20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: بين هدنةٍ مُلتبسة… واحتمالِ تصعيدٍ يلوح في الأفق

في السياسة، لا تُقاس الوقائع بما يُعلَن، بل بما يُفرَض على الأرض. وما نشهده اليوم في جنوب لبنان لا يمكن اختزاله بكلمة “هدنة”، لأن الهدنة، في معناها الحقيقي، تفترض توازناً في الالتزام، لا تفوّقاً في الفرض.

بقلم: د. ليون سيوفي
٢٦ أبريل ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
28 مشاهدة
لبنان

لبنان

في السياسة، لا تُقاس الوقائع بما يُعلَن، بل بما يُفرَض على الأرض. وما نشهده اليوم في جنوب لبنان لا يمكن اختزاله بكلمة “هدنة”، لأن الهدنة، في معناها الحقيقي، تفترض توازناً في الالتزام، لا تفوّقاً في الفرض.
كيف يمكن الحديث عن تهدئة، فيما تُمنع عودة أهالي عشرات البلدات إلى أرضهم بقرار من إسرائيل؟ وكيف يمكن اعتبارها هدنة، فيما يُمنح طرف واحد حق القصف تحت ذريعة “الاشتباه”، دون رادع فعلي أو مساءلة حقيقية؟
ما يجري ليس خرقاً عابراً، بل تكريسٌ لواقع خطير، هدنة تُدار بمنطق القوة، لا بمنطق القانون.
الأخطر من ذلك، أن هذا المشهد يترافق مع ضغط دولي متزايد، تقوده الولايات المتحدة، لدفع لبنان نحو مسار تفاوضي يُقدَّم على أنه مدخل للاستقرار. لكن الحقيقة أن ما يُطرح اليوم لا يرتقي إلى مستوى “السلام”، بل يندرج ضمن إدارة النزاع وتبريده، لا حله.
وهنا يبرز السؤال الجوهري، هل يمكن القبول بمسارٍ تفاوضي مع دولة لم يعرف لبنان معها لحظة استقرار حقيقي؟
الجواب لا يجب أن يكون عاطفياً، بل سياسياً بامتياز. فلبنان، من حيث المبدأ، ليس ضد السلام كخيار استراتيجي، لكن المشكلة ليست في المبدأ، بل في الشروط.
السلام لا يُبنى على النوايا، ولا يُفرض تحت الضغط، ولا يُختزل بتوقيعٍ على ورق. السلام الحقيقي يبدأ عندما تتوافر ضمانات واضحة:
أن يعود الناس إلى أرضهم بلا إذن من أحد،أن تتوقف الاعتداءات بلا ذرائع، أن تُحترم السيادة بلا استثناء، وأن تكون الدولة، لا غيرها، صاحبة القرار على كامل أرضها.

أما ما نراه اليوم، فهو محاولة لإنتاج “سلامٍ ناقص”، أو بالأحرى، “تهدئة مُقنّعة” تُبقي جذور الصراع حيّة، وتؤجل الانفجار بدل أن تمنعه.
في هذا السياق، تصبح الخطورة مضاعفة، لأننا لا نكون أمام حرب واضحة نعرف كيف نواجهها، ولا أمام سلام حقيقي يمكن البناء عليه، بل أمام منطقة رمادية، تُدار بالاشتباه، وتُحكم بتوازن مختل.
ومن هنا، يبرز سؤالٌ إضافي لا يقل خطورة..هل هذه “الهدنة” تشمل لبنان كله، أم أنها محصورة عملياً في نطاقات محددة مثل الضاحية، فيما تبقى مناطق أخرى مفتوحة على الاستباحة؟
هذا التباين في التطبيق، إن صحّ، يُسقط عن الهدنة صفتها الشاملة، ويحوّلها إلى ترتيب أمني مجتزأ، لا يوفّر استقراراً حقيقياً، بل يعيد توزيع المخاطر جغرافياً فقط.
أما الحديث المتزايد عن تحذيرات يطلقها أفيخاي أدرعي، فيجب قراءته بواقعية سياسية لا بانفعال. فهذه التصريحات تندرج غالباً ضمن حرب نفسية وإدارة رسائل ردع، لكنها في الوقت نفسه تعكس حقيقة مقلقة: أن احتمالات التصعيد لا تزال قائمة، وأن “الهدوء الحالي” ليس بالضرورة مستقراً أو طويل الأمد.
بمعنى آخر، لسنا أمام حرب مؤكدة، لكننا أيضاً لسنا في أمانٍ كامل. نحن في مرحلة تعليق مؤقت للصراع، يمكن أن ينكسر عند أي خطأ في الحسابات أو تبدّل في المعادلات.
غير أنّ التطورات الأخيرة تُعيد طرح كل ما سبق بصيغة أكثر إلحاحاً. فمع تجدّد القصف في الجنوب، وعودة التهديدات العلنية من قبل بنيامين نتنياهو باستهداف لبنان مجدداً، يتبيّن بوضوح أنّ ما سُمّي “هدنة” لم يكن سوى حالة مؤقتة قابلة للانهيار في أي لحظة.
هذا التصعيد لا يمكن قراءته كحدثٍ منفصل، بل كمؤشر على أن قواعد الاشتباك لا تزال هشّة، وأن ميزان الردع لم يستقر بعد على صيغة نهائية. فحين يبقى قرار الحرب بيد طرفٍ واحد، ويتحوّل “الهدوء” إلى مجرد فترة انتظار بين جولة وأخرى، تصبح كل التطمينات بلا قيمة فعلية.
الأخطر من ذلك، أنّ هذا المشهد يضع لبنان أمام معادلة دقيقة: فإمّا القبول باستمرار واقعٍ أمني مضطرب تحت سقف “التهدئة”، وإمّا الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد لا تكون الظروف مهيّأة لها داخلياً.
وفي موازاة ذلك، لا يمكن تجاهل التحوّلات الإقليمية الأوسع. فمع إلغاء زيارة دونالد ترامب إلى باكستان، وتراجع الزخم الدبلوماسي الأميركي، يتكرّس واقع أكثر خطورة: فراغٌ في إدارة التوازنات، يفتح المجال أمام تصاعد منطق القوة على حساب السياسة.
فحين تنكفئ المسارات السياسية، وتتراجع قنوات التهدئة، يُترك الميدان لمنطق القوة وحده. وهذا ما ينعكس مباشرةً على لبنان، حيث تتحوّل الجبهة إلى ساحة مفتوحة على احتمالات التصعيد في ظلّ غياب توازنٍ فعلي يضبط الإيقاع.
ما نشهده اليوم ليس مجرد تصعيدٍ عابر، بل نتيجة طبيعية لاختلالٍ في ميزان الردع، حيث تغيب الضوابط الدولية الفاعلة، وتُترك الدول الهشّة لمواجهة ارتدادات صراعات أكبر منها.
وهنا، تعود المسألة إلى جوهرها، ليست المشكلة في غياب الحرب فقط، بل في غياب الاستقرار الحقيقي. لأن الاستقرار لا يُقاس بعدد الأيام الهادئة، بل بوجود قواعد واضحة تمنع الانفجار، لا تؤجّله.
ما يجري اليوم يؤكد أنّنا لم نغادر بعد منطقة الخطر، بل نعيش داخلها بهدوءٍ هشّ، قد ينكسر في أي لحظة.
من هنا، فإن أي موقف وطني مسؤول يجب أن ينطلق من معادلة واضحة:
السلامُ قيمةٌ كبرى، لكنه لا يُبنى على اختلالٍ في السيادة، ولا على واقعٍ تُفرض فيه الشروط من طرفٍ واحد. وما لا يحفظ كرامة الناس وحقهم في أرضهم، لا يمكن تسميته سلاماً.
ولسنا ضد التفاوض، لكننا ضد تفاوضٍ يتحول إلى غطاء لتكريس وقائع غير عادلة.
في النهاية، الأوطان لا تُحمى بالشعارات، ولا تُبنى بالتمنيات، بل بحسن إدارة التوازن بين الحقوق والقوة. ومن لا يُحسن هذا التوازن، يجد نفسه دائماً أمام خيارين كلاهما مُرّ: إما حرب لا يريدها، أو سلام لا يُشبهه

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير