4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

على حافة الانهيار: صراع الإرادات بين واشنطن وإيران في مرآة إسرائيل

في خطاب ألقاه مؤخرًا إلى جانب الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، قدّم رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو توصيفًا يعكس حالة القلق داخل إسرائيل تجاه مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران

بقلم: سماح عثمان
٢١ أبريل ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
14 مشاهدة
إيران

إيران

في خطاب ألقاه مؤخرًا إلى جانب الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، قدّم رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو توصيفًا يعكس حالة القلق داخل إسرائيل تجاه مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. فقد أكد أن الأمور لم تُحسم بعد، وأن كل لحظة قد تحمل تطورًا جديدًا، مشيرًا إلى ما وصفه بـ"تحديات جسيمة" ومواجهة مشتركة مع واشنطن ضد طهران.

ويقول رونين بيرغمان بصحيفة "يديعوت"، أن هذا الطرح، رغم طابعه الحاد، لا يخلو من تناقضات. فبينما يقدّم نتنياهو الصراع باعتباره دفاعًا عن "الحضارة الغربية"، تشير مواقف دونالد ترامب إلى تصعيد لفظي غير مسبوق، وصل حد التهديد بتدمير إيران نفسها، وهو ما يتجاوز بكثير الأهداف العسكرية التقليدية. وبين هذين الخطابين، تتشكل صورة أكثر تعقيدًا: مفاوضات هشة تقف بالفعل على حافة الانهيار.

غموض المعلومات

على عكس ما تروّجه القيادة الإسرائيلية، لا تحظى تل أبيب بتحديثات منتظمة ومباشرة من واشنطن حول مجريات التفاوض. ووفقًا لما أوردته "يديعوت أحرونوت"، تعتمد المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية على تقديرات تحليلية تُبنى من متابعة التطورات الميدانية والسياسية، وليس من معلومات رسمية دقيقة.

ورغم هذا النقص في الشفافية، أثبتت هذه التقديرات في مرات سابقة قدرًا من الدقة عند مراجعتها لاحقًا. وهو ما دفع نتنياهو إلى تعديل خطابه السياسي مرارًا، وإعادة صياغة أهداف الحرب بما يتلاءم مع الواقع المتغير، في مؤشر على حالة ارتباك استراتيجي داخل دوائر صنع القرار.

استعراض القوة

تشير التقديرات إلى أن الطرفين، الأمريكي والإيراني، يمارسان لعبة الضغط حتى اللحظات الأخيرة، عبر التهديد والتصعيد الإعلامي. وقد أضافت إيران بُعدًا خاصًا لهذه المواجهة، من خلال استخدام منصاتها الدبلوماسية لنشر رسائل ساخرة ومباشرة تستهدف ترامب، في محاولة لإظهار عدم الخشية من شخصيته المعروفة بالاندفاع.

لكن الأزمة، بحسب مصادر مطلعة نقلت عنها الصحيفة، تتجاوز مجرد حرب نفسية أو صراع على الهيبة. إذ تؤكد هذه المصادر أن الطرفين وصلا إلى مرحلة حرجة، يسعى فيها كل طرف لتحقيق مكاسب قصوى قبل نهاية التفاوض، مع بقاء احتمالين قائمين: إما التوصل إلى اتفاق، أو تمديد الأزمة مع تصاعد التهديدات.

صراع داخل إيران

أحد أبرز أسباب تعثر المفاوضات لا يرتبط فقط بالخلاف مع واشنطن، بل يعود أيضًا إلى صراعات داخلية معقدة في إيران. فعملية اتخاذ القرار تمر عبر مسارات بطيئة ومعقدة، خاصة في ظل الإجراءات الأمنية المشددة المفروضة لحماية مجتبى خامنئي، الذي يُنظر إليه كشخصية محورية في المرحلة الحالية.

هذه التعقيدات الأمنية تتقاطع مع انقسامات سياسية حادة داخل النخبة الإيرانية. فمن جهة، يقود التيار الدبلوماسي شخصيات مثل عباس عراقجي ومسعود بزشكيان، الذين يميلون إلى تسوية تفاوضية مدعومة بعلاقات مع قوى دولية كبرى. ومن جهة أخرى، يقف التيار العسكري، وعلى رأسه قادة الحرس الثوري، مدفوعًا بنهج أكثر تشددًا يرفض تقديم تنازلات جوهرية.

هذا الصراع يتمحور حول قضايا مفصلية، أبرزها السيطرة على مضيق هرمز، ومستقبل المواد النووية المخصبة، وهما نقطتان تشكلان جوهر الخلاف مع الولايات المتحدة.

ورقة مضيق هرمز

أحد أكثر التطورات إثارة يتمثل في قدرة إيران على فرض سيطرة فعالة على مضيق هرمز، وهو ما فاجأ حتى التقديرات الغربية. هذا الممر الحيوي، الذي يُعد شريانًا رئيسيًا لتدفق النفط عالميًا، أصبح أداة ضغط استراتيجية بيد طهران.

وفقًا لمصادر إسرائيلية، كان من المفترض أن تكون هذه الجبهة تحت إدارة أمريكية مباشرة، إلا أن الحسابات الأمريكية أخفقت في تقدير سرعة التعافي الإيراني بعد الضربات الأولية. وقد سمح ذلك لإيران بفرض واقع جديد يمنحها نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا واسعًا، بما في ذلك إمكانية فرض رسوم عبور قد تدر مليارات الدولارات سنويًا.

هذا الواقع يضع واشنطن أمام معضلة معقدة: فالتخلي عن الملف النووي مقابل مكاسب اقتصادية لإيران قد يمنع تحولها إلى قوة نووية، لكنه في الوقت ذاته يعزز قدراتها الإقليمية، وهو ما يثير مخاوف إسرائيلية عميقة.

استعدادات إسرائيلية

في ظل هذا المشهد المضطرب، تتجه إسرائيل نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية تحسبًا لاحتمال انهيار المفاوضات وعودة التصعيد. وتشير التقديرات إلى أن المؤسسة العسكرية ستكثف من استعراض استعداداتها، في محاولة لردع إيران وإرسال رسائل ضغط غير مباشرة.

لكن داخل هذه الاستعدادات، يبرز إدراك متزايد بأن الحرب، إذا انتهت باتفاق قريب، فلن تحقق الأهداف التي أعلنها نتنياهو في بدايتها. فالمشروع النووي الإيراني لم يُدمر، وبرنامج الصواريخ الباليستية ما زال قائمًا، كما أن النظام الإيراني لم يسقط.

هذا الفشل النسبي يطرح تساؤلات جوهرية داخل إسرائيل حول جدوى استمرار التصعيد، وما إذا كانت العودة إلى الحرب ستُحسن الواقع الأمني أم ستزيده تعقيدًا.

خيارات مفتوحة

يبقى السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن تحقيق هدف إيقاف البرنامج النووي الإيراني عبر القوة العسكرية، أم أن المسار التفاوضي، رغم هشاشته، يظل الخيار الوحيد الواقعي؟

تشير التقديرات إلى أن إزالة اليورانيوم المخصب من إيران قد تؤخر برنامجها النووي لسنوات طويلة، وهو ما يُعد إنجازًا استراتيجيًا مهمًا. لكن تحقيق هذا الهدف، سواء بالقوة أو عبر الاتفاق، يظل معلقًا على موازين معقدة من المصالح والضغوط، في صراع مفتوح لم تُحسم ملامحه بعد.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال