19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

بعد مناورات سرت وتعاون المسيّرات: التقارب العسكري المصري التركي يثير ذعر إسرائيل

يثير التقارب المتزايد بين مصر وتركيا حالةً من القلق العميق داخل الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية، خصوصاً مع توسع التعاون بين البلدين في مجالات التدريب والمناورات العسكرية المشتركة.

بقلم: عمرو المصري
٢ مايو ٢٠٢٦
10 دقائق قراءة
35 مشاهدة
السيسي وإردوغان خلال توقيع البلدين مذكرات تفاهم في المجالات العسكرية... فبراير 2026 (الرئاسة المصرية).jpeg

السيسي وإردوغان خلال توقيع البلدين مذكرات تفاهم في المجالات العسكرية... فبراير 2026 (الرئاسة المصرية).jpeg

يثير التقارب المتزايد والمتسارع في العلاقات بين مصر وتركيا حالةً من القلق العميق داخل الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية، خصوصاً مع توسع التعاون بين البلدين في مجالات التدريب والمناورات العسكرية المشتركة، وصولاً إلى التكامل في الصناعات الدفاعية وتوطين تكنولوجيا الطائرات المسيّرة. 

فتلك المخاوف الإسرائيلية تجددت بقوة بعد اختتام التدريبات العسكرية الدولية التي حملت اسم "فلينتلوك 2026" وأقيمت في مدينة سرت الليبية، والتي شاركت فيها مصر وتركيا إلى جانب قوات دولية أخرى، في مشهد رأى فيه الخبراء العسكريون إعلاناً غير مباشر عن بداية مرحلة جديدة من التنسيق الاستراتيجي بين أكبر جيشين في المنطقة. 

ويعود هذا القلق الإسرائيلي لأسباب متعددة ومتشعبة، كما يشرح المحللون، أبرزها الثقل العسكري الهائل للبلدين، وقدراتهما الصاروخية والجوية، وتقاربهما المستمر في مجال التصنيع العسكري، وتوافق رؤاهما تجاه العديد من قضايا المنطقة المصيرية.

ونشرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية العبرية، في الأيام القليلة الماضية، مقالاً للجنرال المتقاعد إسحاق بريك، وهو شخصية عسكرية مؤثرة ورئيس سابق لهيئة التخطيط في جيش الاحتلال، لم يستبعد فيه بشكل قاطع دخول تل أبيب في "حرب صعبة ومريرة ومتعددة الجبهات" ضد التحالف التركي المصري في المستقبل القريب أو البعيد، وذلك مع استمرار تعزيز البلدين لقدراتهما العسكرية وتوسيع نطاق تعاونهما الاستراتيجي. 

وحذّر بريك، الذي يعتبر من أصحاب الخبرة في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، من احتمال تشكّل تعاون استراتيجي متكامل بين القاهرة وأنقرة يمتد ليشمل مجالات الإنتاج العسكري المشترك والتكامل الدفاعي والصناعي، مؤكداً في تحليله الصريح أن أي تقارب عسكري حقيقي بين مصر وتركيا قد يعيد رسم خرائط الردع بأكملها في منطقة الشرق الأوسط، ويضع إسرائيل وجيشها أمام تحديات أمنية جديدة ومعقدة تتطلب إعادة تقييم شاملة وجذرية لعقيدتها العسكرية واستراتيجياتها الدفاعية التي ظلت ثابتة لعقود.

مصر وتركيا يعززان الردع

يرى خبراء ومحللون استراتيجيون أن الوجود المباشر والمتصاعد لتركيا في المنطقة، وذلك بالتنسيق الوثيق مع مصر التي تعتبر قلب العالم العربي، يعزز بشكل كبير حالة "السلام البارد" مع إسرائيل، بدلاً من أن يكون هذا السلام دافئاً قائماً على التطبيع الكامل والتعاون غير المشروط كما تمنت تل أبيب. 

ويوضح هؤلاء الخبراء أن القاهرة وأنقرة تمثلان اليوم أكبر وأقوى جيشين في المنطقة العربية والإسلامية، وكلتاهما تتمتع بعلاقات ممتازة ومتشعبة مع مراكز الثقل الإقليمي والدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا والصين والدول الأوروبية، وهو ما يمنحهما ثقلاً سياسياً ودبلوماسياً يخيف إسرائيل ويقلقها. فهذا "السلام البارد" لا يعني بالضرورة المواجهة العسكرية المباشرة، لكنه يعني أن إسرائيل لم تعد قادرة على فرض إراداتها بالقوة كما كانت تفعل لعقود، لأن هناك الآن محورين عربيين وإقليميين يمكنهما ردعها وموازنة تفوقها العسكري.

السيسي يلتقي إردوغان على هامش قمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي بالعاصمة الإدارية الجديدة في ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
السيسي يلتقي إردوغان على هامش قمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي بالعاصمة الإدارية الجديدة في ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)


 

ومن أكثر الملفات التي تزعج إسرائيل وتقلقها بشدة في هذا التقارب المصري التركي، هو التعاون العسكري في مجال الطائرات المسيّرة (الدرون)، حيث تمتلك مصر وتركيا باعاً كبيراً ومتجذراً في هذا المجال من التصنيع العسكري الحديث. 

ويحذر خبراء عسكريون من أن هذا التعاون المتقدم سيغطي احتياجات الدولتين الطموحة من المسيّرات الهجومية والاستطلاعية، بل و سيحولهما إلى منافستين قويتين جداً للمسيّرات الإسرائيلية في سوق المنطقة والعالم، خصوصاً مع الدعاية السلبية الواسعة التي تلاحق المنتج العسكري الإسرائيلي نتيجة عدوانه المستمر والمتوحش على قطاع غزة ولبنان وسوريا. 

والنتيجة الحتمية لذلك، كما يقول المحللون، هي أن المنتج المصري التركي سيصبح هو المقبول عربياً وإسلامياً والأكثر طلباً في الأسواق، مما سيوجه ضربة قاسية لصناعة السلاح الإسرائيلية التي تعتبر المسيّرات أحد أهم صادراتها الدفاعية في السنوات الأخيرة.

مناورات سرت واتفاقية "تورخا" للمسيّرات

لم تنتظر مصر وتركيا طويلاً لترجمة تقاربهما السياسي إلى تعاون عسكري ملموس على الأرض، ففي أواخر العام الماضي 2025، ولأول مرة منذ 13 عاماً من القطيعة والخلافات الدبلوماسية، شاركت قوات من الجيش المصري في الأراضي التركية ضمن تدريب بحري مشترك واسع النطاق، بمشاركة فرقاطات تركية وزوارق هجومية وغواصة ومقاتلات "إف-16"، إلى جانب وحدات بحرية مصرية متقدمة. 

وكان هذا التدريب بمثابة رسالة سياسية وعسكرية واضحة للجميع، مفادها أن صفحة الماضي قد طويت نهائياً، وأن البلدين عازمان على بناء شراكة استراتيجية تشمل كل المجالات، وخصوصاً المجال العسكري الأكثر حساسية.

وجاء تتويج هذا التعاون في الخميس الماضي، عندما أعلنت وزارة الدفاع التركية، في بيان رسمي، عن اكتمال مناورات "فلينتلوك 2026" الكبرى التي أقيمت في مدينة سرت الليبية في الفترة ما بين 13 و30 أبريل الماضي، بمشاركة قوات عسكرية من عدة دول بينها مصر بشكل بارز. وهدفت هذه المناورات، وفقاً للبيان، إلى تعزيز التعاون العسكري المتبادل ورفع الكفاءة القتالية للقوات المشاركة عبر تنفيذ سيناريوهات متكاملة برية وجوية وبحرية تحاكي حروباً حقيقية واحتمالات تصعيد كبيرة. 

وفي سبتمبر الماضي، كان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد أكد خلال لقاء متلفز، "تعزيز التعاون في مجال الصناعات الدفاعية والأمن المشترك مع مصر"، مشيراً إلى أن "التهديدات المتزايدة في المنطقة تدفعنا للحديث أكثر فأكثر فيما يخص قضايا الأمن والتنسيق العسكري مع تطور العلاقات الثنائية".

وعلى صعيد التصنيع العسكري، وقّعت مصر وتركيا اتفاقية استراتيجية وطموحة لإنتاج الطائرة المسيّرة من نوع "تورخا" محلياً في مصر، وذلك نهاية أغسطس الماضي، في خطوة وصفها خبراء عسكريون بأنها تهدف إلى "توطين تكنولوجيا الطائرات المسيّرة في مصر، وتعزيز الصناعات الدفاعية المحلية بشكل غير مسبوق". 

وتتميز طائرة "تورخا" التركية بنظام متقدم للاستطلاع والمراقبة، وتقدر على الإقلاع والهبوط العمودي، مما يجعلها مثالية للعمليات في المناطق الجبلية والوعرة والمدن المزدحمة. وإذا ما تم إنتاج هذه الطائرة في مصر بكميات تجارية وعسكرية، فسيمثل ذلك قفزة نوعية هائلة في القدرات العسكرية المصرية، وسيشكل إضافة حقيقية للصناعة الدفاعية المصرية التي تسعى إلى الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الاستيراد من الخارج.

من الصومال إلى سوريا مروراً بليبيا وغزة

لا يقتصر التنسيق المصري التركي على المناورات والتدريبات العسكرية فقط، بل يمتد ليشمل نطاقاً جغرافياً واسعاً ومتشعباً يبدأ من القرن الأفريقي (الصومال) وصولاً إلى سوريا، مروراً بليبيا والسودان وقطاع غزة، وهذا الامتداد الجغرافي الواسع مزعج جداً لإسرائيل التي تعتبر نفسها محور المنطقة وقوتها المهيمنة. 

ففي ليبيا، يدعم البلدان حكومة الوفاق الوطني ويقدمان لها استشارات عسكرية ولوجستية، وفي الصومال تتعاونان في تدريب الجيش الوطني ومكافحة الإرهاب والقرصنة، وفي غزة يتشاركان في جهود الوساطة والإغاثة وإعادة الإعمار، وفي سوريا تنسقان مواقفهما تجاه التطورات الميدانية والعسكرية.

ويضاف إلى ذلك رغبة تركيا القوية والصريحة في تعزيز علاقاتها مع القارة الأفريقية بشكل كبير من خلال الاستفادة من العلاقات المصرية المتميزة مع معظم الدول الأفريقية، حيث تعتبر مصر البوابة الرئيسية والطبيعية للقارة السمراء. 

وهذه الخطوة تضع إسرائيل في حجمها الطبيعي كدولة صغيرة لا وزن استراتيجياً كبيراً لها في أفريقيا، مقارنة بالقوة المصرية التركية المشتركة التي تستطيع فتح الأسواق وإبرام الصفقات وتقديم المساعدات. وبشكل عام، فإن التقارب المصري التركي في ملفات متعددة مثل التعاون في غزة وليبيا وأفريقيا والقرن الأفريقي، يرفع سقف القلق والتوتر لدى الجانب الإسرائيلي الذي يرى نفسه محاصراً من الشمال (تركيا) والجنوب (مصر) في وقت واحد.

باتريوت يردع أم صدام قادم؟

وسط هذه التطورات المتسارعة، يبرز سؤال حاسم على الساحة الإسرائيلية: هل ستغامر إسرائيل عسكرياً ضد مصر أو تركيا في المستقبل القريب، أم أنها ستلتزم بالردع والتهديد فقط؟ 

يرى أغلب الخبراء العسكريين والسياسيين  أن إسرائيل في ظل ظروفها الحالية ليست في وارد خوض حرب جديدة على جبهة جديدة مع قوى كبرى مثل مصر وتركيا، وذلك لأسباب متعددة: أولها أن العقيدة القتالية الإسرائيلية لا تسمح أصلاً بالحرب على أكثر من جبهة واحدة في وقت واحد مع قوى عظمى تمتلك أسلحة ردع حديثة. 

ثانياً، لا يتوقع هؤلاء الخبراء أن تدعم الولايات المتحدة الأمريكية إسرائيل في أي حرب ضد دول بحجم تركيا أو مصر، وهما حليفان استراتيجيان لواشنطن في حلف شمال الأطلسي والشرق الأوسط، ولا يمكن التضحية بهما لمجرد نزوة إسرائيلية. ثالثاً، أن البلدين (مصر وتركيا) ليسا مثل الفصائل الفلسطينية أو حزب الله، بل هما نموذجان للردع بالقوة الميدانية وليس بالتصريحات فقط، وليس من السهل أو الحكيم الصدام معهما عسكرياً دون تنسيق أمريكي مسبق.

لكن في المقابل، يتوقع هؤلاء الخبراء أن يتطور التقارب المصري التركي في السنوات القادمة، وهو تقارب ليس بالأساس موجهاً ضد إسرائيل أو مخططاً لها، ليصل إلى مستوى تحالف إقليمي كبير وشامل يضم دولاً كبيرة أخرى، بينها باكستان (الحليف الاستراتيجي لتركيا) ودول الخليج العربي والإسلامي. 

ويرجح باحثون في الشؤون الاستراتيجية أن يزداد التعاون العسكري بين مصر وتركيا في الفترة المقبلة بشكل ملحوظ، وأن يتسع ليشمل ساحات مختلفة ومتعددة، مما سيزيد من نفوذهما الإقليمي وقدرتهما على التأثير في القرارات الدولية، دون أن يصل هذا التعاون إلى درجة الصدام العسكري المباشر مع إسرائيل التي ستجد نفسها مضطرة إلى التأقلم مع الواقع الجديد. 

وبين كل هذه التوقعات والسيناريوهات، تبقى تل أبيب تراقب بقلق كل مناورة وكل اتفاقية وكل تصريح يصدر من القاهرة أو أنقرة، مدركة أن زمن احتكار القوة في المنطقة قد ولّى إلى غير رجعة، وأن عليها التعامل مع شركاء جدد أقوياء يملكون أدوات الردع والضغط.

شرق أوسط جديد

بين المناورات العسكرية المشتركة في سرت، واتفاقيات تصنيع المسيّرات بين القاهرة وأنقرة، والتنسيق السياسي في ليبيا والصومال وغزة وسوريا، يولد شرق أوسط جديد مختلف تماماً عن ذاك الذي عرفناه لعقود. 

مصر وتركيا، أكبر جيشين في المنطقة، تتصافران وتتحدان وتعلنان للعالم أن زمن التفرد العسكري الإسرائيلي قد ولّى، وأن مرحلة "السلام البارد" القائم على الردع المتبادل قد حلت محل مرحلة التطبيع الأحادي الذي كان يخدم مصالح إسرائيل فقط. وبينما تراقب تل أبيب هذه التطورات بقلق وخوف وارتباك، يرى الملايين في العالم العربي والإسلامي فيها بارقة أمل نحو موازنة حقيقية للقوى في المنطقة، وردع صارم لأي مغامرات إسرائيلية جديدة. 

ويبقى السؤال الأكبر: هل ستكتفي إسرائيل بالتهديدات والتحذيرات وبالمقالات النارية لوزرائها السابقين، أم أنها ستقدم على خطوات فعلية لتعطيل هذا التقارب، سواء عبر الضغط على واشنطن أو عبر عمليات سرية أو عبر محاولات التفاهم المباشر مع أنقرة والقاهرة؟ الأيام والأشهر القادمة وحدها كفيلة بتقديم إجابة، لكن المؤكد الآن أن دماء جديدة ضخت في مشروع النهضة العسكرية العربية الإسلامية، وأن إسرائيل عليها أن تحسب ألف حساب قبل أي خطوة جديدة.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال