اندلعت أزمة دبلوماسية حادة بين أوكرانيا وإسرائيل، بعد أن كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية عن وصول أربع سفن روسية على الأقل إلى ميناء حيفا منذ بداية العام الجاري، محملة بحبوب أوكرانية وصفتها كييف بأنها "مسروقة" من أراضيها المحتلة.
وأعلن وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها، مساء الاثنين الماضي، عن استدعاء السفير الإسرائيلي لدى كييف ميخائيل برودسكي إلى جلسة توبيخ علنية، في خطوة دبلوماسية نادرة تعكس حجم الغضب الأوكراني من تعامل إسرائيل مع هذه القضية. وجاء هذا التصعيد بعد أيام من تقارير أكدت أن إسرائيل استقبلت وأفرغت أربع سفن روسية على الأقل تحمل حبوباً مسروقة من الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها القوات الروسية منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022 .
وتتحارب الجارتان أوكرانيا وروسيا منذ أكثر من أربع سنوات، وتتهم كييف موسكو بشكل مستمر بالاستيلاء على الحبوب والمحاصيل الزراعية من الأراضي الأوكرانية المحتلة وبيعها في الأسواق الدولية بأسعار مخفضة. وقد أثار كشف تورط إسرائيل في استقبال هذه الشحنات المسروقة أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين البلدين، خاصة أن أوكرانيا كانت تعتبر إسرائيل حليفاً مقرباً في المحافل الدولية وقدّمت لها دعماً سياسياً علنياً خلال حرب الإبادة الجماعية التي تشنها تل أبيب على قطاع غزة . ووصف مراقبون الموقف الإسرائيلي بأنه يمثل "ازدواجية صارخة في المعايير" حيث تطلب إسرائيل من العالم احترام سيادتها وأمنها بينما تنتهك هي نفسها سيادة أوكرانيا وقوانينها الدولية.
4 سفن وطلب رسمي لتجميد الشحنة
تعود جذور الأزمة إلى الأحد الماضي، عندما كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية العبرية، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن إسرائيل استقبلت وأفرغت منذ بداية العام 2026 أربع سفن روسية على الأقل في ميناء حيفا، كانت تحمل شحنات من الحبوب مصدرها الأراضي الأوكرانية المحتلة.
وأضافت الصحيفة أن هذه السفن دخلت الميناء دون أي عوائق أو عمليات تفتيش دقيقة، مما أثار استغراب المسؤولين الأوكرانيين الذين كانوا يتوقعون من حليف مقرب لهم أن يتصرف بشكل أكثر مسؤولية. وبعد يومين من الكشف، أعلن وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها، مساء الاثنين، في بيان رسمي، استدعاء سفير تل أبيب لدى كييف ميخائيل برودسكي إلى جلسة توبيخ عاجلة، على خلفية استقبال إسرائيل "سفينة روسية تحمل حبوباً أوكرانية مسروقة".
وفي تطور يكشف عن جدية كييف في متابعة القضية قانونياً، قال سيبيها عبر منصة "إكس" (تويتر سابقاً) يوم الأربعاء: "وجّهت أوكرانيا رسمياً نداءً إلى إسرائيل عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية، لاتخاذ إجراءات فورية بشأن السفينة بانورميتيس".
وأضاف سيبيها أن "مكتب المدعي العام الأوكراني قدّم طلباً رسمياً إلى السلطات الإسرائيلية، استناداً إلى حكم قضائي أوكراني، لاحتجاز السفينة ضمن التحقيق الجاري"، موضحاً أن "السفينة كانت تحمل شحنة حبوب نُقلت بطريقة غير شرعية من ميناء مغلق في الأراضي الأوكرانية المحتلة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي والتشريعات الأوكرانية". ويُعتقد أن هذه الشحنة تقدر بعشرات آلاف الأطنان من الحبوب، وهي من محصول العام الماضي الذي صادرته القوات الروسية من المزارعين الأوكرانيين في مناطق زابوريجيا وخيرسون .
ساعر يتهم كييف بـ"دبلوماسية تويتر"
في الجانب الآخر من الأزمة، اختار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الرد على الاتهامات الأوكرانية بطريقة اعتبرها المراقبون "مراوغة وتهرباً من المسؤولية"، حيث اتهم الوزير الإسرائيلي نظيره الأوكراني بممارسة "دبلوماسية تويتر" غير المهنية.
