا أم تحوّل إلى ملف إنساني كارثي؟
لم يعد واقع الأسرى الفلسطينيين اليوم يُختزل في كونه ملفًا حقوقيًا تقليديًا، بل تجاوز هذا الإطار ليشكّل أزمة إنسانية كارثية متفاقمة، نتيجة تصاعد الانتهاكات الممنهجة التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحقهم، على نحو واسع ومستمر. فمنذ عام 1967 وحتى نهاية عام 2024، تعرّض نحو مليون فلسطيني لسياسات الاعتقال، من بينهم أكثر من خمسين ألف طفل، في مؤشر واضح على الطابع الشامل والممتد لهذه السياسة الانتقامية. كما سُجّلت قرابة 7,000 حالة اعتقال خلال عام 2025 وحده.
فيما يُقدّر عدد الأسرى والمعتقلين داخل سجون الاحتلال حتى عام 2026 بنحو (9,600) أسيرًا،يقبعون في (23) سجن ومركز توقيف وتحقيق بينهم حوالي (350) طفلًا و(79) أسيرة. بالإضافة إلى تصاعد لافت في حالات الاعتقال الإداري التي تطال فئات مختلفة، بما في ذلك النساء والمرضى وكبار السن، بالإضافة إلى ما يقارب (116 ) أسيرآ محكومآ بالمؤبد، وهو ما يعكس ارتفاعًا بنسبة تشكل (83%) من أعداد الأسرى مقارنةً بعددهم قبل الإبادة الجماعية في قطاع غزة 2023، حيث كان عدد الأسرى والمعتقلين يبلغ ( 5250).

ولا تقتصر هذه الأرقام على بعدها الإحصائي، بل تعكس واقعًا قاسيًا يتسم بانتهاكات جسيمة، تشمل التعذيب الجسدي والنفسي والجنسي، إلى جانب سياسات التجويع المتعمد، والحرمان من الرعاية الصحية في إطار الإهمال الطبي المتعمد، فضلًا عن ظروف احتجاز غير إنسانية تفتقر إلى أدنى المعايير الدولية. وقد بلغت هذه الممارسات ذروتها منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة 2023، حيث فُرضت إجراءات عقابية جماعية تحت إطار فرض حالة الطوارىء، حيث انعكست بشكل مباشر على أوضاع الأسرى، بما أدى إلى تدهور خطير في أوضاعهم الصحية والإنسانية.
وعليه، ورغم أن قضية الأسرى لا يزال ملفها قانونيًا من حيث التوصيف ضمن إطار حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، إلا أن طبيعتها العملية في الواقع أصبحت إنسانية كارثية بامتياز، بسبب حجم الانتهاكات واتساع نطاقها واستمراريتها، بما قد يرقى إلى جرائم حرب وضد الانسانية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
إلى أي مدى يستخدم الاعتقال الإداري كأداة سياسية وليس إجراءً قانونياً؟
لم يعد الاعتقال الإداري يُستخدم كإجراء قانوني استثنائي مقيّد بضوابط الضرورة الأمنية كما يقرّه القانون الدولي، بل تحوّل في الحالة الفلسطينية إلى أداة سياسية ممنهجة تُستخدم على نطاق واسع في إطار السيطرة والهيمنة. فمن حيث المبدأ، يُفترض أن يكون الاعتقال الإداري تدبيرًا استثنائيًا ومؤقتًا يُلجأ إليه في أضيق الحدود، وبشروط صارمة. إلا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تستخدمه ضمن سلسلة من القوانين الإدارية التي ورثها الاحتلال عن نظام الانتداب البريطاني، حيث استخدم منذ 1967 كوسيلة لاحتجاز الأفراد دون توجيه تهم أو تقديم لوائح اتهام، ودون تمكينهم من حق الدفاع أو الاطلاع على الأدلة، بحجة وجود “ملفات سرية” لا يُسمح للمعتقل أو محاميه بالوصول إليها.
كما يتم تمديد أوامر الاعتقال الإداري بشكل متكرر، ما يحوّله فعليًا إلى احتجاز مفتوح غير محدد المدة، في انتهاك واضح لمبدأ الشرعية القانونية وضمانات المحاكمة العادلة. وقد اتسع نطاق هذه السياسة ليشمل فئات واسعة من المجتمع الفلسطيني، بما في ذلك النشطاء، والطلبة، والأطفال، والنساء، والمرضى، الأمر الذي يعكس استخدامها كأداة للعقاب الجماعي، وليس كإجراء قانوني فردي، وهو ما يتعارض مع مبدأ “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني”.

كما تصاعد استخدام الاعتقال الإداري بشكل ملحوظ، خاصة بحق معتقلي قطاع غزة، في ظل التعديلات التي أُدخلت على قانون “المقاتل غير الشرعي”، والذي منح سلطات الاحتلال صلاحيات أوسع، من بينها احتجاز الأفراد لفترات طويلة دون عرضهم على جهة قضائية قد تصل إلى نحو (75) يومًا قابلة للتمديد، إضافة إلى حرمانهم من حق الاتصال بمحامٍ لفترات قد تمتد لأشهر، ومنع الجهات الدولية، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، من الوصول إليهم، في سياق يندرج ضمن سياسة الإخفاء القسري.

وتعكس الإحصائيات حجم هذا التوسع، حيث يُقدّر عدد المعتقلين الإداريين بنحو (3532) معتقل، من بينهم نحو (180) طفلا ومايقارب (25) أسيرة. ويشكل المعتقلين الإداريين ما يقارب (36%) من إجمالي الأسرى، وهي نسبة مرتفعة تؤكد سياسة الاحتلال. فمنذ حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة 2023، أصدرت سلطات الاحتلال الاسرائيلي أكثر من ( 17 ألف) قرار اعتقال إداري.

أما خلال عام 2025، أصدر ما يقارب (7715) قراراً إدارياً، بالتالي تندرج هذه الممارسات ضمن سياق سياسة عنصرية ممنهجة. في حين يقدر عدد المعتقلين "غير الشرعيين"، بما يزيد عن (1,200) معتقل، (50%) منهم يقبعون تحت سياسة إخفاء قسري. وعليه، فإن هذا الاستخدام الواسع والممنهج للاعتقال الإداري، إلى جانب غياب الشفافية القضائية وتكرار التمديد دون محاكمة، يؤكد أنه لم يعد مجرد إجراء قانوني، بل أصبح سياسة سياسية وأمنية تهدف إلى التحكم بالفلسطينيين وإيقاع عقوبات جماعية، في انتهاكات جسيمة تتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني وضمانات حقوق الإنسان الأساسية.
كيف تفسرين استمرار احتجاز جثامين الشهداء من الأسرى؟ وما دلالاته القانونية؟
يمكن تفسير استمرار احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين بوصفه سياسة ممنهجة ذات أبعاد مركبة، تطورت تاريخيًا منذ عام 1948 ثم ترسخت بعد عام 1967، لتتحول من ممارسة محدودة إلى أداة ثابتة تُستخدم ضمن منظومة السيطرة والعقاب الجماعي. بل اتخذ طابعًا سياسيًا واضحًا، خاصة مع التوجهات التي ظهرت عام 2018.
تعزز هذا التوجه رسميًا مع إعلان وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي ووزيرة القضاء نيتهما تقديم مشروع قانون يجيز احتجاز الجثامين؛ لتقنين احتجازهم واستخدامهم كورقة مساومة وضغط على عائلات الشهداء، بما يعكس انتقال هذه السياسة من الممارسة الفعلية إلى محاولة إضفاء غطاء قانوني عليها. ورغم أن القضاء الإسرائيلي تناول هذه المسألة، إذ أقرّت المحكمة العليا عام 2017 بعدم قانونية احتجاز الجثامين، إلا أنها امتنعت عن إلزام السلطات بإعادتها، قبل أن تعود في عام 2019 لتجيز الاحتجاز لأغراض تفاوضية، وهو ما يعكس توظيفًا للأداة القانونية بما يخدم هذه السياسة بدل الحد منها.

