19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

إسرائيل النازية: والدة الناشط البرازيلي تياغو أفيلا تموت قهرا على نجلها المختطف بسجون الاحتلال

أعلنت المنظمات الحقوقية وفاة السيدة تيريزا ريجينا دي أفيلا إي سيلفا، والدة الناشط البيئي وحقوق الإنسان البرازيلي تياغو أفيلا، البالغة من العمر 63 عاماً، في العاصمة برازيليا.

بقلم: عمرو المصري
٦ مايو ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
12 مشاهدة
الناشط البرازيلي المختطف في سجون الاحتلال تياغو أفيلا مع والدته التي توفيت حسرة على نجلها

الناشط البرازيلي المختطف في سجون الاحتلال تياغو أفيلا مع والدته التي توفيت حسرة على نجلها

ارتفعت وتيرة الجرائم الإنسانية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي لتطبع بدمها البارد فصلاً جديداً ومروعاً في سجل انتهاكاته المتواصلة، حيث انتقلت دائرة الاستهداف من الفلسطينيين داخل غزة والضفة لتشمل عائلات الناشطين الدوليين الذين يحاولون كسر الحصار الجائر عن القطاع المنكوب. ففي مشهد يجسد قمة القسوة والوحشية الإنسانية، أعلنت المنظمات الحقوقية يوم الثلاثاء الموافق 5 مايو 2026، عن وفاة السيدة تيريزا ريجينا دي أفيلا إي سيلفا، والدة الناشط البيئي وحقوق الإنسان البرازيلي تياغو أفيلا، البالغة من العمر 63 عاماً، وذلك في العاصمة برازيليا بعد صراع مرير مع المرض .

لكن المأساة لا تكمن في الوفاة بحد ذاتها، بل في الظروف القاسية التي أحاطت بها، حيث توفيت الأم المسكينة التي كانت تعاني من "مرض خطير" وهي تعلم أن نجلها الحبيب يقبع خلف قضبان سجون الاحتلال بعد اختطافه من مياه البحر المتوسط الدولية.

 

 

وتوفيت المرأة العجوز التي "واجهت سنوات من المرض الخطير بشجاعة وهدوء وكرامة"، وهي "غير قادرة على إلقاء النظرة الأخيرة" على نجلها المختطف. وفي مشهد إنساني مأساوي آخر، أشارت المصادر إلى أن الناشط تياغو، الذي أطلق اسم والدته على ابنته ذات العامين، لا يزال على الأرجح جاهلاً بمصاب الجلل الذي حل به، حيث يتم احتجازه في "زنزانة سجن إسرائيلي، محروم من الحق الإنساني الأساسي: فرصة توديع والدته" .

اختطاف تياغو أفيلا في المياه الدولية

تكشف تفاصيل هذه القضية المروعة عن تجاوز خطير جديد يرتكبه الاحتلال، حيث لم يكتفِ بانتهاك سيادة المياه الفلسطينية، بل تعدى ذلك ليشمل المياه الدولية قبالة السواحل اليونانية. فقد كان الناشط تياغو أفيلا، البالغ من العمر 38 عاماً، أحد أبرز المشاركين في "أسطول الحرية العالمي"  الذي انطلق في 12 أبريل من برشلونة محملاً بـ 20 قارباً من المساعدات الطبية والغذائية الأساسية . وكان هذا الأسطول، الذي يضم 7 برازيليين  وما بين 175 إلى 211 ناشطاً من مختلف الجنسيات ، يهدف إلى فضح الحصار الإنساني المفروض على قطاع غزة وكسر إغلاقه بقوة القانون الدولي.

لكن قوات الاحتلال الإسرائيلي، وكما لو كانت تعمل خارج إطار القانون تماماً، قامت فجر يوم 30 أبريل باعتراض هذا الأسطول في عرض البحر، وتحديداً في المياه الدولية قبالة جزيرة كريت اليونانية، على بعد نحو 1500 كيلومتر عن الشواطئ الفلسطينية . وقد تمت العملية بقسوة بالغة، حيث استخدمت البحرية الإسرائيلية 7 سفن حربية وطائرات مسيرة، وقطعت الاتصالات عن السفن قبل اقتحامها، ما أسفر عن إصابة 31 ناشطاً .

من كسر الحصار إلى سجون العزل الانفرادي

لم يكتف الاحتلال باعتراض الأسطول، بل نفذ عملية احتجاز واسعة، حيث تم اقتاد عدد كبير من النشطاء إلى سفينة حربية إسرائيلية تحولت إلى "سجن عائم" لمدة ثلاثة أيام، قبل أن يتم ترحيل معظمهم . لكن في خطوة تثبت نية الاحتلال المبيتة لتوسيع دائرة إجرامه وإرهاب كل من تسول له نفسه كسر الحصار، تم استثناء اثنين من النشطاء: الناشط البرازيلي تياغو أفيلا، والناشط الإسباني-الفلسطيني سيف أبو كشك.

الاحتلال يحاكم تياغو أفيلا


 

تم نقل هذين الناشطين إلى سجن شكمة (عسقلان) سيء السمعة، حيث وصفته تقارير حقوقية بأنه كان مسرحاً لعمليات تعذيب وتنكيل، خاصة منذ حرب الإبادة الجماعية . وهناك، تعرض الناشطان لعزل انفرادي مروع، حيث أشارت منظمة "عادلة" الحقوقية إلى أن تياغو أفيلا تعرض لـ "وحشية بالغة" أثناء احتجازه، بما في ذلك جره على الأرض ووجهه لأسفل، وتعرضه للضرب المبرح حتى فقد وعيه مرتين . وأكدت تقارير لاحقة أن المعتقلين يُحتجزون تحت "إضاءة عالية الكثافة على مدار الساعة" لحرمانهم من النوم .

الألم الإنساني كسلاح حرب نفسي

إن منع الاحتلال للناشط تياغو من توديع والدته المحتضرة ليس مجرد إجراء عقابي ثانوي، بل هو تطور خطير في أساليب الحرب النفسية التي يمارسها جيش الاحتلال. ففي سابقة وصفتها منظمات حقوقية بـ"الوحشية التي لا يمكن تصورها"، عمدت السلطات الإسرائيلية إلى حرمان العائلة من لحظات الوداع الأخيرة . وأعربت منظمة "أسطول الصمود" عن قلقها البالغ من إمكانية استخدام خبر الوفاة كأداة ضغط إضافية، حيث قالت إنه "من المحتمل جداً أن يتم إبلاغ الناشط بهذا الخبر المدمر من قبل نفس الجنود الإسرائيليين الذين يمارسون ضده انتهاكات يومية، وذلك بهدف زيادة تعذيبه النفسي" .

هذه الإجراءات تكشف عن تحول خطير في طبيعة الصراع، حيث أصبحت العائلات والأمهات العاجزات عن الحركة هدفاً في هذه الحرب غير المتكافئة. فبعد أن كان الحصار يقتصر على منع الدواء والغذاء عن أطفال غزة ونسائها، أصبح الآن يطال حق إنسان برازيلي في توديع والدته.

قانون البحار يُداس بالأقدام

تمثل حادثة اختطاف الناشط تياغو أفيلا سابقة خطيرة من نوعها في القانون البحري الدولي. فقد أكدت المصادر المتطابقة أن عملية الاعتراض والاختطاف تمت في المياه الدولية، وهي منطقة لا تتمتع فيها إسرائيل بأي صفة قانونية أو اختصاص قضائي . وقد وصفت تقارير إخبارية هذه العملية بأنها "قرصنة" دولية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث تم "اختطاف" النشطاء من على متن سفن كانت تبحر في ممرات مائية مفتوحة للجميع .

وأوضحت منظمة "عادلة" الحقوقية أن الاعتقال تم بناءً على "أدلة سرية" لم يتم إطلاع النشطاء أو محاميهم عليها، ووصفت القرار القضائي الصادر بحقهم بأنه "مصادقة قضائية على عدم شرعية الدولة" . وأضافت ميريام عظيم، منسقة الدعوة الدولية في المنظمة، أن المعتقلين اختطفوا على بعد أكثر من ألف كيلومتر من حدود غزة، في منطقة لا تخضع للولاية القضائية الإسرائيلية مطلقاً .

إدانة واسعة.. حبيسة التصريحات

أثارت هذه القضية ردود فعل دولية واسعة، وإن كانت محدودة التأثير، حيث أصدر مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان بياناً شديد اللهجة عبر الناطق الرسمي ثامين الخيطان، طالب فيه بالإفراج الفوري وغير المشروط عن الناشطين . وقال الخيطان: "إظهار التضامن ومحاولة نقل مساعدات إنسانية لسكان غزة المحتاجين بشدة ليس جريمة"، منتقداً الإجراءات الإسرائيلية واصفاً إياها بـ"الاحتجاز التعسفي" .

كما أدانت الحكومتان الإسبانية والبرازيلية الحادثة بأشد العبارات، ووصفتاها بأنها انتهاك صارخ للقانون الدولي، وطالبتا بالإفراج الفوري عن رعاياهما . لكن على الرغم من هذا الإدانة الدولية الواسعة، لا يزال الناشطان تياغو أفيلا وسيف أبو كشك رهن الاحتجاز في السجون الإسرائيلية، حيث تم تمديد اعتقالهما للمرة الثانية يوم الثلاثاء 5 مايو حتى العاشر من مايو، بينما يواصلان إضرابهما عن الطعام احتجاجاً على احتجازهما غير القانوني .

رسالة الاحتلال واضحة: لا أحد في مأمن

يتركز السؤال الآن حول الجثة الباردة للسيدة تيريزا، التي ترقد في الثرى البرازيلي بانتظار نجلها الأسير، وبينما يظل تياغو خلف القضبان، تتوجه أنظار العالم إلى العاصمة برازيليا حيث لم يتبقَّ سوى أيام قليلة لدفن الأم التي حرمت من وداع طفلها الأول والأخير. لم تعد المقاومة لكسر الحصار تقتصر على أبناء غزة الذين يموتون تحت الأنقاض، بل امتدت لتشمل كل من تسول له نفسه أن يمد يد العون لإنسان يعاني أسوأ ما يمكن أن يعانيه بشر في القرن الحادي والعشرين. 

فبعد أن كان الاحتلال يمارس إرهابه ضد المدنيين الفلسطينيين، أصبح الآن ينقل هذه السياسات الإجرامية لتطال عائلات وأمهات من جنسيات أخرى، في رسالة مفادها أن لا أحد في مأمن من قبضته. ويبقى السؤال الأهم الذي ينتظر إجابة: متى سينتهي هذا الكابوس الإنساني، وهل سينتظر المجتمع الدولي حتى يرحل المزيد من الأمهات وهن يندبن أبناءهن الأسرى، أم سيتحرك أخيراً لوقف هذه المأساة المركبة التي تفطر القلوب؟

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال