19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

شح الوقود في غزة: صدمة هيكلية تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد المنهك

لم تعد أزمة الوقود في قطاع غزة مجرد أزمة خدمات عابرة أو نقص مؤقت في مصادر الطاقة، بل تحولت تدريجياً، وبفعل السياسات الممنهجة

بقلم: محمد خميس
٢٣ أبريل ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
19 مشاهدة
أ.د سمير مصطفي أبو مدلله

أ.د سمير مصطفي أبو مدلله

لم تعد أزمة الوقود في قطاع غزة مجرد أزمة خدمات عابرة أو نقص مؤقت في مصادر الطاقة، بل تحولت تدريجياً، وبفعل السياسات الممنهجة، إلى أزمة اقتصادية شاملة تضرب مختلف مفاصل الحياة الاقتصادية. 

ويؤكد أ.د سمير مصطفي أبو مدلله، المحاضر في جامعة الأزهر وعضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين، أن هذه الأزمة تدفع الاقتصاد الغزي نحو مرحلة من الشلل المنهجي الذي قد يتحول إلى انهيار طويل الأمد في حال استمرار الظروف الحالية وانسداد آفاق الحلول.

وتشير البيانات الميدانية إلى فجوة هائلة بين الاحتياجات الفعلية والمدخلات الحقيقية؛ فبينما يُفترض وفق البروتوكول الإغاثي إدخال 50 شاحنة وقود يومياً إلى قطاع غزة، إلا أن الواقع يشير إلى عدم الالتزام بهذه الكميات إطلاقاً، حيث لا يتجاوز ما يتم إدخاله في أفضل الأحوال 7 شاحنات فقط، أي أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب لاستمرار الحياة. وبالمحصلة، لا تزيد كميات المحروقات التي تدخل القطاع عن نحو 20% من الاحتياجات الفعلية للسكان والقطاعات الإنتاجية، ما يفسر عمق الأزمة واتساع آثارها الكارثية.

الوقود كعصب للنشاط الإنتاجي في اقتصاد محاصر

في الاقتصادات الطبيعية، يشكل الوقود أحد عناصر التشغيل الأساسية، أما في اقتصاد محاصر ومحدود الموارد كاقتصاد غزة، فإن الوقود يمثل شريان الحياة الكامل. 

ويوضح أبو مدلله أن الأزمة بدأت بنقص الوقود والزيوت، لكنها سرعان ما امتدت لتشمل توقف المولدات الكهربائية وتعطل المصانع والمنشآت الإنتاجية وإرباك قطاع النقل والتوزيع، وصولاً إلى تراجع الخدمات الأساسية وارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل غير مسبوق، مما أفقد السلع المحلية قدرتها التنافسية الضعيفة أصلاً.

ومع استمرار نقص الوقود، أصبحت المنشآت الاقتصادية تعمل بشكل متقطع أو توقفت بالكامل، ما أدى إلى خسائر اقتصادية يومية متراكمة وانكماش واضح في النشاط الاقتصادي. 

ويرى أبو مدلله أن هذا الانكماش يأتي في وقت يعاني فيه الاقتصاد المحلي من مستويات هشاشة مرتفعة للغاية، حيث يعتمد القطاع الصناعي في غزة بشكل شبه كامل على المولدات الكهربائية في ظل انقطاع التيار الكهربائي المستمر، ومع نقص الوقود والزيوت اضطرت العديد من المصانع إلى تقليص ساعات العمل أو الإغلاق القسري.

تداعيات الأزمة على سوق العمل ومعدلات البطالة

إن توقف الماكينات في المصانع لم ينعكس فقط على أصحاب المنشآت، بل امتد تأثيره ليطال آلاف العمال الذين فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، ما يفاقم معدلات البطالة المرتفعة التي تجاوزت حاجز الـ80%. 

ويشير أبو مدلله إلى تقارير البنك الدولي التي تؤكد أن اقتصاد غزة يعاني منذ سنوات من ضعف القدرة الإنتاجية نتيجة القيود المفروضة على الحركة والتجارة، مشدداً على أن أي صدمة إضافية في قطاع الطاقة تؤدي مباشرة إلى انكماش اقتصادي حاد، نظراً لاعتماد معظم الأنشطة الاقتصادية على مصادر الطاقة البديلة والمكلفة.

ولم يقتصر تأثير أزمة الوقود على القطاع الصناعي، بل امتد إلى القطاع الخدمي الذي يمثل نسبة كبيرة من الاقتصاد المحلي. حيث تراجعت قدرة المستشفيات والمراكز الصحية، وشركات الاتصالات، والبلديات، والمخابز، والمنشآت الغذائية على العمل بكفاءة ومع تراجع ساعات التشغيل وارتفاع تكاليفها، أصبحت هذه الخدمات تعمل بالحد الأدنى، ما يهدد استقرار الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ويؤدي إلى تدهور جودة الحياة للسكان الذين يواجهون صعوبات جمة في الحصول على أبسط احتياجاتهم.

اختلال سلاسل الإمداد وارتفاع التكاليف المعيشية

يشكل الوقود العمود الفقري لسلسلة الإمداد، بدءاً من نقل البضائع من المعابر وحتى توزيعها داخل الأسواق المحلية. ومع نقص الوقود، ارتفعت تكاليف النقل بشكل جنوني، وتأخرت عمليات التوزيع، وانخفضت كميات البضائع المتاحة في الأسواق، ما أدى إلى موجات غلاء متلاحقة وتآكل حاد في القدرة الشرائية للمواطنين.

 وفي هذا السياق، يلفت أبو مدلله الانتباه إلى بيانات برنامج الأغذية العالمي، التي تؤكد أن أي اضطراب في سلاسل الإمداد داخل قطاع غزة يؤدي إلى ارتفاع فوري في أسعار السلع الأساسية، خاصة في ظل محدودية المخزون واعتماد القطاع الكلي على الواردات الخارجية.

كما لا يمكن فصل تفاقم أزمة الوقود عن الدور الإسرائيلي المباشر، في ظل استمرار القيود المشددة المفروضة على إدخال الوقود والزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المولدات والمنشآت الحيوية فقد شهدت الفترة الأخيرة تراجعاً واضحاً في إدخال الكميات، بالتزامن مع تنصل الحكومة الإسرائيلية من استكمال التفاهمات التي تضمنت إدخال الوقود وتسهيل عمل القطاعات الحيوية، وهو ما يتجلى في الفجوة الكبيرة بين الكميات المتفق عليها (50 شاحنة) وما يتم إدخاله فعلياً (7 شاحنات فقط).

اقتصاد البقاء وفقدان اليقين في بيئة الأعمال

يؤكد أبو مدلله، بصفته خبيراً اقتصادياً وعضواً في الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين، أن الخسائر الاقتصادية تتزايد بشكل يومي، وتشمل انخفاض الناتج المحلي الإجمالي وتراجع الإيرادات العامة. ومع استمرار الأزمة، أصبح القطاع الخاص في غزة يعمل وفق ما يمكن وصفه بـ "اقتصاد البقاء"، حيث تسعى الشركات والمؤسسات إلى تقليل الخسائر إلى حدها الأدنى بدلاً من التفكير في التوسع أو الاستثمار الجديد.

ويظهر ذلك بوضوح من خلال تقليص العمالة، وخفض الإنتاج، وتأجيل المشاريع الاستثمارية، إضافة إلى إغلاق بعض المنشآت بشكل كامل، ما يعكس حالة عدم اليقين الاقتصادي التي تسيطر على بيئة الأعمال وتكمن الخطورة الحقيقية في أن الاقتصاد في غزة يقترب تدريجياً من مرحلة الشلل الكامل، حيث تتوقف معظم القطاعات الحيوية ويتراجع النشاط الاقتصادي إلى مستويات متدنية جداً، ما يضعف القدرة على التعافي المستقبلي ويزيد من اتساع رقعة الفقر.

رؤية للحلول والمخارج الطارئة من منظور أكاديمي

وفي ظل هذه المعطيات القاتمة، يطرح أبو مدلله جملة من الحلول العاجلة للتخفيف من حدة الأزمة، تبدأ بالضغط الدولي المكثف لضمان إدخال الوقود والزيوت بشكل منتظم ودون قيود سياسية أو أمنية، بما يضمن استمرار تشغيل القطاعات الحيوية والإنتاجية. كما تبرز أهمية وضع آلية طوارئ محلية لإدارة كميات الوقود المتاحة وفق أولويات واضحة، تبدأ بالمستشفيات والمرافق الحيوية ثم القطاع الإنتاجي الذي يوفر السلع الأساسية.

كذلك، تبرز الحاجة الملحة لدعم مشاريع الطاقة البديلة، وخاصة الطاقة الشمسية، لتقليل الاعتماد الكلي على الوقود المستورد الذي يخضع لمزاجية الاحتلال. 

ويشدد أبو مدلله على ضرورة توفير برامج دعم طارئة للقطاع الخاص المتضرر، تشمل تسهيلات مالية وضريبية تساعد أصحاب العمل على الصمود ومنع إغلاق المزيد من المنشآت. وفي الختام، فإن أزمة الوقود لم تعد مجرد تفصيل تقني، بل أصبحت المؤشر الأبرز على هشاشة اقتصاد غزة الذي يواجه تحديات مركبة تتطلب تكاتفاً وطنياً ودولياً لإنقاذه من الانهيار الكامل.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

شح الوقود في غزة: صدمة هيكلية تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد المنهك - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°