تشكل قضية الأسرى الفلسطينيين واحدة من أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً، حيث تتقاطع فيها الأبعاد السياسية مع الانتهاكات اليومية التي تمس كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. وفي ذكرى يوم الأسير الفلسطيني، تتجدد الشهادات التي تكشف ما يجري خلف جدران السجون، ليس فقط من حيث المعاناة الجسدية، بل أيضاً على مستوى الضغط النفسي الممنهج الذي يهدف إلى كسر إرادة الأسير وعزله عن محيطه الإنساني والاجتماعي.
في هذا السياق، يقدم الأسير المحرر محمد القيق رواية تفصيلية لموقع 180 تحقيقات عن تجربة الاعتقال، كاشفاً عن واقع الحياة اليومية داخل السجون، وسياسات العزل، وأساليب التحقيق والتعذيب، وصولاً إلى الإهمال الطبي والقوانين التي تستهدف الأسرى. ويعكس هذا الحوار صورة مركبة لمعاناة مستمرة، تتجاوز حدود الزنزانة لتطال العائلة والمجتمع، وتؤكد أن ما يجري هو منظومة متكاملة من الضغط والسيطرة، وإلى نص الحوار:
>>كيف تصف تفاصيل يومك داخل السجن منذ لحظة الاستيقاظ حتى النوم؟ وإلى أي مدى يؤثر الاكتظاظ داخل الغرف على حياتكم اليومية وصحتكم النفسية؟
الحياة داخل السجن عبارة عن مقبرة يتنقل فيها الأسير من قبر إلى قبر، حتى إن الحديث عن عزل قسم عن آخر يبدو وكأنه منع للانتقال من قبر إلى قبر آخر، لكن الحقيقة أن كل ذلك يحدث داخل مقبرة واحدة. الأسير لا يملك قرار الاستيقاظ أو النوم، ولا حتى حرية إدارة يومه داخل هذا الواقع القاسي.
هناك ما يُعرف بـ "العدد الصباحي"، حيث يستطيع السجان إيقاظ الأسرى في أي وقت، سواء في الرابعة أو الخامسة أو السادسة صباحاً، وفق ما يراه مناسباً. كما قد تُنفذ عمليات تفتيش مفاجئة في أوقات غير متوقعة، مثل الثانية فجراً أو التاسعة صباحاً، وقد يُمنع إدخال الماء إلى الغرفة، ما يعطل تفاصيل الحياة اليومية بالكامل.
يعتمد الأسرى على "الساحة الفورة" ضيقة جداً لا تتجاوز بضعة أمتار(5 متر في 5 متر تقريبا) لممارسة الرياضة ولتحريك ألسنتهم، وفي بعض الأيام يُمنع أمنيا فتحها بالكامل. لا توجد خصوصية أو عزلة نفسية، حيث يُفرض على الأسير من يشاركه الغرفة، وكيف ينام ويستيقظ، وحتى ما يشاهده أو يتحرك به، في إطار تحكم كامل بكل تفاصيل حياته.
من يراه الأسير خلال يومه قد يكون سجاناً أو محامياً، وربما أحد أفراد عائلته خلال زيارة شهرية محدودة. هذه السياسة النفسية تُستخدم كأداة ضغط نفسي، إذ يبقى الأسير مشغولاً بالتفكير في عائلته وأطفاله ومناسباته، ويتم استغلال ذلك لضغط الأسير وتعميق معاناته النفسية.
>>كيف كانت سياسات العزل تُطبق؟
سياسات العزل الإسرائيلية تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية: أمني، ونفسي، وسياسي. من الناحية الأمنية، تهدف إلى منع تشكيل أي بنى تنظيمية داخل السجون، بينما يهدف البعد السياسي إلى عزل القيادات السياسية عن القاعدة، بما يضعف التأثير والتنظيم.
أما البعد النفسي، فيستهدف ضرب الحالة المعنوية للأسير، من خلال العزل والانقطاع عن الآخرين. هذه السياسات تُدار بشكل مباشر من قبل أجهزة المخابرات، التي تحدد من يتم عزله وفق معايير خاصة.
هذا النوع من العزل لا يؤثر فقط على الفرد، بل ينعكس على مجمل الحالة داخل السجون، حيث يخلق حالة من التفكك والضغط المستمر، ويُستخدم كأداة لإضعاف الروح الجماعية للأسرى.
