19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

ناقلات بلا أجهزة تعقب.. خطة الإمارات لتصدير النفط خلسة عبر مضيق هرمز وتجنب الصواريخ

في هذه المعادلة المعقدة، تجد الإمارات نفسها مضطرة إلى لعبة خطيرة: إما أن تترك نفطها محتجزاً في الخليج دون أي عائد، أو أن تخاطر بسفنها وطواقمها في عبور مضيق هرمز تحت أنظار الصواريخ الإيرانية

بقلم: عمرو المصري
٧ مايو ٢٠٢٦
10 دقائق قراءة
14 مشاهدة
رست سفينة شحن في ميناء الفجيرة الإماراتي، في ظلّ تضييق حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز نتيجةً للصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني، في 6 مايو 2026. رويترز

رست سفينة شحن في ميناء الفجيرة الإماراتي، في ظلّ تضييق حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز نتيجةً للصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني، في 6 مايو 2026. رويترز

في تطور يكشف عن يأس ورهانات كبرى، قامت الإمارات ومشترون آخرون مؤخراً بتسيير عدة ناقلات محملة بالنفط الخام عبر مضيق هرمز، وذلك مع إغلاق أجهزة تعقب المواقع الخاصة بها عمداً لتجنب الهجمات الإيرانية، في محاولة يائسة لتحريك النفط الذي ظل محتجزاً في الخليج بسبب الصراع الإقليمي المشتعل. 

وذكرت مصادر في قطاع النفط والشحن، وبيانات تتبع السفن التي اطلعت عليها وكالة "رويترز" ونشرتها صباح الخميس الموافق 7 مايو 2026، أن الكميات التي تم تصديرها لا تمثل سوى جزء بسيط من الصادرات الإماراتية النموذجية قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لكنها في المقابل تظهر المخاطر الكبيرة التي أصبح المنتجون والمشترون على استعداد لتحملها من أجل تحرير مبيعات النفط المحصورة. 

وأشار المصدرون إلى أن منتجي الخليج الآخرين – العراق والكويت وقطر – إما أوقفوا المبيعات تماماً، أو خفضوا الأسعار بشكل كبير لإغراء مشترين غير مهتمين، أو في حالة السعودية، أصبحوا يشحنون فقط عبر البحر الأحمر.

وتأتي هذه الخطوة الإماراتية الجريئة بعد أن ردت طهران على الهجمات الأمريكية الإسرائيلية التي بدأت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي بإغلاق مضيق هرمز فعلياً أمام الصادرات باستثناء صادراتها الخاصة، مما أدى إلى احتجاز خمس إمدادات النفط والغاز العالمية في الخليج. وقد دفع هذا الإغلاق، بالإضافة إلى الحصار الأمريكي الذي أوقف الصادرات الإيرانية في الأسابيع الأخيرة، أسعار النفط العالمية إلى تجاوز حاجز المئة دولار للبرميل، مما أضر بالاقتصاد العالمي وزاد من التضخم في جميع أنحاء العالم. 

وفي هذا السياق، قررت أبوظبي، ثالث أكبر منتج للنفط في أوبك قبل انسحابها، أن المخاطرة بالهجمات الإيرانية أصبحت أقل ضرراً من استمرار احتجاز نفطها الثمين في الخليج دون أي عائد مالي.

تفاصيل العملية: 4 ناقلات و6 ملايين برميل

بحسب ثلاثة مصادر مطلعة، وبيانات تتبع السفن من شركة "كبلر" وتحليل لبيانات الأقمار الصناعية من شركة "سين ماكس"، تمكنت شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) خلال شهر أبريل الماضي من تصدير ما لا يقل عن 4 ملايين برميل من نفطها الخام من نوع "أوبر زاكوم"، ومليوني برميل من نفط "داس" الخام، على متن أربع ناقلات عملاقة انطلقت من محطات داخل الخليج. 

وذكرت المصادر، التي تضمنت مصدراً لديه معرفة مباشرة بالمسألة وآخرين على دراية بعمليات أدنوك، أن هذه الشحنات تم التعامل معها بثلاث طرق مختلفة: إما نقلها عبر عملية نقل سفينة إلى سفينة (STS) إلى ناقلة أخرى قامت لاحقاً بنقل النفط إلى مصفاة في جنوب شرق آسيا، أو تفريغها في صهاريج تخزين في سلطنة عُمان، أو إبحارها مباشرة إلى مصافي في كوريا الجنوبية. وتعد وكالة "رويترز" أول من ينشر هذا النظام المعقد للصادرات، حيث رفضت شركة أدنوك التعليق على هذه الشحنات أو تأكيدها أو نفيها.

قامت ناقلة النفط العملاقة "حفيت" بتحميل النفط الخام في محطة زركو، ثم نقلت شحنتها إلى ناقلة النفط العملاقة "أولمبيك لاك" قبالة سواحل الفجيرة الإماراتية.
قامت ناقلة النفط العملاقة "حفيت" بتحميل النفط الخام في محطة زركو، ثم نقلت شحنتها إلى ناقلة النفط العملاقة "أولمبيك لاك" قبالة سواحل الفجيرة الإماراتية.

 

وأظهرت بيانات "كبلر" أن ناقلة الخام العملاقة (VLCC) "حفيت" حملت 2 مليون برميل من نفط "أوبر زاكوم" داخل الخليج في السابع من أبريل، ثم غادرت المضيق في الخامس عشر من الشهر نفسه. وبعد خروجها من منطقة الخطر، تم نقل الشحنة في الفترة من 17 إلى 18 أبريل إلى ناقلة يونانية أخرى ترفع علم اليونان وتدعى "أولمبيك لوك"، والتي قامت بدورها بشحن النفط إلى مصفاة "بينغيرانغ" في ماليزيا، وهي مصفاة مشروع مشترك بين شركة النفط المملوكة للدولة الماليزية "بتروناس" وشركة "أرامكو" السعودية. 

وتتم إدارة ناقلة "حفيت" من قبل وحدة الخدمات والخدمات اللوجستية التابعة لأدنوك، والتي رفضت أيضاً التعليق. كما لم ترد شركة "أولمبيك شيبينغ آند مانجمنت" اليونانية التي تدير الناقلة "أولمبيك لوك"، ولا شركة "بتروناس"، على طلبات التعليق.

إغلاق أجهزة التعقب ونقل سفينة إلى سفينة

ما يجعل هذه العمليات مثيرة للقلق والاهتمام في آن واحد، هو أن السفن كانت تتحرك وأجهزة تحديد المواقع التلقائية (AIS) الخاصة بها مغلقة تماماً، وهي نفس التكتيك الذي تستخدمه إيران عادة لتهريب نفطها وتجنب العقوبات الأمريكية. وإغلاق هذه الأجهزة يقلل بشكل كبير من فرصة اكتشاف السفن من قبل القوات الإيرانية أو طائراتها المسيّرة، مما يسمح لها بالمرور عبر المضيق دون أن يتم استهدافها. لكن هذا التكتيك يحمل أيضاً جانباً مظلماً، فهو يجعل من الصعب جداً تتبع الحجم الإجمالي لصادرات أدنوك من خلال بيانات الشحن الصناعية، مما يعني أن الكميات التي شحنتها الشركة من الخليج في أبريل قد تكون أكبر مما تم رصده وتوثيقه.

وتسمح تقنية النقل بين السفن (STS) لأدنوك بتقسيم الشحنات الكبيرة إلى شحنات أصغر يمكن بيعها بسهولة أكبر، كما تسمح لها بتحرير الناقلات العملاقة بسرعة للعودة إلى داخل الخليج لتحميل شحنات جديدة مرة أخرى. وفي واحدة من أكبر الصفقات التي تمت، أفاد المصدر ذو المعرفة المباشرة بأن إحدى شحنات "أوبر زاكوم" المجزأة أبحرت إلى مصفاة في شمال شرق آسيا، وبيعت بسعر قياسي بلغ علاوة قدرها 20 دولاراً للبرميل فوق سعر البيع الرسمي لشركة أدنوك، مما يعكس الجشع واليأس اللذين يسيطران على السوق في ظل هذه الأزمة العالمية. وبيانات "كبلر" أظهرت أيضاً أن ناقلة الخام العملاقة "ألياكمون 1" حملت مليوني برميل من نفط "داس" في 27 أبريل وغادرت المضيق في الثاني من مايو، ثم فرغت حمولتها في محطة "راس مركز" التخزينية في عُمان في الثالث من مايو.

طهران تتهم أبوظبي باستفزازها

لم تمر هذه العمليات الإماراتية دون رد فعل إيراني غاضب، حيث اتهمت طهران، يوم الاثنين الماضي، الإمارات باستفزازها من خلال استخدام ناقلة فارغة تدعى "باراكة" تابعة لأدنوك في اختبار لقدرات الردع الإيرانية. وأعلنت إيران أنها استخدمت طائرات مسيّرة لمهاجمة هذه الناقلة أثناء عبورها مضيق هرمز، في رسالة واضحة مفادها أن أي محاولة لخرق الحصار الإيراني أو نقل النفط من الخليج دون تنسيق مع طهران ستقابل بالقوة. ويرى المحللون أن هذه الهجمات المتكررة على ناقلات أدنوك تهدف إلى ردع الإمارات ودول الخليج الأخرى عن محاولة كسر الإغلاق الإيراني للمضيق، وتذكيرهم بأن طهران هي من تتحكم الآن في الممر المائي الأكثر أهمية في العالم.

وتظهر البيانات أن ناقلة "باراكة" لم تكن تحمل أي شحنة نفطية وقت الهجوم، مما دفع العديد من المراقبين إلى التكهن بأن الهجوم كان تحذيرياً وليس عقابياً، لكنه مع ذلك كافٍ لإثارة حالة من الذعر في أوساط شركات الشحن والتأمين البحري. وفي ظل هذه الظروف، أعلنت أدنوك أنها تنوي الاستمرار في بيع النفط من داخل المضيق، حيث قامت في أواخر أبريل بإخطار بعض عملائها أنه يمكنهم تحميل نفط "داس" و"أوبر زاكوم" اعتباراً من مايو عبر عمليات النقل بين السفن في موانئ خارج الخليج بما في ذلك الفجيرة وصحار العمانية. كما أكد المصدر ذو المعرفة المباشرة بخطط أدنوك ومصدر في قطاع التكرير الهندي أن الشركة تجري حالياً محادثات مع مصافٍ آسيوية لبيع شحنات مايو من نفط "داس" و"أوبر زاكوم".

أسعار النفط تجاوزت 100 دولار

منذ أن فرضت إيران سيطرتها الفعلية على مضيق هرمز وأوقفت الملاحة أمام معظم السفن التجارية والناقلات، تكبدت أسواق الطاقة العالمية خسائر فادحة لم تشهدها منذ عقود. فقد تجاوزت أسعار النفط الخام، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، حاجز المئة دولار للبرميل، مما أثار موجة تضخم عالمية وهدد بانكماش اقتصادي في العديد من الدول المستوردة للنفط. وقبل الحرب، كانت دولة الإمارات تصدر نحو 3.1 ملايين برميل يومياً من النفط الخام، لكن بيانات "كبلر" أظهرت أن أدنوك اضطرت لخفض صادراتها بأكثر من مليون برميل يومياً منذ بدء الحرب، وهو ما يمثل خسائر مالية فادحة للخزينة الإماراتية في وقت عصيب.

وهذا الرقم لا يشمل صادرات شركة "مربان" النفطية التي يتم نقلها عبر خط الأنابيب من الحقول البرية إلى الفجيرة، ومن ثم عبر البحر الأحمر، متجاوزة بذلك مضيق هرمز تماماً. وهذه الصادرات، رغم أنها أقل خطورة، إلا أنها لا تستطيع تعويض الكميات الهائلة من النفط المحتجزة في الخليج والتي تقدر بمليارات البراميل. ومع استمرار الجمود السياسي والعسكري وعدم التوصل إلى اتفاق لفتح المضيق، يبدو أن الخيار الوحيد أمام المنتجين الخليجيين هو المخاطرة كما تفعل الإمارات، أو تحمل الخسائر كما تفعل السعودية ودول أخرى، أو التفاوض مع إيران تحت أي ظرف.

الإمارات تراهن على التهرب والمخاطرة

في هذه المعادلة المعقدة، تجد الإمارات نفسها مضطرة إلى لعبة خطيرة: إما أن تترك نفطها محتجزاً في الخليج دون أي عائد، أو أن تخاطر بسفنها وطواقمها في عبور مضيق هرمز تحت أنظار الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية. وقد اختارت أبوظبي الخيار الثاني، وبدأت في تنفيذه باستخدام تكتيكات غير تقليدية كانت إيران نفسها تستخدمها لسنوات لتهريب نفطها وتجنب العقوبات. 

لكن الواقع يقول إن هذه التكتيكات قد تنجح لمرة أو مرتين، لكنها ليست حلاً مستداماً لأزمة هيكلية في سوق الطاقة العالمية. وطالما بقي المضيق مغلقاً فعلياً، وطالما واصلت البحرية الأمريكية حصارها للموانئ الإيرانية، فإن أسعار النفط ستبقى مرتفعة، والاقتصاد العالمي سيبقى على حافة الهاوية. ويبقى السؤال الأكبر الذي يطرحه المحللون: هل ستكون هذه المغامرة الإماراتية بداية لانهيار الحصار الإيراني، أم أنها مجرد قطرة في بحر لا تغني ولا تسمن من جوع، أم أنها ستؤدي إلى كارثة إنسانية وبيئية جديدة إذا ما أصيب إحدى هذه الناقلات بصاروخ إيراني وأغرقت حمولتها في المياه الإقليمية؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المخاطرة تزداد كل يوم.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

ناقلات بلا أجهزة تعقب.. خطة الإمارات لتصدير النفط خلسة عبر مضيق هرمز وتجنب الصواريخ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°