وكتب ساعر عبر منصة "إكس" ردا على سيبيها: "المرء يتوقع تقديم طلب قانوني قبل التغريد (عبر إكس)، لكنك اخترت خلاف ذلك لأسبابك الخاصة". وأضاف ساعر: "وأخيراً، قدمت (سيبيها) الطلب في وقت متأخر من الليلة الماضية، والآن تُتبعه بتغريدة أخرى، وتفحص السلطات المختصة الطلب الآن".
وكان ساعر قد صعد لهجته في اليوم السابق، خلال مؤتمر صحفي عقده مع نظيره الصربي ماركو دجوريتش في القدس الغربية، حيث أعرب عن رفضه لما أسماها "هذا النوع من الدبلوماسية عبر تويتر"، في إشارة إلى منصة إكس التي يستخدمها سيبيها لنشر مواقفه.
وادعى ساعر أن تل أبيب بدأت تحقيقاً في ملابسات وصول سفينة حبوب روسية إلى ميناء حيفا، لكنه في إقرار ضمني منه بوصول السفينة بالفعل إلى الأراضي الإسرائيلية، أضاف: "لم تدخل السفينة الميناء بعد، ولم تقدم وثائقها. لا يمكننا التحقق من صحة الادعاءات الأوكرانية، ولم تقدم كييف طلباً للمساعدة القانونية، بل اكتفت بنشر تغريدات، ولم تقدم أي دليل على ادعاءاتها" . ويرى المراقبون أن هذه التصريحات تمثل محاولة إسرائيلية لشراء الوقت والتخلص من المسؤولية القانونية والأخلاقية المترتبة على استقبال بضائع مسروقة تأتي من أراض تحت الاحتلال.
خيبة أمل أوكرانية
لم تخفِ أوكرانيا شعورها بالمرارة والإحباط من السلوك الإسرائيلي، خاصة أن كييف كانت من بين الدول القليلة التي وقفت إلى جانب إسرائيل علناً في حربها على غزة، متحدية بذلك الرأي العام العالمي والإدانات الدولية الواسعة.
وصرح سيبيها، في بيانه يوم الاثنين، بأن ما حدث "يبدو مفاجئاً بعض الشيء من بلد دعمناه في المحافل الدولية، وقدّمنا له الدعم بشتى الطرق"، في إشارة واضحة إلى الدعم الأوكراني لإسرائيل في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى على الرغم من إدانة معظم دول العالم لجرائم الحرب الإسرائيلية في غزة.
ويأتي هذا الدعم الأوكراني رغم أن إسرائيل نفسها رفضت تلبية طلبات كييف المتكررة لتزويدها بأسلحة هجومية أو دفاعية متطورة لمواجهة الغزو الروسي، مكتفية بتقديم مساعدات إنسانية محدودة فقط.
وقال مراقبون إن الموقف الإسرائيلي المتردد في دعم أوكرانيا عسكرياً كان يهدف إلى عدم استفزاز روسيا التي تملك نفوذاً في سوريا ولديها قدرة على تعطيل العمليات العسكرية الإسرائيلية هناك. لكن هذه الحسابات الإسرائيلية لم تمنع كييف من إعلان تأييدها لحرب الإبادة الجماعية التي بدأتها تل أبيب في قطاع غزة في أكتوبر 2023، مشددة على دعمها لما ادعت أنه "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" ضد حركة حماس والمقاومة الفلسطينية .
إسرائيل تطلب سيادتها وتنتهك سيادة غيرها
تعكس أزمة سفينة الحبوب المسروقة تناقضاً جوهرياً في السياسة الخارجية الإسرائيلية وموقفها من القانون الدولي، فبينما تحتج إسرائيل في كل محفل دولي على ما تصفه بـ"تهديدات إيران ووكلائها" لسيادتها وأمنها، فإنها تتجاهل بشكل متعمد انتهاك سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها.
وتشير المصادر إلى أن إسرائيل لم تقدم أي تفسير مقنع حتى الآن حول سبب عدم تفتيش هذه السفن الروسية وهي تحمل بضائع يشتبه في أنها مسروقة من أراضٍ أوكرانية تحت الاحتلال، وهو ما يمثل انتهاكاً للعقوبات الدولية والاتفاقيات التجارية.
واللافت أن إسرائيل، التي تحتل منذ عقود الأراضي الفلسطينية والجولان السوري وأجزاء من جنوب لبنان، وتنتهك يومياً مئات القرارات الأممية، تطلب من العالم احترام سيادتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وهذه المفارقة لم تخفَ على المراقبين، الذين قالوا إن إسرائيل لا يمكنها أن تطالب أوكرانيا أو أي دولة أخرى باحترام سيادتها وهي نفسها تتعامل بازدواجية المعايير تجاه سيادة الآخرين. فبينما تصر تل أبيب على أن فلسطين "أرض لا شعب لها لشعب لا أرض له" وتستمر في بناء المستوطنات غير القانونية، فإنها تدين الغزو الروسي لأوكرانيا وضم أراضيها، وهو موقف متناقض أضعف مصداقية إسرائيل في المجتمع الدولي.
مزيد من التوتر أم تراجع إسرائيلي؟
من المتوقع أن تؤدي هذه الأزمة إلى مزيد من التوتر في العلاقات الأوكرانية الإسرائيلية، التي كانت متوترة أصلاً بسبب رفض إسرائيل تزويد كييف بأنظمة دفاع جوي متطورة لمواجهة المسيّرات والصواريخ الروسية.
ويقول محللون إن إسرائيل قد تجد نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات لأوكرانيا لتجنب تدهور العلاقات بشكل أكبر، خاصة أن أوكرانيا تمتلك أصواتاً مؤثرة في المحافل الدولية ويمكنها أن ترد على الموقف الإسرائيلي بعدم التصويت لصالحها في الأمم المتحدة، أو حتى بالانحياز إلى الموقف الروسي في بعض القضايا.
لكن في المقابل، يرى مراقبون أن إسرائيل قد لا تقدم تنازلات كبيرة لأن علاقتها بروسيا لا تزال مهمة استراتيجياً، خاصة في ما يتعلق بالتحكم بالنفوذ الإيراني في سوريا. وقد تفضل تل أبيب "امتصاص الغضب الأوكراني" مؤقتاً وتحاول التهدئة عبر قنوات دبلوماسية خلف الكواليس، بدلاً من اتخاذ خطوات عملية قد تزعج موسكو مثل تسليم السفينة أو حجز شحنتها.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستغير هذه الأزمة الميزان الدبلوماسي وتدفع أوكرانيا إلى إعادة النظر في دعمها العلني لإسرائيل في المحافل الدولية، أم أن كييف ستختار التغاضي عن هذه الإهانة لتبقي علاقاتها مع تل أبيب في مستوى مقبول؟
سفينة تفجر أزمة بين حليفين مفترضين
في مشهد يعكس تعقيد العلاقات الدولية في زمن الحروب المتعددة، تحولت سفينة محملة بالحبوب من رمز للأزمة الغذائية العالمية إلى قنبلة دبلوماسية فجّرت الخلافات الكامنة بين أوكرانيا وإسرائيل. فبينما تتهم كييف تل أبيب بالتواطؤ في سرقة محصولها الزراعي عبر استقبال سفن روسية في ميناء حيفا، تتهم تل أبيب كييف بممارسة "دبلوماسية تويتر" غير المسؤولة.
وتظل الحقيقة أن إسرائيل، التي لم تعترف بعد بالانتهاكات الروسية للأراضي الأوكرانية، تجد نفسها الآن في موقف محرج أمام الرأي العام العالمي. أما أوكرانيا، التي قدمت الدعم السياسي لإسرائيل في حربها على غزة رغم كل الانتقادات، فتشعر اليوم بأن هذا الدعم لم يكن متبادلاً، بل قوبل بازدواجية المعايير والتخلي عنها في أصعب لحظاتها. ويبقى مصير السفينة "بانورميتيس" وشحنتها من الحبوب المسروقة هو المحدد الفعلي لما إذا كانت هذه الأزمة ستنتهي بسرعة عبر قنوات دبلوماسية هادئة، أم ستتحول إلى جرح مفتوح يفسد العلاقة بين البلدين لسنوات قادمة.







