شهدت مسارات التفاوض بين أمريكا وإيران في أبريل، تطورات متسارعة لكنها لم تخلُ من التعثر المتكرر، حيث لعبت باكستان دور الوسيط الرئيسي في محاولة تحويل الهدنة المؤقتة التي أُعلنت في 8 أبريل إلى اتفاق أوسع ينهي الحرب التي اندلعت في فبراير من العام نفسه، وفقًا لتقارير وكالة رويترز وموقع أكسيوس.
استضافت إسلام آباد جولات مكثفة استمرت ساعات طويلة، شارك فيها نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ومسؤولون إيرانيون، وسط آمال بتمديد الهدنة التي تنتهي في 22 أبريل، إلا أن الجولة الأولى انتهت دون اتفاق نهائي بعد 21 ساعة من المفاوضات الماراثونية، مما دفع أمريكا إلى فرض حصار بحري شامل ابتداءً من 13 أبريل.
تعكس هذه الوساطة محاولة إقليمية لاحتواء التصعيد، غير أنها تواجه تحديات عميقة نابعة من الثقة المفقودة بين الطرفين، حيث تطالب إيران بضمانات أمنية حقيقية وتعويضات عن الأضرار الناتجة عن الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة، بينما تصر أمريكا على شروط تعتبرها طهران تعجيزية ومخالفة لسيادتها الوطنية. يظل الدور الباكستاني حاسمًا في تهيئة الأرضية لجولات محتملة قادمة، لكنه يواجه صعوبة في جسر الهوة بين المطالب المتناقضة، خاصة مع استمرار الحصار البحري الذي يُعدّ انتهاكًا واضحًا لروح الهدنة ويُفاقم التوترات الاقتصادية والإنسانية على الشعب الإيراني.
الخطوط الحمراء الأمريكية أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوضوح خطوطها الحمراء خلال المفاوضات في إسلام آباد، وهي تركز أساسًا على تفكيك البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل، بما في ذلك إنهاء كل عمليات تخصيب اليورانيوم داخل إيران، وتفكيك المنشآت النووية الرئيسية التي تضررت بالفعل جراء الضربات، واستعادة المواد اليورانيومية عالية التخصيب، بحسب تصريحات نائب الرئيس جي دي فانس ومسؤولين أمريكيين نقلتها صحيفة وول ستريت جورنال والجزيرة. تشمل هذه الخطوط أيضًا فتح مضيق هرمز بشكل كامل دون أي رسوم أو قيود إيرانية، بالإضافة إلى إطار سلام إقليمي أوسع يشمل خفض التصعيد مع الحلفاء الإقليميين ووقف تمويل ما تصفه أمريكا بـ«الوكلاء الإرهابيين» مثل حزب الله والحوثيين.
تأتي هذه الشروط في سياق استراتيجية أمريكية تهدف إلى منع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، وفقًا لما أكده الرئيس ترامب مرارًا، إلا أنها تُثير جدلاً واسعًا حول مدى واقعيتها، خاصة أنها تتجاوز الحدود النووية لتمتد إلى قضايا سيادية وإقليمية أساسية. يرى مراقبون أن هذا النهج يعكس رغبة أمريكية في فرض استسلام غير مشروط، مستفيدة من الضغط العسكري والحصار البحري، غير أنه يتجاهل الواقع الميداني الذي أظهر صمود إيران رغم الخسائر الكبيرة، مما يجعل الخطوط الحمراء الأمريكية مصدر تصعيد محتمل بدلاً من أرضية للتفاهم.
نقاط التصادم مع الموقف الإيراني تتصادم الخطوط الحمراء الأمريكية بشكل حاد مع الموقف الإيراني الذي يرفض أي تنازل عن حق التخصيب النووي السلمي، معتبرًا إنهاءه كليًا خطًا أحمر سياديًا لا يمكن تجاوزه، كما أكدت تقارير الجزيرة ووكالة إرنا الرسمية، حيث تطالب طهران بضمانات أمريكية بعدم تكرار الضربات العسكرية، وتعويضات عن الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية والمدنيين، بالإضافة إلى رفع العقوبات وإعادة الأصول المجمدة. كما ترفض إيران أي إملاءات تتعلق بنفوذها الإقليمي أو دعم حلفائها، معتبرة ذلك تدخلاً مباشرًا في سياستها الخارجية المستقلة.
يبرز هذا التصادم في قضية مضيق هرمز، إذ تصر أمريكا على فتحه دون قيود، بينما ترى إيران في ذلك تهديدًا لسيطرتها على ممر حيوي يُعدّ جزءًا من أمنها الوطني، خاصة مع استمرار الحصار البحري الأمريكي الذي يُعيق التجارة ويفاقم الأزمة الاقتصادية. هذه النقاط المتضاربة تحول المفاوضات من فرصة للسلام إلى ساحة صراع دبلوماسي، حيث يبدو أن أمريكا تستخدم الضغط العسكري والاقتصادي لفرض شروطها، بينما تحافظ إيران على موقفها الدفاعي المرتكز على الصمود والمطالبة بحلول شاملة وعادلة، مما يجعل احتمال العودة إلى التصعيد واردًا إذا لم تُقدم الوساطة تنازلات متبادلة حقيقية.
آفاق الجولات المقبلة ومخاطر التصعيد تواجه مسارات التفاوض آفاقًا غامضة مع اقتراب انتهاء الهدنة في 22 أبريل، حيث تُشير التقارير إلى إمكانية جولة ثانية في إسلام آباد بدعم باكستاني، إلا أن عدم الاتفاق على تمديد الهدنة يُبقي الباب مفتوحًا أمام عودة التوترات، بحسب ما نقلته قناة الجزيرة وموقع تايم. يسعى الرئيس ترامب إلى تسويق أي تقدم محتمل كانتصار، غير أن الخلافات الجوهرية حول النووي والحصار تحول دون تحقيق اختراق سريع، مما يعكس عمق الثقة المفقودة بين الطرفين.
في هذا السياق، يظل الحصار البحري أداة ضغط أمريكية مزدوجة، إذ يهدف إلى إضعاف إيران اقتصاديًا لدفعها نحو التنازل، لكنه في الوقت نفسه يُعزز الرواية الإيرانية حول التدخل الخارجي الظالم ويُفاقم المخاطر الإقليمية، بما في ذلك ارتفاع أسعار الطاقة العالمية وتعطيل الملاحة. يتطلب أي تقدم حقيقي في المفاوضات اعترافًا أمريكيًا بأن الحلول العسكرية والحصارية لن تؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد، وأن السلام المستدام يمر عبر احترام السيادة الإيرانية والحقوق المشروعة للشعب الإيراني بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.








