قال الخبير الاستراتيجي الدكتور محمد خليل مصلح إن المشهد الراهن يكشف عن تصادم مباشر بين ما وصفه بـ"فائض القوة المعطل" لدى الولايات المتحدة، و"الاستنزاف الآلي" الذي تُديره إيران على مستوى دبلوماسي–عسكري متزامن، في ظل تسارع الأحداث مع اقتراب انتهاء مهلة وقف إطلاق النار. وأشار إلى أن تقارير أمريكية تحدثت عن جهود مكثفة لسحب طهران إلى طاولة المحادثات، بالتزامن مع رفع حالة التأهب داخل إسرائيل، خصوصاً في منظومات الدفاع الجوي.
وأضاف مصلح، في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، أن عامل الوقت بات السلاح الحاسم في هذه المرحلة، موضحاً أن إيران لا ترفض التفاوض، بل تُبطئه بشكل محسوب حتى حافة الانهيار، ما يحوّل الساعات الأخيرة إلى أداة استنزاف نفسي للطرف الأمريكي. ولفت إلى أن عقد اجتماعات طارئة داخل الإدارة الأمريكية يعكس نجاح طهران في دفع الطرف الأقوى عسكرياً إلى موقع رد الفعل.
شروط تفاوض من موقع القوة
وأوضح مصلح أن اشتراط إيران "كسر الحصار" يمثل ما سماه "ضربة تذكيرية" في الفضاء الدبلوماسي، حيث لا تسعى طهران إلى تحقيق هذا الهدف عسكرياً بقدر ما تستخدمه كأداة ضغط تفاوضي. وبيّن أن هذا الشرط يضع واشنطن أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما تقديم تنازلات جزئية، أو الانزلاق نحو التصعيد.
وأشار إلى أن هذا النمط يعكس ما وصفه بـ"جيوسياسة العجز"، حيث يتحول الشرط غير القابل للتحقيق إلى وسيلة فعالة لإعادة تشكيل شروط التفاوض، خصوصاً بعد ربط ملفات حساسة مثل الملاحة في مضيق هرمز بوقف العمليات في جبهات أخرى كلبنان.
إسلام آباد وضبط الإيقاع
وأكد أن الدور الباكستاني لا ينطلق من تفاؤل عاطفي، بل من قراءة استراتيجية لطبيعة التوازنات، حيث تعمل إسلام آباد على إبلاغ واشنطن بأن الحصار يمثل العقبة الأساسية أمام استئناف المحادثات، وأن إزالة هذه العقبة شرط لإعادة إطلاق المسار التفاوضي.
وأضاف أن ما وصفه بـ"التفاؤل المُدار" يعكس إدراكاً بأن إيران لا تسعى إلى مواجهة مباشرة، لكنها ترفض التفاوض من موقع ضعف، مستفيدة من عامل الزمن لإنتاج ما سماه "ردعاً بالإنهاك"، يدفع الإدارة الأمريكية إلى استنزاف رصيدها السياسي قبل الوصول إلى أي تسوية.
سيناريوهات مفتوحة ومقيدة
وبيّن مصلح أن المشهد يتحرك ضمن ثلاثة سيناريوهات رئيسية، أولها إعلان إيراني في اللحظات الأخيرة يعيد ضبط قواعد التفاوض عبر ما وصفه بـ"الضربة التذكيرية". أما السيناريو الثاني فيتمثل في تمديد أمريكي للمهلة تحت ضغط الوسطاء، نتيجة عجز واشنطن عن توظيف فائض قوتها عسكرياً دون تحمل كلفة سياسية مرتفعة. فيما يبقى السيناريو الثالث، وهو الحرب، احتمالاً قائماً لكنه مرهون بخطأ في الحسابات أو تصعيد غير مقصود.
وأوضح أن هذه السيناريوهات تعكس حالة "مزدوجية العجز" التي تعيشها واشنطن، حيث تجد نفسها غير قادرة على الحسم العسكري بسبب كلفة الاستنزاف، وغير قادرة على التراجع بسبب الخطاب السياسي الذي تبنته.
معركة الوقت وتبدل الشروط
وأشار إلى أن التباين في استخدام الزمن بين الطرفين يمنح إيران أفضلية نسبية، حيث يوظف الأمريكيون الوقت كوسيلة ضغط وإعادة تموضع، بينما تستخدمه طهران لتغيير شروط المعركة التفاوضية وإنتاج استنزاف معاكس. ولفت إلى أن هذا الاختلاف يجعل واشنطن تبدو في موقع الاندفاع، مقابل صورة إيرانية أكثر تحكماً في الإيقاع.
وأضاف أن قدرة إيران على دفع الولايات المتحدة إلى الاجتماعات الطارئة تمثل مؤشراً على تفوق تكتيكي، رغم الفارق الكبير في موازين القوة العسكرية.
استبعاد الحرب وترجيح التمديد
ورجّح مصلح أن العودة إلى الحرب ليست السيناريو الأقرب، مستنداً إلى ثلاث قراءات رئيسية، أولها تعمّق حالة "فائض القوة المعطل" لدى واشنطن، حيث تتحول أي ضربة محدودة إلى حرب مفتوحة بفعل أدوات الاستنزاف الإيرانية. وثانيها قدرة طهران على توظيف "اللامتناظرة المعكوسة" لفرض تفاوض حقيقي عبر شروط مرتفعة. أما ثالثها فيتمثل في الدور الباكستاني الذي يوفر غطاءً دبلوماسياً لتنازل أمريكي محدود دون الإقرار بالهزيمة.
وأشار إلى أن السيناريو الأرجح يتمثل في "تمديد منظم" يفضي إلى إرسال وفد إيراني بعد انتهاء المهلة، مقابل تخفيف تقني محدود للحصار، مع استمرار التفاوض في ظل حالة "حرب باردة ساخنة" لا تصل إلى مواجهة مفتوحة ولا تحقق استقراراً كاملاً.
تحول في العقيدة الإيرانية
واختتم مصلح تحليله بالإشارة إلى أن ما يجري قد يعكس تطوراً في العقيدة الإيرانية من "الرد العسكري الفوري" إلى "الاستنزاف الدبلوماسي المتدرج"، أو ربما استخداماً مزدوجاً للأدوات بين المسارين الدبلوماسي والعسكري عبر الجبهات المختلفة.
وأكد أن الهدف النهائي لهذا النهج لا يتمثل في تحقيق انتصار حاسم، بل في منع الخصم من تحقيق انتصاره، عبر إدارة صراع طويل الأمد يستنزف القدرات ويعيد تشكيل موازين القوة تدريجياً.










