يرى الباحث المتخصص في الشأن الإيراني أحمد العناني أن العلاقة بين أمريكا وإيران تعيش حالة عميقة من انعدام الثقة، وهي حالة تلقي بظلال كثيفة من الضبابية على مسار المفاوضات الجارية. فبحسب تقديره، لا تبدو أي من العاصمتين قادرة على الاطمئنان إلى نوايا الطرف الآخر، ما يجعل كل خطوة تفاوضية محاطة بالشكوك والحسابات المعقدة.
ويضيف العناني لـ"180 تحقيقات"، أن هذه الضبابية لا تنبع فقط من التاريخ الطويل للصراع، بل تتغذى أيضًا من غياب وضوح الرؤية السياسية لدى الجانب الأمريكي، خاصة في ظل تعدد التصريحات وتناقضها، وهو ما يعمّق حالة التردد لدى صانع القرار الإيراني ويجعل أي مسار تفاوضي عرضة للانتكاس في أي لحظة.
ارتباك الخطاب الأمريكي
يشير العناني إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعتمد أسلوبًا متقلبًا في إدارة الملف الإيراني، حيث يمزج بين أدوات الدبلوماسية وخطاب التصعيد في آنٍ واحد. هذا التناقض، بحسب وصفه، يخلق حالة من عدم اليقين حتى لدى الحلفاء قبل الخصوم، فكيف بطهران التي تراقب هذه الإشارات المتباينة بحذر شديد.
ويؤكد أن كثرة التصريحات المتضاربة من الإدارة الأمريكية لا تعكس فقط غياب استراتيجية واضحة، بل قد تكون جزءًا من تكتيك ضغط نفسي وسياسي، إلا أن هذا التكتيك يحمل في طياته مخاطر الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة.
إيران وشبح الضربة العسكرية
لا يستبعد العناني احتمال لجوء واشنطن إلى توجيه ضربة عسكرية لإيران، ولو كانت محدودة، بهدف زيادة الضغط ودفع طهران إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية أكثر صرامة. فوفق هذا التصور، قد يرى ترامب أن استخدام القوة—even بشكل جزئي—يمكن أن يعيد تشكيل ميزان التفاوض.
ويشرح أن مثل هذه الضربة، حتى وإن كانت رمزية أو محدودة النطاق، قد تُستخدم كأداة لفرض واقع جديد، يتم بعده استئناف المفاوضات من موقع قوة، وهو سيناريو يحمل في داخله مخاطر التصعيد الإقليمي الواسع.
الصبر الاستراتيجي الإيراني
في المقابل، يلفت العناني إلى أن إيران لا تزال تتبنى ما يُعرف بسياسة "الصبر الاستراتيجي"، وهي مقاربة تقوم على امتصاص الضغوط وتجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة شاملة. ويؤكد أن طهران، من وجهة نظره، مستعدة للاستمرار في هذا النهج حتى في ظل الخسائر.
ويشير إلى أن إيران تكبدت بالفعل خسائر كبيرة، سواء على مستوى القيادات العسكرية أو البنية التحتية، إضافة إلى تراجع نفوذها الإقليمي في بعض الساحات. كما أن الضغوط الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بصادرات النفط التي كانت تتجه إلى دول مثل الصين والهند، أثرت بشكل مباشر على مواردها المالية واحتياطاتها من العملة الأجنبية.
الاقتصاد تحت الضغط
يوضح العناني أن القيود المفروضة على حركة النفط الإيراني، إلى جانب الحصار، أضعفت قدرة طهران على الاستفادة من عائداتها النفطية التي كانت تشكل ركيزة أساسية لدعم اقتصادها. فبعد أن كانت تصدر ما يقارب مليون برميل يوميًا، أصبحت هذه العائدات مهددة، ما انعكس سلبًا على استقرار العملة والاحتياطي النقدي.
ويرى أن هذه الضغوط الاقتصادية تمثل أحد أهم أدوات الضغط الأمريكية، لكنها في الوقت نفسه قد تدفع إيران إلى مزيد من التشدد بدلًا من تقديم تنازلات، خاصة إذا شعرت أن الهدف هو إضعافها استراتيجيًا لا التوصل إلى تسوية متوازنة.
ثلاثة سيناريوهات محتملة
يطرح العناني ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الأزمة بين واشنطن وطهران. يتمثل السيناريو الأول في العودة إلى التصعيد، سواء عبر مواجهات مباشرة أو عبر وكلاء في المنطقة، وهو خيار يبقى قائمًا في ظل التوترات الحالية.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في الدخول في مفاوضات جدية قد تفضي إلى تنازلات متبادلة، مثل الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة أو تخفيف بعض القيود، مقابل التزامات إيرانية محددة. ويشير إلى أن هذا المسار يتطلب إرادة سياسية حقيقية من الطرفين، وهو ما لا يبدو متوفرًا بشكل كامل حتى الآن.
لبنان ضمن المعادلة
ضمن هذا السياق، يتطرق العناني إلى دور لبنان في المعادلة الإقليمية، معتبرًا أن أي تسوية قد تشمل ضمانات تتعلق بعدم استهدافه مجددًا، خاصة في ظل ارتباطه بتوازنات إقليمية معقدة تشمل أطرافًا متعددة.
ويرى أن إدراج لبنان في التفاهمات قد يكون جزءًا من صفقة أوسع تهدف إلى تهدئة الجبهات المختلفة، مع الحفاظ على توازن دقيق بين المصالح المتعارضة في المنطقة.
خيار إعلان النصر
السيناريو الثالث، بحسب العناني، يتمثل في أن يختار ترامب إنهاء المواجهة عبر إعلان "النصر"، حتى دون تحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة. هذا الخيار قد يكون مدفوعًا بحسابات داخلية، خاصة مع اقتراب استحقاقات سياسية مثل انتخابات الكونجرس.
ويشرح أن هذا السيناريو يسمح للإدارة الأمريكية بتقديم نفسها أمام الرأي العام على أنها حققت إنجازًا، حتى لو كان الواقع أكثر تعقيدًا، وهو نهج سبق أن استخدم في سياقات دولية أخرى.
اتفاق تحت ضغط السياسة
يختتم العناني رؤيته بالإشارة إلى أن ترامب يسعى، بأي شكل، إلى التوصل إلى اتفاق يبدو قويًا، خاصة في ظل الانتقادات الداخلية التي تقارن أي تحرك جديد بالاتفاق النووي الذي أُبرم عام 2015 خلال إدارة باراك أوباما.
وفي ظل هذه الضغوط، يبدو المشهد مفتوحًا على كل الاحتمالات، حيث تتقاطع الحسابات السياسية الداخلية مع التوازنات الإقليمية، ما يجعل من الصعب التنبؤ بمسار نهائي واضح، ويُبقي المنطقة في حالة ترقب دائم لما قد تحمله الأيام المقبلة.










