في ظل التحضيرات المتسارعة للمؤتمر الثامن لحركة فتح، يتشكل مشهد سياسي يبعث على القلق بقدر ما يفرض الحاجة إلى مراجعة عميقة. فالمؤشرات القائمة توحي بأن ما يجري أقرب إلى إعادة ترتيبٍ للنخب والتوازنات الداخلية، منه إلى لحظة سياسية وفكرية تؤسس لنقاش جاد حول موقع الحركة ودورها ووظيفتها الوطنية في واحدة من أكثر المراحل الفلسطينية خطورة وتعقيدًا منذ انطلاقتها. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل ما تزال فتح قادرة على التقاط التحولات الكبرى التي تضرب القضية الفلسطينية، أم أنها باتت أسيرة إدارة أزماتها الداخلية وإعادة إنتاج بنيتها التقليدية؟
إن أزمة فتح ليست أزمة طارئة أو مرتبطة بأشخاص وتنافسات آنية، بل هي أزمة مركبة ومتراكمة تشكلت عبر عقود، ويمكن قراءتها من خلال ثلاثة مستويات متداخلة. أولها أزمة فكرية ناجمة عن بقاء الحركة ضمن أدوات ورؤية تشكلت في سياق حركات التحرر الوطني، دون تطويرٍ عميق يستجيب لتحولات الواقع الفلسطيني وتعقيدات مرحلة السلطة والمؤسسات.
وثانيها أزمة بنيوية نتجت عن الانتقال غير المكتمل من حركة تحرر إلى سلطة تعمل تحت الاحتلال، بما فرضه ذلك من تشوهات وظيفية وأمنية وسياسية انعكست على طبيعة القرار وبنية التنظيم.
أما المستوى الثالث، فهو أزمة داخلية مرتبطة بجمود النخب وضعف التداول الحقيقي للقيادة، الأمر الذي أضعف الحيوية التنظيمية وأفقد الحركة جزءًا مهمًا من قدرتها على التجدد واستيعاب التحولات المجتمعية والسياسية.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن السياق الفلسطيني العام، حيث يعيش النظام السياسي بأكمله حالة من الارتباك البنيوي، تتجلى في تراجع فاعلية المؤسسات التمثيلية، واستمرار الانقسام، وتآكل الثقة الشعبية بالنخب السياسية، وتعثر المشروع الوطني في ظل اختلالات إقليمية ودولية عميقة. وبهذا المعنى، تبدو أزمة فتح انعكاسًا لأزمة النظام السياسي الفلسطيني نفسه، الذي ما يزال معلقًا بين منطق التحرر الوطني ومتطلبات إدارة سلطة محدودة السيادة ومقيدة الإرادة.
في هذا السياق، يتحول المؤتمر الثامن من مجرد استحقاق تنظيمي إلى اختبار تاريخي حقيقي: هل سيكون محطة لإعادة إنتاج الواقع القائم بوجوه وأدوات جديدة، أم لحظة مراجعة شاملة تعيد تعريف هوية الحركة ووظيفتها السياسية؟ فاستمرار الازدواجية بين التنظيم والسلطة، وبين منطق الثورة ومنطق الإدارة، يكرّس حالة من التشوش البنيوي ويقيد قدرة الحركة على استعادة دورها كفاعل وطني جامع.
إن الخروج من هذا المأزق لا يمكن أن يتحقق عبر معالجات إجرائية أو ترتيبات داخلية محدودة، بل يتطلب مراجعة سياسية وفكرية عميقة تبدأ بإعادة تعريف المشروع الوطني ذاته، وفصلٍ واضح بين بنية التنظيم وبنية السلطة، وإعادة بناء الحياة الداخلية للحركة على أسس الكفاءة والمساءلة والتداول الحقيقي للقرار، بدل منطق المحاصصة والولاءات الضيقة. كما يتطلب انتقالًا واعيًا من ثقافة التعبئة الثورية التقليدية إلى بناء مؤسسات سياسية حديثة، دون التفريط بجوهر القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني وحقوق تاريخية غير قابلة للتصفية.
وفي موازاة ذلك، لا تبدو التحولات الجارية داخل الحركة مجرد صراعات تنظيمية معزولة، بل جزءًا من إعادة هندسة أوسع للمشهد الفلسطيني، تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية والضغوط الإقليمية والدولية.
فمع تصاعد الأزمات المالية، وتقدم ملف المقاصة بوصفه أداة ضغط مركزية، يتزايد الحديث عن إنتاج قيادة أكثر هدوءًا وبراغماتية، قادرة على التكيف مع اشتراطات الواقع الدولي والإقليمي، حيث تُقدَّم إدارة الأزمة والاستقرار المالي على حساب الخطاب التحرري التقليدي.
ومن هنا يبرز الحديث عن “الوريث السياسي” لا بوصفه مجرد امتداد تنظيمي، بل باعتباره تعبيرًا عن توجه نحو إعادة صياغة الأولويات الفلسطينية نفسها؛ بحيث تتراجع مفاهيم التحرير والاشتباك السياسي لصالح مفاهيم الإدارة والاحتواء وتقليل الخسائر. وفي هذا التحول تكمن خطورة اللحظة، لأن القضية الفلسطينية قد تنزلق تدريجيًا من كونها مشروع تحرر وطني إلى ملف سياسي ـ اقتصادي يُدار بمنطق التكيف مع موازين القوى لا بمنطق تغييرها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تمتلك فتح الإرادة التاريخية والشجاعة السياسية لإعادة إنتاج ذاتها كحركة وطنية جامعة قادرة على استعادة المبادرة وتجديد المشروع الوطني، أم أنها ستكتفي بإدارة توازناتها الداخلية في لحظة تتجاوزها فيها التحولات الكبرى من حولها؟







