قالت الباحثة السياسية د. تمارا حداد، إن إجراء الانتخابات المحلية في الضفة الغربية ودير البلح، في هذا التوقيت، يحمل دلالات تتجاوز البعد الإداري أو الخدمي، لتلامس أبعادا سياسية ووطنية عميقة.
وصباح السبت، فتحت 491 مركز اقتراع تضم 1922 محطة انتخابية أبوابها في تمام السابعة بالتوقيت المحلي، لاستقبال نحو مليون و30 ألف ناخب، لاختيار ممثليهم في 183 هيئة محلية، منها 90 مجلسا بلديا، بينها بلدية دير البلح، تتنافس فيها 321 قائمة تضم 3773 مرشحا، إضافة إلى 93 مجلسا قرويا يتنافس على مقاعدها 1358 مرشحا.
وفي سابقة منذ 22 عاما، تُجرى عملية الاقتراع في مدينة دير البلح، حيث يتوجه الناخبون للإدلاء بأصواتهم لكونها من أقل مدن قطاع غزة تضررا نسبيا، في أعقاب حرب الإبادة الإسرائيلية.
وأوضحت "حداد"، في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، أن أول هذه الدلالات هو أن الذهاب إلى الانتخابات يعكس تمسكا بفكرة استمرار عمل المؤسسات، وعدم السماح لحالة الانقسام أو الضغوط الإقليمية والداخلية بتجميد الحياة السياسية بالكامل.
وأشارت إلى أن إجراء الانتخابات يعبر أيضا عن محاولة إعادة تنشيط الشرعيات المحلية، ومنح المجتمع مساحة للمشاركة في إدارة شؤونه رغم التعقيدات القائمة.
التوقيت وما بعد الانتخابات
أما عن قراءة التوقيت، فشددت "حداد" على أن إجراء الانتخابات في هذه المرحلة يرتبط برسائل متعددة، أولها أن هناك إدراكا متزايدا لأهمية إعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، خاصة في ظل التحولات السياسية الإقليمية، والضغوط المتعلقة بمستقبل القضية الفلسطينية، وما يرتبط بملفات الحكم والإدارة وإعادة الإعمار. كذلك، فإن التوقيت يوحي بأن هناك رغبة في إرسال رسالة بأن الفلسطينيين لا ينتظرون التسويات الكبرى كي ينظموا شؤونهم الداخلية، بل يتحركون للحفاظ على الحد الأدنى من الفاعلية السياسية والمؤسساتية.

وحول الخطوة التالية المرجوة، بيّنت الباحثة السياسية إلا أنها تتمثل في ألا تبقى الانتخابات المحلية محطة معزولة، بل أن تكون مدخلا لمسار أوسع من استعادة الحياة الديمقراطية، يبدأ بتعزيز دور الهيئات المنتخبة محليا، ويمتد نحو تهيئة بيئة توافقية تسمح بانتخابات أشمل على المستويات الوطنية واهمها الانتخابات البرلمانية والرئاسية .
كذلك، طالبت "حداد" بأن تُترجم النتائج إلى تحسين فعلي في الخدمات، وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات، لأن نجاح الانتخابات لا يُقاس فقط بإجرائها، بل بما تنتجه من أثر ملموس.
دير البلح.. انتخابات الصمود
وفيما يتعلق بإجراء الانتخابات في دير البلح في ظل الظروف القاسية في غزة، أكدت "حداد" أن هذه الخطوة تحمل رمزية استثنائية. وأضافت: "الرسالة الأولى هي رسالة صمود، مفادها أن الحرب والدمار لا تلغي إرادة الناس في تنظيم حياتهم أو المشاركة في تقرير شؤونهم".
وأردفت: "الرسالة الثانية أن المجتمع في غزة، رغم الاستنزاف الإنساني الهائل، ما زال يتمسك بأدوات الحياة المدنية، ويرفض أن يُختزل فقط في صورة الضحية أو ساحة الحرب".
ولفتت "حداد" إلى أنه يمكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها رسالة سياسية بأن غزة، رغم ظروفها الاستثنائية، ليست خارج المعادلة الوطنية، وأن أي حديث عن مستقبل القطاع لا يمكن أن يتجاوز إرادة سكانه ودورهم. وهي أيضا رسالة إلى الخارج بأن الفلسطينيين، حتى تحت النار، يتمسكون بممارسة شكل من أشكال الفعل الديمقراطي، وهو ما يحمل بعدا أخلاقيا وسياسيا مهمًا.
وختمت "حداد" تصريحها بالقول إن الانتخابات المحلية، وخاصة في دير البلح، تبدو أكثر من استحقاق إداري، إنها مؤشر على محاولة حماية البنية الوطنية من التآكل، ورسالة بأن المجتمع الفلسطيني ما زال يبحث عن أدوات للبقاء والتنظيم، وربما لفتح نافذة نحو مسار سياسي أوسع إذا توفرت الإرادة لذلك.