>>كيف كنتم تتعاملون مع غياب النظافة أو نقص الأدوات الأساسية؟
داخل السجون، تعاني البيئة من نقص حاد في أدوات النظافة، حيث تكون الحمامات مشتركة وعملية تنظيفها معقدة للغاية. سلطات الاحتلال تمنع إدخال العديد من مواد التنظيف، ما يؤدي إلى انتشار الأمراض والأوبئة.
هذا الواقع ينعكس على الحالة الصحية والنفسية للأسرى، خاصة في ظل الاكتظاظ الشديد. وجود عدد كبير من الأسرى على حمام واحد أو مكان استحمام واحد يزيد من المعاناة اليومية.
هذه الظروف ليست عشوائية، بل تأتي ضمن سياسة عامة تهدف إلى الضغط على الأسرى، من خلال التحكم بأبسط تفاصيل حياتهم اليومية، بما في ذلك النظافة والصحة.
>>ما أبرز أساليب التحقيق؟ وكيف كانت الضغوط النفسية والجسدية؟
أساليب التحقيق قبل عام 2023 كانت قاسية، لكنها ازدادت سوءاً بعد ذلك بشكل ملحوظ. في السابق، حاولت سلطات الاحتلال إظهار نوع من الالتزام الشكلي بالقانون، لكن ذلك لم يمنع استخدام الشبح والضرب المبرح وأساليب أخرى.
بعد عام 2023، تصاعدت الانتهاكات بشكل كبير، حيث شملت الضرب المباشر والتجويع والقهر والقتل المباشر، دون وجود أي رادع. هذه الأساليب تُستخدم بشكل ممنهج لانتزاع المعلومات من الأسرى.
كما تُستخدم غرف "العصافير"، التي تضم متعاونين مع المخابرات، لخداع الأسرى والحصول على معلومات منهم. كل هذه الأساليب تشكل منظومة تعذيب متكاملة تستهدف كسر إرادة الأسير.
في الوقت ذاته، تدّعي سلطات الاحتلال التزامها بالقوانين الدولية، لكنها في الواقع تمنع زيارات الصليب الأحمر والمحامين، وتخفي ممارسات التعذيب. بل إن بعض الأسرى يستشهدون دون معرفة الأسباب، ولا يتم تشريح جثامينهم، ما يؤكد وجود انتهاكات جسيمة.
>>إلى أي مدى وصل الإهمال الطبي في السجون؟
الإهمال الطبي في السجون أدى إلى استشهاد عشرات الأسرى، وهو يتم عبر عدة أشكال. أولها استخدام أجساد الأسرى كحقل تجارب طبية، وثانيها تأجيل العمليات الجراحية الضرورية، وثالثها إعطاء أدوية غير مناسبة.
هذا الإهمال يتراكم مع الوقت، ويؤدي إلى تدهور الحالة الصحية للأسرى بشكل خطير. وقد استشهد عدد من الأسرى نتيجة ذلك، مثل سامي أبو دياك ونعيم الشوامري وغيرهم.
ما يُعرف بعيادة سجن الرملة لا يرقى إلى مستوى تقديم الرعاية الطبية، بل يعكس واقعاً صحياً متدهوراً، يزيد من معاناة الأسرى بدلاً من علاجهم.
>>كيف ينظر الأسرى إلى قانون إعدام الأسرى؟
قانون إعدام الأسرى يُنظر إليه كجزء من سياسة الردع الإسرائيلية المتصاعدة. الهدف الأول منه هو ترهيب المجتمع الفلسطيني ومنع أي شكل من أشكال المقاومة، عبر التهديد بالقتل.
كما يعكس هذا القانون عقيدة انتقامية، خاصة بعد الأحداث الأخيرة، حيث يُستخدم كوسيلة لإظهار القوة والتباهي بقتل الأسرى. هذا يخلق حالة من القلق والخوف داخل السجون.
إضافة إلى ذلك، يهدف القانون إلى منع عمليات أسر الجنود، إذ إن إعدام الأسرى فوراً يعني عدم وجود ورقة تفاوضية. وبالتالي، فإن هذا القانون يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز البعد القانوني، ويمس جوهر الصراع.










