يشهد الكيان الإسرائيلي، في الأيام الأخيرة انفجاراً داخلياً غير مسبوق في العلاقة بين المستوى السياسي والقيادة العسكرية، على خلفية الإخفاقات المتتالية في حرب لبنان أمام المقاومة الإسلامية (حزب الله).
وكشفت تسريبات داخلية صادرة عن مصادر رفيعة في جيش الاحتلال أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يسعى بشكل ممنهج إلى تحويل الجيش الإسرائيلي إلى "كبش فداء" يتحمل مسؤولية النتائج المخيبة للآمال في لبنان والنتائج الجزئية في الجبهة الإيرانية. وأكد المصدر العسكري أن الجيش كان ولا يزال ينفذ بدقة توجيهات المستوى السياسي، بل والأكثر من ذلك، أنه يلتزم بالخطوط الحمراء التي أملاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إسرائيل في واشنطن.
وجاء هذا التصعيد بعد سلسلة من العليات الناجحة التي قام بها حزب الله، حيث أطلق الطائرات المسيّرة والصواريخ باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة والقوات الإسرائيلية العاملة في جنوب لبنان خلال عطلة نهاية الأسبوع، مما أدى إلى مقتل الجندي إيدان فوكس.
مشاهد استثنائية اسطورية من المقاومة الإسلامية حزب الله العظيم 📍📹
— AHMAD SLMAN (@ahmadslmanx) April 27, 2026
عملية استهداف تجمّع جنود وقوة إخلاء تابعين لجيش العدو الإسرائيلي في بلدة الطيبة جنوبي لبنان بمحلّقتين انقضاضيّتين.
صيد الخنازير البرية 🐗📍 pic.twitter.com/VnUNVoRvQJ
وأصدر نتنياهو، مساء السبت، بياناً مقتضباً قال فيه إنه "أمر الجيش بالرد بقوة على أهداف حزب الله في لبنان"، لكن كبار المسؤولين العسكريين أكدوا أن الرد كان مجرد "دخان" يهدف إلى تقليل الضغط العام، وأنه لم يحدث أي تغيير حقيقي في قواعد الاشتباك ولا في طبيعة النشاط العسكري.
تسريبات داخل الجيش: "نتنياهو يلقي التهم"
كشفت التسريبات العسكرية التي أوردتها صحيفة "إسرائيل هيوم" العبرية، وتناقلتها وسائل إعلام دولية، أن قادة الجيش الإسرائيلي يشعرون بغضب عارم من محاولات نتنياهو تحميلهم مسؤولية الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب على لبنان.
وقال مسؤولون كبار في الجيش للصحيفة إن تصريحات نتنياهو العلنية عن "الرد بقوة" لم تكن سوى واجهة إعلامية، بينما الواقع على الأرض يقول إن القوات الإسرائيلية لا تزال مقيدة الأيدي، ولا تستطيع الرد إلا ضمن مناطق محدودة في جنوب لبنان وبعيداً عن التجمعات المدنية.
وأوضحت التسريبات أن الاستياء المتزايد داخل المؤسسة العسكرية هو مجرد "رأس جبل الجليد" من شعور متنامٍ بأن نتنياهو يبحث عن "كبش فداء" يتحمل مسؤولية النتائج المخيبة في لبنان والنتائج الجزئية في إيران.
وأشارت المصادر إلى أنه بينما من المتوقع أن يكون "كباش الفداء" في الجبهة الإيرانية هو جهاز الموساد، فإن لبنان ستُلقى تبعاته على الجيش الإسرائيلي، رغم أنه تصرف وفق توجيهات المستوى السياسي كما يفعل الآن. هذا التضارب في الروايات يكشف عن أزمة ثقة عميقة بين القيادة السياسية والعسكرية، قد تكون لها تداعيات خطيرة على مستقبل العمليات في أكثر من جبهة.
وفي تطور لافت، كشفت التسريبات أن نتنياهو يدرك جيداً أنه لا يستطيع تحمل تكلفة حرب شاملة مع حزب الله في هذه المرحلة، بسبب اعتبارات سياسية داخلية وخوفاً من ردود فعل الإدارة الأمريكية. ولهذا السبب، يفضل نتنياهو حالياً "إدارة الصراع" بدلاً من حسمه، وهو ما يضعه في مواجهة مباشرة مع قادة الجيش الذين يرون أن استمرار هذا التردد يكلفهم أرواح جنودهم يومياً. ويصف المحللون هذا الموقف بأنه "صراع بين منطق السياسي الذي يريد البقاء في السلطة ومنطق العسكري الذي يريد تحقيق النصر".
صراع القيادة: من يتحكم بقواعد الاشتباك؟
تتصاعد حدة الصراع بين المستوى السياسي والعسكري في إسرائيل حول قواعد الاشتباك في لبنان، وسط اتهامات متبادلة بالتسبب في تعقيد الوضع الميداني. فبينما يطالب قادة الجيش بتوسيع نطاق العمليات لتشمل أهدافاً استراتيجية لحزب الله في البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، يرفض المستوى السياسي هذه المطالب خوفاً من ردود فعل أمريكية دولية عاتية.
ويقول خبراء عسكريون إن الجمود الحالي في قواعد الاشتباك هو وصفة مؤكدة لمزيد من الخسائر والإحباط، تماماً كما حدث في السنوات الأخيرة من وجود الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان خلال تسعينيات القرن الماضي.
ويتهم قادة الجيش نتنياهو بأنه يفضل، لأسباب سياسية داخلية، البقاء ضمن "قواعد اللعبة" المألوفة، والتي تسمح للجيش بالعمل فقط في جنوب لبنان وفي مناطق خالية من المدنيين. هذا النمط الثابت من النشاط، كما يقولون، يجعل الجنود هدفاً سهلاً للكمائن والهجمات، كما حدث في بلدة الطيبة التي قُتل فيها الرقيب إيدان فوكس وأصيب آخرون. ويحذر قادة الجيش من أن استمرار هذه السياسة سيجعل الأشهر المقبلة "شتاء لبنانياً دامياً" لقوات الاحتلال وسكان المستوطنات الشمالية على حد سواء.
ويذهب بعض المحللين إلى أن نتنياهو مهتم شخصياً باستمرار الحرب كعامل للبقاء السياسي، بينما يريد ترامب إنهاء الصراع في أسرع وقت ممكن وبأقل الخسائر. هذا التناقض في المصالح بين رئيس وزراء الاحتلال والرئيس الأمريكي يخلق حالة من الشلل في اتخاذ القرارات الحاسمة، ويدفع الجيش إلى دفع ثمن غالٍ من دماء جنوده دون أن يحقق تقدماً حقيقياً.
واللافت أن الخلاف الأخير ليس الأول من نوعه، فقد سبق أن صدم الجيش الإسرائيلي المستوى السياسي مطلع أبريل بتصريحات قال فيها إن العملية في لبنان لا تهدف إلى نزع سلاح حزب الله ولن تحقق ذلك، مما أثار حفيظة سكان الشمال الذين وعدوا بنصر حاسم.
البحث عن "كبش فداء"
مع تفاقم الإخفاقات، يبدو أن نتنياهو بدأ فعلياً في تنفيذ خطة للبحث عن "كبش فداء" يُلقى عليه اللوم في نتائج الحرب المخيبة، وكشفت التسريبات أن الضحية المرشحة هي المؤسسة العسكرية بأكملها، وهو ما أثار غضباً عارماً في غرف القيادة بعيداً عن الأعين. ويستند هذا الاتهام العسكري إلى حقيقة أن الجيش يعمل وفق توجيهات المستوى السياسي بدقة، لكن المستوى السياسي يحاول الآن التملّص من المسؤولية ونقلها إلى الجيش لتجنب الاستحقاق الشعبي الصعب. ويرى مراقبون أن هذا التصرف يُظهر أزمة قيادة أخلاقية وسياسية عميقة في المستوى السياسي الإسرائيلي.
ومن جانبه، يرد المستوى السياسي بأن الجيش لم ينجح في تحقيق النصر الحاسم على الرغم من كل الإمكانيات التي أتيحت له، مستشهداً بعدم قدرة الجيش على التوغل بعمق في الأراضي اللبنانية وتدمير البنى التحتية لحزب الله في البقاع والضاحية. ويطالب اليمين الإسرائيلي المتطرف، وبعض أعضاء الكنيست من الائتلاف الحاكم، الجيش بشن هجمات أوسع، ويهددون بعدم قبول أي اتفاق "يهدر" الفرصة الاستراتيجية لضرب حزب الله بشكل قاسٍ. لكن قادة الجيش يقولون إن اليد التي تربطهم تأتي من نفس المستوى السياسي الذي يطالبهم الآن بتوسيع العمليات.
ويشبّه محللون عسكريون ما يحدث الآن بالحرب على غزة، حيث تحول النصر العسكري إلى فشل استراتيجي بسبب غياب رؤية واضحة لليوم التالي، وهو ما يحدث مجدداً في لبنان. ويقول الباحثون إن المستوى السياسي الإسرائيلي فقد القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة، وأصبح يراوح مكانه بين الرغبة في تحقيق نصر ساحق والخوف من الثمن الذي سيدفعه. وفي ظل هذا الفراغ القيادي، يدفع الجيش الثمن الأكبر، حيث يخسر جنوده يومياً في عمليات لا تحقق تقدماً، والمستوطنون في الشمال لا يستطيعون العودة إلى منازلهم بأمان.
أزمة الجاهزية في الجيش
تكشف التسريبات العسكرية عن مشكلة أعمق من مجرد خلافات قيادية؛ فهناك اعترافات خطيرة في الداخل الإسرائيلي بأن قوات الجيش، وخصوصاً قوات الاحتياط، ليست مستعدة قتالياً لشن هجوم بري واسع داخل لبنان.
ويعزو خبراء عسكريون هذا التراجع إلى سنوات من اتباع مفهوم "الجيش الصغير الذكي" الذي ركز على التكنولوجيا والقوات النظامية القليلة على حساب قوات الاحتياط التي تشكل العمود الفقري لأي حرب إقليمية. ونتيجة لذلك، فإن العديد من وحدات الاحتياط تفتقر إلى التدريب الكافي على الأنظمة الحديثة، مما يضعف بشكل كبير قدرة الجيش على تنفيذ مهام هجومية معقدة.
ويقول المحللون إن الجيش الإسرائيلي يعاني من أزمة انضباط وانعدام للرقابة، والفشل في التعلم من التجارب السابقة، مما يجعله غير قادر على تنفيذ العمليات الهجومية المطلوبة. ونتيجة لهذه الأزمة الداخلية في الجيش، يفضل المستوى السياسي البقاء في منطقة "الردود المحدودة" بدلاً من المخاطرة بعملية برية واسعة قد تكشف عن نقاط الضعف الحقيقية للجيش. هذا الواقع يمنح حزب الله فرصة ذهبية لاستنزاف الجيش الإسرائيلي يومياً دون المخاطرة بمواجهة شاملة.
ويكشف تقييم عسكري آخر أن ما يزيد الطين بلة هو أن الجيش الإسرائيلي اضطر في خضم الحرب على لبنان إلى تحويل بعض قواته إلى الضفة الغربية للسيطرة على "عنف المستوطنين" ضد الفلسطينيين، وهو أمر وُصف بأنه "غير مسبوق" في التاريخ العسكري الإسرائيلي. فبدلاً من تركيز كل قوته على حسم المعركة ضد حزب الله، يجد الجيش نفسه مشتتاً بين جبهات متعددة، ويعاني من نقص حاد في القوات، ويواجه أزمة ثقة داخلية خانقة.
محاولة فاشلة لتجميل الهزيمة
تكشف حملة الانتقادات الداخلية والصراعات القيادية في إسرائيل عن حقيقة مرة يعرفها الجميع: المقاومة الإسلامية في لبنان تمكنت من تحقيق ما يعادل "النصر الاستراتيجي" من خلال فرض معادلات جديدة وإثبات أنها قوة لا يمكن كسرها بسهولة.
وبينما يتهم المستوى السياسي الجيش بالتقصير، ويتهم الجيش السياسي بغسل يديه من الدماء، تبقى الحقيقة أن الكيان الإسرائيلي دخل إلى لبنان بأسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وخرج (أو هو ما زال يحاول الخروج) بإخفاقات مدوية لم يشهد لها مثيلاً منذ حرب 2006.
ويبقى "كبش الفداء" الذي يبحث عنه نتنياهو ليس سوى محاولة يائسة لإنقاذ صورته الشخصية أمام جمهوره الذي بدأ يفقد الثقة به وبقدرته على إدارة الحروب. لكن التاريخ يسجل أن كل محاولات البحث عن كبش فداء لم تمنع انهيار الحكومات الإسرائيلية بعد الحروب الفاشلة، ويبدو أن نتنياهو قد يسير على نفس الدرب إذا لم يتحمل مسؤوليته الكاملة عن هذه الكارثة. حتى ذلك الحين، يبقى الجنود الإسرائيليون في جنوب لبنان عالقين بين كمائن المقاومة ووعود القادة الكاذبة التي لا تجلب لهم سوى الموت والإحباط.