وتتجلى هذه السياسة في نمطين رئيسيين: الأول ما يُعرف بـ"مقابر الأرقام"، حيث تُدفن جثامين الشهداء في مناطق عسكرية مغلقة محاطة بالحجارة دون أسماء أو شواهد، ويُستعاض عنها بأرقام. تُثبّت الأرقام على أعلى القبر لوحة معدنية تحمل رقماً معيناً، ويمنع ذوي الشهداء أو الجهات الحقوقية من الوصول إليها، فيما تتم عمليات الدفن في ظروف مهينة وغير إنسانية، تشمل قبورًا ضحلة ومتلاصقة، ما يؤدي إلى اختلاط الرفات وصعوبة التعرف عليها لاحقًا. وتخضع مقابر الأرقام إلى إشراف وحماية من قبل “وزارة الدفاع الإسرائيلية”.
أما النمط الثاني، فيتمثل في احتجاز الجثامين داخل الثلاجات منذ عام 2015، حيث تُخزن في ظروف قاسية تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية. كما يوضع أكثر من جثمان داخل نفس الثلاجة، ويتم تخزينهم بدرجة حرارة منخفضة جداً تُجمد الجثمان كاملاً وتشوّهه. ويحتجز الاحتلال الإسرائيلي نحو (97) جثماناً في "مقابر الأرقام" وثلاجات الاحتجاز، بينهم مايزيد عن (60) طفلاً ونحو (10) نساء.
بالتالي، فالأمر هنا لا يقتصر على احتجاز الجثامين بحد ذاتها، بل يترافق مع ممارسات خطيرة، أبرزها الإخفاء القسري وحرمان العائلات من استلام جثامينهم. كذلك تستخدم سلطات الاحتلال الاسرائيلي هذه السياسة من أجل التهرب من المساءلة القانونية، حيث سجلت حالات وفاة لأسرى داخل سجون الاحتلال تجاوزت (326) شهيدًا، من بينهم (89) استشهدوا منذ جريمة الإبادة الجماعية على قطاع غزة 2023 في ظروف غامضة، دون شفافية في تحديد أسباب الوفاة.

كما وثقت انتهاكات الاحتلال والتنكيل بجثامين الشهداء والعبث بها، بما في ذلك الاشتباه بسرقة أعضاء الشهداء أو أنسجة الجلدية،ضمن سياسة ممنهجة تتيح لهم سرقة أعضاء الشهداء، أو استعمالها لإجراء تجارب ودراسات في معهد الطب العدلي الاسرائيلي أو في عمليات التجميل، أو بيعها في السوق السوداء، وهو ما يشكل انتهاكًا جسيمًا للمعايير الأخلاقية والطبية. كذلك، يمكننا التطرق لتقارير منظمة المرصد الأوروبي المتوسطي لحقوق الإنسان، التي وثقت اكتشاف علامات واضحة على سرقة الأعضاء من الجثامين المعادة لقطاع غزة، بما في ذلك فقدان الكلى والقرنيات والكبد وصمامات القلب والجلود.
كما أن منظمة الصحة العالمية أكدت ارتفاع أعداد التبرع بالكلى داخل إسرائيل، مما يثير الشبهات ويؤكد سياسة الاحتلال الخفية من احتجاز جثامين الشهداء.
أما عن دلالته القانونية، فإن هذا السلوك يُعد انتهاكًا صارخًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما التزامات احترام كرامة الموتى وتسليم جثامينهم لذويهم وفق اتفاقيات جنيف لعام 1949. كما يمكن أن يرقى إلى جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية نظرًا لكونه يشكل مساسًا خطيرًا بالأشخاص الواقعين تحت سلطة الاحتلال. بالتالي، فإن احتجاز جثامين الشهداء لا يمكن اعتباره إجراءً معزولًا، بل هو امتداد لسياسة ممنهجة تمس الكرامة الإنسانية حتى بعد الوفاة، وتُستخدم كأداة للضغط والإذلال، وتُشكل انتهاكًا مركبًا يتداخل فيه البعد الإنساني مع القانوني والسياسي، بما يستدعي مساءلة دولية حقيقية.
كيف يتم التعامل مع الأسيرات، خاصة من حيث التفتيش، العزل، والاحتياجات الصحية؟
تتعرض الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الإسرائيلي لسياسات اعتقال قاسية وممنهجة، تجاوزت الإطار القانوني لتُشكّل انتهاكات جسيمة ومركّبة لحقوق الإنسان، لا سيما منذ تصاعد حملات الاعتقال عقب حرب الابادة الجماعية في قطاع غزة - أكتوبر 2023. اعتقل جيش الاحتلال الاسرائيلي مئات النساء والفتيات، بينهن قاصرات وأمهات ومن مختلف مناطق الضفة الغربية والقدس وداخل أراضي عام 1948، إضافة إلى حالات اعتقال لنساء من قطاع غزة لا يعلم أعدادهن أو مصيرهن، في ظل سياسة الإخفاء القسري الممنهجة بحقهن.

كما يشمل ذلك عددًا من المعتقلات إداريًا دون تهم أو محاكمة، بما يعكس اتساع نطاق الاعتقال التعسفي بحق النساء. ففي آخر الإحصائيات، بلغ عدد الأسيرات نحو 72 أسيرة فلسطينية، بينهن ثلاث قاصرات وما يقارب 32 أمًا، بالاضافة إلى 17 أسيرة معتقلة إداريًا دون محاكمة من بينهن طفلة، وما يقارب 5 أسيرات محكومات بأحكام متفاوتة، بالاضافة ‘لى 50 موقوفة لم تصدر بحقهن أحكام بعد، و 16 منهن اعتقلن على خلفية ما يُسمّى "التحريض". كذلك يوجد من بين الأسيرات 18 أسيرة مريضة، منهن مصابات بمرض السرطان. وفي ذات السياق توجد أسيرات طالبات مدارس وجامعيات.
وتتعرض الأسيرات لأنماط متعددة من الانتهاكات، أبرزها التفتيش العاري والمهين أمام جنود ذكور، الأمر الذي ينتهك الخصوصية والكرامة الإنسانية. إضافة إلى التحرش الجسدي واللفظي والتهديدات ذات الطابع الجنسي أثناء التحقيق. وقد وثّقت تقارير حقوقية حالات اعتداءات جنسية واغتصاب بحقهن، إلى جانب إجبارهن على خلع ملابسهن وتصويرهن بطريقة مهينة. كما تُفرض عليهن إجراءات قاسية، مثل العزل الانفرادي المطوّل، والحرمان من الزيارات العائلية، وقطع التواصل مع العالم الخارجي،إضافة إلى وجود كاميرات مراقبة تنتهك خصوصيتهن.
كما تتعرض الأسيرات لسوء معاملة ممنهجة تشمل الضرب، والتقييد، وتعصيب الأعين، والإهانات اللفظية، والتهديد بالقتل أو استهداف أفراد عائلاتهن. إلى جانب سياسة الإهمال الطبي المتعمد، التي طالت الأسيرات المريضات والحوامل، في ظل نقص حاد في الرعاية الصحية والأدوية والمتابعة الطبية. كما تُمارس بحقهن سياسة التجويع الممنهجة، فضلًا عن ظروف احتجاز غير إنسانية تتسم بالاكتظاظ، وانعدام التهوية، وغياب الحد الأدنى من المستلزمات الأساسية، بما في ذلك الحرمان من المياه النظيفة و الملابس والأغطية الشتوية ومواد النظافة كالصابون والمعقمات وغيرها من المستلزمات الأساسية والفوط الصحية، ما أدى إلى تدهور صحي خطير بين الأسيرات، في انتهاك فاضح لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) لعام 1979 واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، لا سيما فيما يتعلق بحماية الفتيات القاصرات.
وبناءً على ذلك، تعكس هذه الانتهاكات نمطًا ممنهجًا من السياسات التي تستهدف النساء الفلسطينيات داخل السجون، وتمسّ بشكل مباشر كرامتهن الإنسانية وحقوقهن الأساسية، ما يجعل قضية الأسيرات جزءًا لا يتجزأ من ملف الانتهاكات الجسيمة التي ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفقًا للقانون الدولي.
كيف تفسرين غياب تحرك دولي فعّال رغم حجم الانتهاكات الموثقة؟
يمكن تفسير غياب التحرك الدولي الفعّال تجاه الانتهاكات الإسرائيلية الموثقة بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، رغم جسامتها واتساع نطاقها، في إطار خلل بنيوي عميق في منظومة العدالة الدولية. يتجلى ذلك في الانتقائية في تطبيق قواعد القانون الدولي، وهيمنة الاعتبارات السياسية على مسارات المساءلة، الأمر الذي أسهم في تكريس واقع الإفلات من العقاب.
فعلى الرغم من أن دولة فلسطين طرف في نظام روما الأساسي، بما يمنح المحكمة الجنائية الدولية ولاية قانونية على الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلا أن مسار التحقيقات ظل بطيئًا ومحدود الأثر، ولم يُترجم إلى إجراءات رادعة على أرض الواقع تتناسب مع حجم الانتهاكات المرتكبة.

