16 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب:  الجغرافيا لا ترحمً.. ماذا لو تكرر المشهد ؟!

العالم الذي يربطه البحر، يمكن أن يغرق كله إذا اشتعلت النار في أحد مضائقه، فبينما يراقب العالم ناقلات النفط العالقة في مضيق هرمز، تراقب تايوان بدورها السؤال الأخطر: ماذا لو تكرر المشهد ذاته في مضيق تايوان أو مضيق ملقا؟

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
٧ مايو ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
49 مشاهدة
د. إبراهيم جلال فضلون يكتب:  الجغرافيا لا ترحمً.. ماذا لو تكرر المشهد ؟!

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب:  الجغرافيا لا ترحمً.. ماذا لو تكرر المشهد ؟!

العالم الذي يربطه البحر، يمكن أن يغرق كله إذا اشتعلت النار في أحد مضائقه، فبينما يراقب العالم ناقلات النفط العالقة في مضيق هرمز، تراقب تايوان بدورها السؤال الأخطر: ماذا لو تكرر المشهد ذاته في مضيق تايوان أو مضيق ملقا؟.. لقد قالها نابليون بونابرت"الجغرافيا هي العامل الوحيد في السياسة الخارجية الذي لا يتغير؛ إنها القدر الذي لا يمكن للدول الهروب منه."  وقد صدق فمن الواقع أن الجغرافيا لا تمنح الدول خياراً، بل تفرض عليها قدراً؛ ومن يسيطر على المضائق، يملك القدرة على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، لكن هناك سير والتر رالي الذي قال أيضاً: "من يسيطر على الممرات المائية، يمسك بتلابيب التجارة العالمية، ومن يسيطر على التجارة العالمية، يسيطر على ثروات العالم، وبالتالي على العالم نفسه".

لقد بدأ القلق يتسلل إلى تايوان بصورة غير مسبوقة، فحكومة تايبيه ترى فيما يحدث في الخليج مرآة لما قد يحدث لها مستقبلاً في مضيق تايوان، حيثُ لا يمكن فهم القلق التايواني بمعزل عن الخريطة البحرية العالمية، فعلى الرغم من أن مضيق هرمز هو "عنق الزجاجة" لإمدادات الطاقة العالمية، فإن مضيق تايوان ومضيق ملقا هما "النخاع الشوكي" للتجارة الرقمية والصناعية. فإذا كان يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، فيمر عبر مضيق تايوان ما يقرب من  %40 من أسطول الحاويات العالمي، والذي تعبره السفن التجارية الخارجة من شرق آسيا نحو أوروبا والشرق الأوسط، وأي اضطراب فيه يعني شللاً في حركة الإمدادات من مصانع شرق آسيا إلى أسواق الغرب. بينما يمثل مضيق ملقا الشريان الذي يربط الخليج وآسيا الشرقية؛ إذ يمر عبره الجزء الأكبر من النفط القادم من الشرق الأوسط إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، وتكشف البيانات أن ما يقارب نصف أسطول الحاويات العالمي يمر عبر مضيق تايوان، وأن 88% من أكبر سفن الحاويات في العالم استخدمت هذا الممر خلال السنوات الأخيرة، ما يجعله أحد أكثر الممرات ازدحاماً وخطورة في حبور من الوقت نفسه.

إن الترابط بين هرمز وملقا وتايوان ليس جغرافياً فقط، بل اقتصادياً أيضاً. فكما وصف أحد المحللين، “هرمز وملقا هما رئتا الاقتصاد الآسيوي؛ إذا اختنقت الأولى، ستضعف الثانية سريعاً”. نحو 70% من النفط الذي يمر عبر مضيق ملقا مصدره الخليج، ما يعني أن أي اضطراب في هرمز ينتقل تلقائياً إلى شرق آسيا وتايوان.

والتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يتناغم مع واقعنا، ففي خمسينيات القرن الماضي شهد المضيق أزمتين عسكريتين كبيرتين (1954 و1958) وحدثت مواجهات دامية حول جزر "كينمن" و"ماتسو" كونهما "رادارات بشرية" وخطوط دفاع أولى حينها، كان القصف الصيني يستهدف اختبار الإرادة الأمريكية ومدى تمسك تايوان بجزرها الأمامية، لكن الفارق الجوهري أن صراع الخمسينيات كان أيديولوجياً بامتياز، أما صراع اليوم فهو صراع على السيادة التكنولوجية والسيطرة على سلاسل التوريد. وسبب قلق تايوان هو أن الحرب في الخليج كشفت مدى هشاشة الاقتصاد المعتمد على الممرات البحرية. فتايوان تستورد 97% من احتياجاتها من الطاقة من الخارج، ويأتي نحو 37% من الغاز الطبيعي المسال لديها من الشرق الأوسط. كما أن احتياطاتها لا تكفي سوى 11 يوماً تقريباً.

وحين يشتعل "فتيل" المحيط، تراقب تايوان بحذر ما تسميه واشنطن بعملية "الغضب الاقتصادي" ضد إيران في الخليج؛ والخشية تكمن في أن تؤدي الفوضى في الشرق الأوسط إلى "تشتيت" التركيز الأمريكي، مما قد يغري بكين بتسريع جدولها الزمني تجاه تايوان، بأحد السيناريوهين أولاها:

  1. سيناريو المنطقة الرمادية: تكثيف الضغوط السيبرانية والبحرية دون الوصول لحرب شاملة.
  2. سيناريو الحصار الشامل :وهو الأكثر رعباً للأسواق، حيث يتم عزل الجزيرة مالياً وفوقياً.

في هذه الحالة، لن تواجه تايوان أزمة أمنية فقط، بل أزمة وجود اقتصادي، فأي حصار لتايوان يعني ببساطة "سكته دماغية" تقنية للعالم، لتكون الفاتورة مرعبة وفق تقديرات "بلومبيرج إيكونوميكس" لتكلفة الحرب التي تُكلف الاقتصاد العالمي مبلغاً خيالياً يصل إلى 10 تريليون دولار، ما يعادل نحو  %10 من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وهي تكلفة تتجاوز بكثير أثر الحرب الأوكرانية، أو حتى أزمة 2008 المالية، لأنها تضرب "قلب" التصنيع العالمي مباشرة. كما تشير تقديرات أخرى إلى أن تكلفة الحرب على الصين قد تتجاوز 16% من ناتجها المحلي، بينما قد تخسر الولايات المتحدة نحو 6% من اقتصادها نتيجة الاضطراب التجاري والمالي، في حين ستكون اليابان وكوريا الجنوبية الأكثر تضرراً بسبب اعتمادهما على مضيق تايوان والطاقة القادمة عبر ملقا وهرمز.

إذاً: الحرب في الخليج قدمت نموذجاً مصغراً لهذه الكارثة؛ فقد أدى إغلاق هرمز إلى ارتفاع النفط فوق 120 دولاراً للبرميل، وتعطلت حركة أكثر من ألف سفينة، وتراجعت حركة الناقلات بنسبة قاربت 70% ، وهنا تحولت العلاقة الأمريكية الصينية من "التنافس الاستراتيجي" إلى "العداء الجيوسياسي" المفتوح، بما في ذلك العقوبات الثانوية على البنوك الصينية بسبب ملف إيران، وهو ما زاد من حنق بكين، وفي حال وقوع التصعيد، ستشهد الأسواق المالية العالمية "هبوطاً حاداً" غير مسبوق، ولا ننسى أن هناك أصوات في واشنطن بالفعل تتحدث عن أن السيطرة على مضيق ملقا أصبحت جزءاً من الردع ضد الصين إذا تعرض مضيق تايوان للخطر. وهذا يعني أن الأزمة قد تمتد من الخليج إلى بحر الصين الجنوبي في سلسلة مترابطة من نقاط الاختناق البحرية.

وقفة: ما يحتاجه العالم اليوم ليس المزيد من "الغضب الاقتصادي"، بل "العقلانية الاستراتيجية" والحوار الدولي الذي ينزع فتيل الأزمات قبل أن تتحول المضائق المائية إلى مقابر للتجارة العالمية، ففي الاقتصاد العالمي المتشابك، الجميع يخسر إذا سقطت حجر الدومينو الأولى. @drIbrahimgalal

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال