أصدر مين أونج هلاينج، رئيس ميانمار وقائد المجلس العسكري، اليوم الجمعة، أوامر طوارئ جديدة واسعة النطاق لفرض السيطرة العسكرية المباشرة على 60 بلدة في أنحاء متفرقة من البلاد. وتأتي هذه الخطوة في وقت تحاول فيه ميانمار الانتقال ظاهرياً إلى الحكم المدني، لكنها في الواقع لا تزال غارقة في صراعات وحروب أهلية متعددة الجبهات. وتهدف هذه الأوامر بشكل أساسي إلى تشديد الإجراءات الأمنية في مناطق لا تزال تشهد مقاومة مسلحة عنيفة ضد الجيش، رغم وعود سابقة بإعادة البلاد إلى المسار الديمقراطي.
وتشمل الأوامر الجديدة عشرات البلدات في ولايات حدودية وحساسة، مثل كاشين وكاياه وكاين وتشين وشان وراخين، وهي ولايات تشهد منذ سنوات صراعات عرقية وحركات انفصالية. كما تشمل أيضاً مناطق جغرافية أوسع، مثل مناطق ساجينج وماجواي وماندالاي، التي تعتبر معاقل اقتصادية وسكانية مهمة، ولم تستقر بالكامل بعد تحت سيطرة المجلس العسكري. وجميع هذه المناطق كانت قد سبق أن فرض فيها الجيش قيوداً صارمة وحظر تجول عقب الانقلاب العسكري الذي حدث في عام 2021، لكن القيود السابقة لم تكن بهذه الشدة وهذا الانتشار الجغرافي الواسع.
وأظهر إخطار رسمي نشرته وسائل إعلام مملوكة للدولة، أن الإعلان الرسمي عرّف حالة الطوارئ التي ستستمر لمدة 90 يوماً كاملة، بأنها تأتي بسبب "الحاجة الملحة إلى إنهاء الإرهاب المسلح واستعادة سيادة القانون". وهذه الصياغة تحمل تبريراً أمنياً واضحاً، لكن المعارضة ترى فيها غطاءً لقمع المعارضة وتوسيع رقعة الاضطهاد العسكري. فالمصطلحات مثل "الإرهاب المسلح" تستخدمها السلطات العسكرية لوصف كل من يحمل السلاح ضدها، بما في ذلك جماعات المقاومة الشعبية والأقليات العرقية التي تطالب بحقوقها المشروعة.
نقل السلطات
وفقاً لإخطار رسمي آخر نشر في الصحيفة الحكومية "جلوبال نيو لايت أوف ميانمار"، فقد تم نقل جميع السلطات التنفيذية والقضائية في هذه المناطق الستين إلى قائد عسكري واحد هو الجنرال يي وين أو. وهذا القائد سيتولى الحكم المباشر نيابة عن رئيس المجلس العسكري، وسيكون له الكلمة العليا في كل شيء، من تعيين المسؤولين المحليين إلى إصدار الأحكام القضائية دون أي مراجعة مدنية. وستستمر هذه الصلاحيات المطلقة لمدة 90 يوماً قابلة للتمديد، مما يعني عملياً تعليق أي شكل من أشكال الحكم المدني أو المحلي في هذه المناطق طوال فترة حالة الطوارئ.
وهذا النقل الجذري للسلطات ليس مجرد إجراء أمني عابر، بل هو تصعيد خطير في سياسة "عسكرة الحكم" التي ينتهجها المجلس العسكري منذ انقلابه على الحكومة المنتخبة. فبموجب هذه الأوامر، يصبح القائد العسكري هو المرجعية الوحيدة لكل شيء: الأمن، القضاء، التعليم، الصحة، الاقتصاد، وحتى العلاقات الاجتماعية بين المواطنين. ولا توجد أي جهة رقابية مدنية يمكن الطعن أمامها في قراراته، مما يخلق حالة من الفزع والارتباك بين سكان هذه المناطق الستين.
وتمثل هذه الأوامر الأولى من نوعها منذ تولي مين أونج هلاينج الرئاسة في أوائل شهر أبريل الجاري، فهي أول خطوة كبيرة وجريئة يتخذها لترسيخ سيطرته العسكرية على المناطق المنكوبة بالحرب. وقد جاء توليه الرئاسة عقب انتخابات مثيرة للجدل قوبلت بانتقادات دولية ومحلية واسعة، حيث فاز فيها حزب مدعوم بشكل كامل من الجيش بنسبة تجاوزت 80% من الأصوات. وهذه النسبة غير الواقعية كشفت عن تزوير واسع وغياب تام للنزاهة، مما جعل معظم الدول الغربية ترفض الاعتراف بنتائج الانتخابات أو بالرئيس الجديد نفسه.
انقلاب 2021
وفي أعقاب الاستيلاء على السلطة عام 2021، فرض المجلس العسكري بقيادة مين أونج هلاينج حالة الطوارئ في أنحاء ميانمار بأكملها، ومددها عدة مرات متتالية دون أي نقاش برلماني أو إجماع وطني. واستمر هذا الوضع الاستثنائي لأكثر من أربع سنوات، حتى تمكّن المجلس أخيراً من إجراء انتخابات في شهري ديسمبر ويناير الماضيين، قال المنتقدون إنها "لم تكن حرة ولا نزيهة" بأي معيار من معايير الديمقراطية. فالأحزاب المعارضة قاطعت الانتخابات، وكانت حملات الترهيب والملاحقة تطارد أي مرشح يجرؤ على منافسة الحزب العسكري المدعوم، مما جعل النتيجة محسومة مسبقاً لصالح المجلس.
ميانمار وانتخابات مثيرة
الانتخابات التي جرت في ديسمبر ويناير الماضيين في ميانمار كانت مسرحاً لمشاهد مثيرة للجدل، حيث فاز الحزب المدعوم من الجيش بأغلبية ساحقة تجاوزت 80% من المقاعد، في انتخابات وصفتها المنظمات الدولية بأنها "مهزلة ديمقراطية". فقد تم منع المراقبين الدوليين من حضور الانتخابات، كما تم حظر معظم وسائل الإعلام المستقلة من تغطيتها، واعتقل المئات من النشطاء والصحفيين في الأيام التي سبقت التصويت. وكانت النتيجة معروفة مسبقاً للجميع، لكن الإجراءات أجريت بشكلها الظاهري بهدف إضفاء شرعية شكلية على حكم المجلس العسكري، لا أكثر.
ومع أن الانتخابات جرت رسمياً وفاز بها حزب مدعوم من الجيش، إلا أن المجلس العسكري لم يرضَ عن النتيجة، بل أعلن بعدها مباشرة عن نية إجراء المزيد من الإجراءات الأمنية المشددة. وهذا التناقض يكشف أن الانتخابات لم تكن سوى "مسكن ألم" مؤقت، وأن المجلس كان يخطط أصلاً لتوسيع سيطرته المباشرة على المناطق غير المستقرة. فالجيش لا يثق حتى بالحزب الذي خلقه ويدعمه، ويفضل أن يحكم بنفسه مباشرة في المناطق الحيوية، بدلاً من أن يحكم عبر وكلاء مدنيين قد يخونه الزمن أو يغيرون مواقفهم.
أما بالنسبة لدول الجوار والمجتمع الدولي، فإن ردود الفعل على هذه التطورات كانت خجولة ومتباينة. فالصين والهند، وهما جارتان كبيرتان لميانمار، فضلتا عدم التدخل وتركتا الباب مفتوحاً للتعامل مع المجلس العسكري بحذر. فيما اكتفت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بإصدار بيانات إدانة، لكن دون أي تحرك عملي يذكر، مما شجع المجلس على المضي قدماً في سياساته القمعية دون خوف من عقوبات حقيقية. وبين هذا وذاك، يبقى الشعب البورمي هو الضحية الأكبر، يدفع ثمن طموحات الجنرالات وصمت العالم.