كما أنه، وعلى الرغم من إصدار المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر 2024 مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير "الدفاع" السابق يوآف غالانت، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها التجويع والقتل والاضطهاد، إلا أن هذه المذكرات لم تُنفذ حتى الآن. ما يعكس فجوة واضحة بين القرارات القضائية الدولية وآليات إنفاذها، ويُبرز حدود فعالية القضاء الدولي في ظل غياب الإرادة السياسية لدى الدول لتنفيذ التزاماتها.
وفي السياق ذاته، أخفقت منظومة الأمم المتحدة، وعلى وجه الخصوص مجلس الأمن، في تفعيل أدواتها التنفيذية بشكل جاد، لا سيما في ظل الاستخدام المتكرر لحق النقض (الفيتو)، خصوصآ من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. الأمر الذي أدى إلى تعطيل صدور قرارات ملزمة من شأنها وقف الانتهاكات أو فرض آليات مساءلة حقيقية ورادعة.
بالتالي بقيت معظم مواقف الإدانة في إطار البيانات السياسية غير الملزمة، دون أن تُرفق بإجراءات تنفيذية فعّالة، رغم ثبوت انتهاك إسرائيل لعدد كبير من الاتفاقيات والقواعد الدولية، بما في ذلك اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، واتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979، إضافة إلى قواعد نيلسون مانديلا والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فضلًا عن أحكام نظام روما الأساسي، وهو ما يرقى إلى مستوى ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجريمة إبادة جماعية.

إضافة إلى ذلك، تواجه المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، قيودًا ممنهجة على الوصول إلى أماكن الاحتجاز، ما يحدّ من قدرتها على الرقابة الفعلية وتوثيق الانتهاكات، خاصة في ظل ممارسات الإخفاء القسري.
وعليه، فإن هذا الواقع يعكس اختلالًا واضحًا في ميزان العدالة الدولية، حيث يتقاطع القانون مع السياسة على نحو يعيق تحقيق المساءلة الفعلية.ويمكن توصيف هذا الغياب للتحرك الدولي الفعّال بأنه شكل من أشكال التقاعس الدولي عن إنفاذ القانون، بما يسهم بصورة غير مباشرة في استمرار الانتهاكات، ويعزز مناخ الإفلات من العقاب، ويكرّس نمطًا من التواطؤ الصامت القائم على الإخفاق في أداء واجب الحماية والمساءلة.










