20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سارة جاسم تكتب: التجنيد الإلزامي: هل يشتري العراق "أمن الماضي" بـ "مستقبل الشباب"؟

لا يمكن قراءة التوجه نحو إعادة التجنيد الإلزامي بمعزل عن السياق التاريخي والواقع التقني المعاصر، فبينما تحاول الشعوب التعافي من تركات "العسكرة" التي دامت عقوداً

بقلم: سارة جاسم
٢١ أبريل ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
36 مشاهدة
سارة جاسم تكتب: التجنيد الإلزامي: هل يشتري العراق "أمن الماضي" بـ "مستقبل الشباب"؟

سارة جاسم تكتب: التجنيد الإلزامي: هل يشتري العراق "أمن الماضي" بـ "مستقبل الشباب"؟

لا يمكن قراءة التوجه نحو إعادة التجنيد الإلزامي بمعزل عن السياق التاريخي والواقع التقني المعاصر، فبينما تحاول الشعوب التعافي من تركات "العسكرة" التي دامت عقوداً، يبرز هذا المقترح ليطرح تساؤلات جوهرية حول الجدوى والمآلات. هل نحتاج حقاً إلى جيوش مليونية في عصر تقوده الخوارزميات؟


أولى هذه المعضلات هي الاستنزاف التنموي وما يعرف اقتصادياً بتكلفة الفرصة البديلة. فعندما يُجبر الشاب على قضاء عام أو عامين في الخدمة العسكرية، فإن الضرر لا يقتصر على "الوقت الضائع"، بل يمتد إلى خسارة سنوات الذروة في العطاء والإنتاج.
هؤلاء الشباب يمثلون وقود القطاع الخاص ومحرك الابتكار التقني، وسحبهم من السوق يعني توقف نمو مهاراتهم في لحظة حاسمة. وفي سوق عمل عالمي يتغير كل ستة أشهر، فإن العودة بعد عامين من الانقطاع تجعل الشاب "خارج الخدمة" فعلياً أمام التطورات البرمجية والمهنية المتسارعة، مما يحول طاقة البناء إلى طاقة معطلة.

الجيوش المليونية أمام الجيوش الذكية

يُعد الإصرار على التجنيد الكمي نوعاً من "الأمية العسكرية" في العصر الحديث. فلم تعد الحروب تُحسم بعدد البنادق، بل بدقة الإحداثيات وقوة الخوارزميات. القوة الحقيقية اليوم تكمن في القدرة على حماية البيانات والبنى التحتية من الهجمات الرقمية، وهو ما يتطلب "جيشاً من المبرمجين" لا جيشاً من المشاة التقليديين.
إن توجيه الموارد الضخمة لإطعام وتجهيز آلاف المجندين قسراً يأتي على حساب الاستثمار في منظومات دفاعية ذكية أو طائرات مسيرة (Drones)، حيث يمكن لمشغل واحد خلف شاشة أن يقوم بمهمة كتيبة كاملة بفعالية أكبر وكلفة بشرية أقل.

من المنارات إلى الثكنات

لا ننسى خطورة تسلل المظاهر العسكرية إلى المدارس والجامعات، وهو ما يضرب جوهر العملية التربوية. فالتربية العسكرية تقوم في أساسها على "التنفيذ ثم النقاش"، بينما يقوم التعليم الحديث على "التساؤل والابتكار".
وبدلاً من التركيز على مختبرات الذكاء الاصطناعي وورش الفنون، تتحول الساحات التعليمية إلى ميادين للتدريب البدني العسكري، مما يولد جيلاً يقدس "القوة" فوق "المعرفة"، ويستبدل شغف الاكتشاف بجمود الامتثال.

التداعيات النفسية والاجتماعية

إن إرغام المواطنين على الانخراط في مؤسسة قسرية يعزز قيم السلطوية على حساب قيم المواطنة والحرية، ويكرس لغة العنف كأداة لحل المشكلات بدلاً من الحوار المدني. أن إقحام الشباب في بيئة قاسية بعيدة عن تخصصاتهم واهتماماتهم يولد حالات من الإحباط والاغتراب النفسي، ويدفع بالكفاءات نحو الهجرة بحثاً عن بيئات تقدر قدراتهم العقلية. علاوة على ذلك، فإن تعطيل مشاريعهم الخاصة وأعمالهم الناشئة يؤدي إلى انتكاسة نفسية ومعيشية عميقة، لكون الشاب يرى رزقه ومستقبله يُهدران في وقت لا ينتمي إليه ولا يعبر عن طموحه.

انتحار مالي معلن

في ظل تذبذب أسعار النفط، يمثل التجنيد الإلزامي عبئاً مالياً لا تستطيع الميزانية العراقية تحمله. إن تكاليف الرواتب، التأمين الصحي، والتقاعد لآلاف المجندين ستثقل كاهل الدولة لعقود. كل دينار يُصرف على "عسكرة" شاب، هو دينار مستقطع من بناء مستشفى، أو تطوير جامعة، أو تمويل مشروع تكنولوجي ناشئ كان من الممكن أن يغير واجهة الاقتصاد الوطني.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم ليس نقصاً في عدد المقاتلين، بل هو الحاجة الماسة إلى "الاحترافية النوعية". إن بناء جيش مهني صغير، ذكي، ومجهز بأحدث تكنولوجيا الأمن السيبراني هو الضمان الحقيقي للسيادة في القرن الحادي والعشرين.
الاستمرار في طرح "التجنيد الإلزامي" كحل للمشاكل الأمنية أو الاجتماعية هو هروب إلى الماضي بآليات أثبتت التجربة التاريخية فشلها في حماية الدولة أو بناء الفرد. القوة لا تُبنى بجمع الأجساد في الثكنات، بل بتمكين العقول في المختبرات والأسواق وميادين العمل. إننا بحاجة إلى "هوية وطنية" تُبنى على أساس الإنجاز والرفاه الرقمي، لا على أساس الزي الموحد والضبط القسري.

لقد آن الأوان للعراق أن يختار بين أن يكون ساحة عرض عسكرية كبرى تستهلك مواردها في استعراضات الماضي، أو أن يكون منصة للابتكار تقودها عقول شبابه نحو مستقبل لا يُقاس بعدد الرصاص، بل بحجم الابتكار. إن مستقبل شبابنا أغلى من أن يُرهن في تجربة "معسكرة" تجاوزها الزمن، والسيادة الحقيقية تبدأ حين يمتلك الشاب العراقي أدوات العصر، لا حين يُجبر على حمل بندقية في حرب لم يعد فيها للرصاصة صوت مسموع أمام طنين التكنولوجيا.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير