21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

حين تتحول الحياة إلى ثكنة: كيف تعيد العسكرة تشكيل الوعي الإسرائيلي

في مرحلة مبكرة من الدراسة الإعدادية، تشكّلت لدى الكاتب صورة ذهنية غريبة ومقلقة في آنٍ واحد، حيث كان يتخيل نفسه مقاتلًا في الجيش الإسرائيلي يلقى حتفه في معركة، لتُخلّد ذكراه داخل مدرسته

بقلم: أخبار ومتابعات
٢٧ أبريل ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
24 مشاهدة
حين تتحول الحياة إلى ثكنة: كيف تعيد العسكرة تشكيل الوعي الإسرائيلي

حين تتحول الحياة إلى ثكنة: كيف تعيد العسكرة تشكيل الوعي الإسرائيلي

في مرحلة مبكرة من الدراسة الإعدادية، تشكّلت لدى الكاتب صورة ذهنية غريبة ومقلقة في آنٍ واحد، حيث كان يتخيل نفسه مقاتلًا في الجيش الإسرائيلي يلقى حتفه في معركة، لتُخلّد ذكراه داخل مدرسته. لم يكن هذا التصور مجرد خيال عابر، بل رغبة حقيقية في أن تتحول حياته إلى قصة بطولية يُحتفى بها سنويًا، وكأن الموت في ساحة القتال هو أعلى درجات الإنجاز الشخصي والاجتماعي.

وقال نيسي بيلي عن مجلة +972 Magazine، مع تقدمه في العمر، وبلوغه المرحلة الثانوية، بدأ وعيه السياسي بالتشكل تدريجيًا، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لكسر هذه القناعة العميقة. فقد ظل متمسكًا بفكرة أنه يمكن أن يكون جنديًا “أخلاقيًا” داخل المنظومة، وأن يساهم من الداخل في تغييرها، وهو تصور يعكس مدى تغلغل الخطاب العسكري في تشكيل الهوية الفردية منذ سن مبكرة.

وهم الإصلاح من الداخل

حين التحق الكاتب بسلاح المدرعات، اصطدم سريعًا بواقع مختلف تمامًا عن الصورة المثالية التي حملها. لم تستغرق التجربة سوى أشهر قليلة حتى أدرك استحالة التوفيق بين القيم الأخلاقية التي كان يؤمن بها وبين طبيعة النظام العسكري الذي وجد نفسه جزءًا منه، ما دفعه في النهاية إلى الحصول على إعفاء طبي والخروج من الخدمة.

لكن الخروج من الجيش لم يكن نهاية التأثير النفسي لهذه التجربة، إذ استمرت الكوابيس بملاحقته لسنوات. وفي أحد أكثر الأحلام وضوحًا، رأى نفسه في العشرين من عمره، يعيش في برلين، قبل أن يكتشف فجأة أن معلمته وزملاءه في المرحلة الابتدائية يقفون أسفل نافذته، يطالبونه بالعودة إلى الجيش بعد إلغاء إعفائه بسبب اندلاع حرب جديدة. هذا الحلم يعكس بوضوح كيف تتحول الخدمة العسكرية إلى عبء نفسي دائم، يتجاوز حدود الزمن والمكان.

العسكرة كحالة وجودية

يصف الكاتب المجتمع الإسرائيلي المعاصر بأنه يعيش حالة من “العسكرة المفرطة”، وهي ليست مجرد توجه سياسي أو أيديولوجي، بل بنية عميقة تعيد تشكيل الفرد من الداخل. فالعسكرة هنا تمتد لتطال المخيلة، والرغبات، والعلاقات الاجتماعية، وحتى الإحساس بالانتماء الجماعي، بحيث يصبح كل شيء تقريبًا مفسرًا من خلال عدسة عسكرية.

في هذا السياق، تتحول حالة الطوارئ والحرب المستمرة إلى “الوضع الطبيعي”، ويغدو التفكير خارج هذا الإطار أمرًا صعبًا، إن لم يكن مستحيلًا. هذه الحالة تُنتج مجتمعًا يرى نفسه والعالم من حوله عبر مفاهيم الصراع والاستعداد الدائم، ما يعزز من استمرارية العنف ويجعل من إنهائه تحديًا بنيويًا.

طيف أيديولوجي واسع

لا تقتصر هذه العسكرة على تيار سياسي أو اجتماعي بعينه، بل تمتد عبر كامل الطيف الإسرائيلي. فمن جهة، هناك النزعة العسكرية ذات الطابع الديني التي يتبناها المستوطنون المتشددون، ومن جهة أخرى، نجد نسخة “ليبرالية” من العسكرة تتبناها الطبقات العلمانية والبرجوازية، ما يجعل الظاهرة أكثر رسوخًا وتعقيدًا.

في جميع الأحوال، يُنظر إلى الأفراد وفق علاقتهم بالمؤسسة العسكرية: إما كجنود محتملين في المستقبل، أو جنود في الخدمة، أو جنود سابقين. وحتى أولئك الذين لا يخدمون يُعرّفون سلبًا من خلال غيابهم عن هذه المنظومة، وغالبًا ما يُعاملون كحالات شاذة أو منبوذة اجتماعيًا.

قمع الرافضين

لا يواجه المعترضون على الخدمة العسكرية لأسباب أخلاقية عقوبات قانونية فقط، مثل السجن، بل يتعرضون أيضًا لضغوط اجتماعية وسياسية مكثفة. فخطاب “تقاسم العبء” يُستخدم كأداة لشرعنة الإقصاء، بل وتهديد الرافضين بحرمانهم من حقوقهم المدنية، في مشهد يعكس ضيق مساحة المعارضة داخل المجتمع.

هذا القمع لا يقتصر على الدولة، بل يمتد إلى المجتمع نفسه، الذي يمارس أشكالًا مختلفة من الوصم والعداء تجاه كل من يخرج عن الإجماع العسكري، ما يعزز من هيمنة هذه الثقافة ويحد من إمكانية تفكيكها.

عسكرة الحياة اليومية

رغم كثرة الدراسات التي تناولت العلاقة بين الجيش والسياسة والإعلام في إسرائيل، يشير الكاتب إلى أن الجانب الأقل تناولًا هو تغلغل العسكرة في تفاصيل الحياة اليومية البسيطة. فالأمر لا يتعلق فقط بالمؤسسات، بل بالممارسات اليومية التي تبدو عادية، لكنها تحمل في طياتها دلالات عسكرية عميقة.

هذه “الحياة اليومية المعسكرة” تظهر في كل مكان، من الشوارع إلى المقاهي، ومن المدارس إلى وسائل الترفيه، حيث تصبح الرموز العسكرية جزءًا من المشهد العام، يتم استهلاكها وإعادة إنتاجها بشكل مستمر.

تسليع الحرب والهوية

في ظل النظام الرأسمالي، تتحول العسكرة إلى سلعة تُباع وتُشترى. فهناك دورات تدريبية مخصصة لإعداد الشباب لاجتياز اختبارات الوحدات السيبرانية والاستخباراتية، وأخرى تركز على “اللياقة القتالية” للالتحاق بوحدات النخبة، ما يعكس كيف يتم تحويل الطموح العسكري إلى سوق مربحة.

كما تُستخدم الرموز العسكرية في الإعلانات التجارية بشكل واسع، حيث يتم استثمار صورة الجندي باعتباره بطلًا وطنيًا، أو حتى كرمز جاذبية، لبيع منتجات لا علاقة لها بالحرب. هذا الاستخدام يعمّق من حضور العسكرة في الوعي الجمعي، ويجعلها جزءًا من الاستهلاك اليومي.

استغلال الرمزية العسكرية

تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في أمثلة متعددة، منها حملات إعلانية تستخدم صور مجندات للترويج لمنتجات تجارية، مع ربطهن بفكرة “البطولة الخارقة”. كما تنتشر على تطبيقات المواعدة حسابات تعرض صورًا بالزي العسكري، أحيانًا على خلفيات دمار في غزة، ما يكشف عن تداخل معقد بين العنف والهوية الشخصية.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمتد إلى المنتجات الغذائية، حيث تُستخدم أسماء جنود قُتلوا لتسمية أطعمة ومشروبات “تكريمًا” لهم، في ظاهرة تعكس كيف يتم دمج الموت والحرب في الحياة اليومية بشكل يبدو اعتياديًا، بل ومقبولًا اجتماعيًا.

اقتصاد الحرب الدائمة

في هذا السياق، لا تبدو الحرب مجرد احتمال، بل شرطًا دائمًا لاستمرار هذا النظام. وقد عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن هذه الفكرة بوضوح في سبتمبر الماضي، عندما دعا إلى تحويل إسرائيل إلى “سوبر إسبرطة”، عبر تعزيز الاكتفاء الذاتي عسكريًا واقتصاديًا، في مواجهة ما وصفه بالعزلة الدولية.

هذا الطرح يعكس ذهنية ترى في العسكرة ليس فقط وسيلة للدفاع، بل نموذجًا شاملًا لإدارة الدولة والمجتمع، ما يعمّق من دائرة الصراع ويجعل الخروج منها أكثر تعقيدًا.

نحو أفق مختلف

يرى الكاتب أن تفكيك هذه الأيديولوجيا هو الخطوة الأساسية نحو بناء مستقبل مختلف، أكثر عدالة واستقرارًا. ويتطلب ذلك تحدي الفكرة المركزية التي تروّج لها الصهيونية، والتي تعتبر أن العسكرة هي الضامن الوحيد لأمن اليهود، في حين أن الواقع، كما يشير، يكشف أنها قد تكون مصدر تهديد دائم.

في ظل المجازر المستمرة في غزة منذ أكتوبر 2023، والدعم الأمريكي المباشر لإسرائيل، تتضح خطورة هذه البنية الفكرية التي تبرر العنف وتعيد إنتاجه. ومن دون مراجعة جذرية لهذه المنظومة، سيظل الأفق مسدودًا أمام أي إمكانية حقيقية لتحقيق سلام عادل يشمل الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

حين تتحول الحياة إلى ثكنة: كيف تعيد العسكرة تشكيل الوعي الإسرائيلي - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°