على شاشاتٍ أَلِفَتْ وجوهاً بعينها، تدور رحى حربٍ من نوعٍ آخر، حربٌ لا يُطلِقُ فيها الرصاصُ وإنما تُطلَقُ فيها الكلماتُ المعلَّبة، ولا تُحشَدُ فيها الجيوشُ وإنما يُحشَدُ فيها "الضيوفُ الدائمون" في الشرق الأوسط.
هم طيفٌ عريضٌ من المثقفين اللامعين، والإعلاميين البارعين، والسياسيين المُدَرَّبين، وممثلي أحزابٍ تُجيدُ فنَّ الحضور، يتقاسمون المقاعدَ الوثيرةَ في استوديوهاتِ التلفزةِ والبثِّ الرقمي، حتى لكأنَّ ثمَّةَ وكالةَ حجوزاتٍ سريةً تديرُ جداولَهم، فلا يغيبُ أحدُهم إلا ليحلَّ آخرُ مكانَه، حاملاً الحقيبةَ ذاتَها، متقناً النغمةَ ذاتَها.
انظرْ إليهم وهم يتحدثون، ترَهم ينسجونَ حولَ التطبيعِ هالةً من نورٍ لا تُخترَق. التطبيعُ في خطابهم ليس مجردَ خيارٍ سياسي، بل هو مفتاحُ جنةٍ أرضية، طلسمٌ سحريٌ سيفتحُ للبلادِ أبوابَ التنميةِ المُعجِلة، ويُحوِّلُ الصحارى حدائقَ، والأنقاضَ ناطحاتِ سحاب، والفقرَ إلى رخاءٍ يفيضُ على الجميع. إنهم يبيعونَكَ حلماً جاهزاً: "مدُّوا أيديَكم بالسلام، تُرفَع عنكم الحصارات، وتتدفَّق الاستثمارات، وتزدهرَ الأسواق، وينعمَ الجميع". وكأنَّ التاريخَ لم يُعلِّمْنا أنَّ ثمنَ "الرخاء" المشروطِ بالاستسلامِ قد يكونُ أغلى مما تتصور، وكأنَّ المواردَ التي يُرادُ "تحريرُها" من براثن النهبِ سيُعادُ استثمارُها في رفاهِ الناسِ تلقائياً، لا في جيوبِ تجارِ الأوطانِ الجدد.
في الجهةِ المقابلةِ من الإطار، يقفُ "الآخرون": جماعةُ الموتِ والإرهاب، كما يُسمّونَهم. إنهم يحوِّلونَ المقاومةَ، التي هي حقٌ أصيلٌ للإنسانِ في الدفاعِ عن أرضِه ومواردِه وكرامتِه، إلى "عبثٍ دموي" وإلى "صناعةِ خراب". لا يملُّ هؤلاء الضيوفُ من تردادِ الوصفةِ عينِها: "إنهم يعيشون في الماضي"، "إنهم يقدمون أجيالاً قرابينَ لقضيةٍ خاسرة"، "إنهم يعرقلون مسيرةَ التحضُّرِ والتنمية". وهكذا، وبجرةِ قلمٍ إعلاميٍ واحد، تتحولُ مسألةُ التحررِ الوطني إلى "نزعةٍ تدميرية"، ويتحوَّلُ من يُطالِبُ بحقِّه في مواردِ بلادِه المنهوبةِ إلى "عدوٍّ للحياة".
والعجبُ كلُّ العجبِ أنَّ هذه الأصواتَ، التي تنتقدُ شراسةَ من يدافعون عن أوطانهم بالفعل، لا تجدُ حرجاً في تليين خطابها والتماس الأعذار لنهبٍ منظمٍ تمارسه قوى كبرى، ولا في التغاضي عن عنفٍ هيكلي يُمارَسُ كلَّ يوم. كأنَّ "التنمية" التي يبشِّرون بها تتطلبُ، أولَ ما تتطلب، أن تكفَّ عن الحديثِ عن السيادة، وأن تُسلِّمَ بأنَّ "حقَّ الإنسانِ في الحياةِ الكريمة" يمرُّ، في رؤيتهم، عبرَ بواباتِ القبولِ بالأمر الواقع.
هكذا، يمتلئُ الأثيرُ بخطابٍ له بريقُ العصرِ ومساحيقُه، خطابٌ يُقنِعُك بأنَّ غداً مشرقاً ينتظرُنا لو أننا فقط... استسلمنا بأناقة.
وهنا تكمن القطيعة المنطقية الكبرى التي يتعمّد هؤلاء تزييفها: إنهم يحاكمون النتيجةَ ويتركون السببَ بمنأى عن المساءلة. نهبُ الأرضِ والثروات، والتسلطُ على حرية الناس، وقهرُ إرادتهم، وإخضاعُهم لإرادات خارجيةٍ لا تعرفُ أوطانهم ولا تريدُ لهم خيراً – هذه هي الجريمةُ الأصلية، وبذرةُ الدمارِ الحقيقي. والمقاومةُ، مهما اختلفنا حول وسائلها وتداعياتها، ليست إلا ردَّ فعلٍ على هذا العدوان، ليست سببَ الخراب، بل هي شاهدٌ على خرابٍ أعمق. إن محاكمةَ النتيجةِ دون السبب هي سفسطةٌ أخلاقية، وتبريرٌ للظلمِ باسمِ الاستقرار. فالمطلوب إذاً ليس إلغاءَ رد الفعل، بل تجفيفَ منابعِ السبب: تحريرُ الأرضِ من نيرِ الاحتلال، وتحريرُ المواردِ من قبضةِ النهب، وتحريرُ الإنسانِ من قيدِ القهر. وحدها هذه التحريراتِ الثلاثة تُمَهِّدُ لبناءِ وطنٍ يمارسُ فيه الفردُ حريتَه على أسسِ العدالة والمساواة وتكافؤِ الفرص، ونظامٍ سياسيٍ يمثلُ احتياجاتِ الناسِ ويُعبِّرُ عنها، ويُنْتِجُ مسارَ تنميةٍ يختارُه طوعاً لا قسراً. عندها فقط، لن تحتاجَ الشعوبُ إلى سلاحِ المقاومةِ لأنها ستكون قد امتلكت أعظمَ سلاحٍ: وطناً حراً أهلاً بالحياة.
هكذا، تظلّ مغالطةُ محاكمةِ النتيجةِ دون السبب كامنةً في كثير من الخطابات التي ترمي بثقل الخراب على المقاومة وحدها. لكنَّ قراءةَ الصراعِ بإنصافٍ تقتضي ألا نُغفلَ الحججَ الواقعيةَ التي تقدمها تلك الرؤية، مهما كان موقفنا من أُطُرها؛ فالإصغاءُ للخصمِ قبلَ الردِّ عليه هو أوّلُ دروبِ الفهم. لذلك سنعرضُ أدناه كلَّ رؤيةٍ كما هي، دون تحريفٍ أو تجميل، تاركين للقارئ -بعد اكتمال الصورة- أن يُشكِّلَ حكمَه بوعي .
بطرح سؤال جوهري في خضم الصراعات المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط: هل المقاومة المسلحة وسيلة مشروعة لانتزاع الحقوق وصون الكرامة، أم أنها مسار محفوف بالدمار يعيد عقارب التنمية إلى الوراء؟
الوجهة الأولى: ثمن باهظ من الخراب والتنمية المفقودة
يرى أصحاب هذه الرؤية أن المقاومة المسلحة، بعيداً عن شعاراتها النبيلة، لم تجلب لشعوب المنطقة سوى "الدمار الشامل ومحو مكتسبات استغرقت عقوداً". ويعتمد هذا الطرح على حصيلة ثقيلة من الخسائر البشرية والمادية في الساحات الخمس الرئيسية.
في غزة.. محو 22 عاماً من التنمية:
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الحرب على غزة (2023-2024) تسببت في انهيار اقتصادي غير مسبوق، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي في القطاع بنسبة 83%، وتراجع نصيب الفرد منه إلى مستوى عام 2003، مما يعني خسارة تعادل 22 عاماً من التنمية. وتُقدّر تكلفة إعادة الإعمار والتعافي بنحو 71.4 مليار دولار، في وقت بلغت فيه نسبة البطالة 100% تقريباً بعد أن دُمّر أكثر من 80% من القطاع الصناعي والإنتاجي.
المثال الدامغ: قبل حرب أكتوبر 2023، كانت غزة قد نجحت عبر سنوات من الحصار في بناء مشاريع تحلية مياه وصوب زراعية ومصانع صغيرة حققت اكتفاءً ذاتياً جزئياً. اليوم، هذه المشاريع إما مدمرة بالكامل أو خارج الخدمة. يرى منتقدو المقاومة أن "عملية طوفان الأقصى" كانت "مغامرة عسكرية" حوّلت القطاع من منطقة تعاني حصاراً إلى منطقة منكوبة تعتمد كلياً على المساعدات الخارجية، وأن قادة المقاومة راهنوا على "خيار التحرير" دون امتلاك مشروع وطني بديل قادر على حماية المدنيين.
في لبنان.. دولة تحت الوصاية والانهيار:
يُحمّل معارضو "حزب الله" في لبنان الحزبَ مسؤولية الانهيار الاقتصادي الكارثي الذي تعيشه البلاد منذ 2019. ويرون أن سيطرته على مفاصل الدولة المالية، خصوصاً عبر تولي حليفه وزارة المالية لفترات طويلة، جعلته شريكاً في فساد ممنهج تجاوزت قيمته 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
المثال الدامغ: انهيار قيمة الليرة اللبنانية من 1,500 ليرة للدولار إلى أكثر من 100,000 ليرة، وفقدان 80% من قيمة الودائع المصرفية لأكثر من 6 ملايين مودع. منتقدو "حزب الله" يقولون إن حروب "الإسناد" التي يخوضها الحزب (كفتح جبهة مع إسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023) بددت أي أمل في التعافي الاقتصادي وشكلت "صدمة جديدة" للبنان المنهك، وأعادته إلى "نقطة الصفر" بعد أن كان الأمل معقوداً على صفقة نفطية وغاز بحري مع إسرائيل لإخراج البلاد من أزمتها.
في اليمن.. بلد أنهكته الحرب والجوع:
في الحالة اليمنية، يتهم معارضو جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) الجماعةَ بإغراق البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. فمنذ سيطرتهم على صنعاء عام 2014، تحول اليمن إلى مسرح لحرب مدمرة.
المثال الدامغ: تشير تقارير برنامج الأغذية العالمي إلى أن النزاع تسبب في دفع 80% من السكان (نحو 24 مليون شخص) إلى الاعتماد على المساعدات الإنسانية، ودفع بنحو 17 مليون شخص إلى حافة المجاعة. ويرى المنتقدون أن مغامرات الحوثيين العسكرية، بما في ذلك استهداف منشآت النفط السعودية (كأرامكو عام 2019) وهجماتهم على الملاحة في البحر الأحمر (التي خفضت إيرادات قناة السويس لمصر بنسبة 60% وأغرقت اليمن في دوامة عنف جديدة عام 2023)، قوّضت أي فرصة لتحقيق السلام. يقول هؤلاء: "بدلاً من بناء ميناء الحديدة وتحويله إلى بوابة تجارية، حوّلوه إلى قاعدة عسكرية وهدفاً للقصف".
في العراق.. مليشيات تكرس الطائفية والفساد:
في العراق، يُنظر إلى الفصائل المسلحة المنضوية تحت مظلة "الحشد الشعبي" بعين الريبة من قبل قطاعات واسعة. فعلى الرغم من دورها في هزيمة تنظيم داعش، يرى معارضوها أنها تحولت إلى قوة موازية للدولة تعمل خارج إطار القانون.
المثال الدامغ: اتهامات رسمية بتهريب النفط عبر إقليم كردستان وسوريا، حيث تشير تقديرات أمريكية إلى أن الفصائل المدعومة من إيران تدرّ مليارات الدولارات سنوياً من السيطرة على المعابر الحدودية والتهريب. منتقدو هذه الفصائل يقولون: "بدلاً من أن تذهب عائدات النفط (التي تبلغ 100 مليار دولار سنوياً) إلى بناء المستشفيات والمدارس، تذهب إلى تمويل مليشيات تنخرط في الصراع الإقليمي وتستنزف خزينة الدولة"، مما يبقي العراق أسيرَ نزاعات لا مصلحة له فيها.
في إيران.. إمبراطورية عسكرية تلتهم الاقتصاد:
في الحالة الإيرانية، يُنظر إلى "الحرس الثوري" ليس كحامٍ للثورة، بل كإمبراطورية اقتصادية طفيلية. يُقدّر أن الحرس يسيطر على ما بين 40% إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي عبر شبكة تضم أكثر من 815 مؤسسة تجارية في قطاعات الاتصالات والنفط والبناء.
المثال الدامغ: احتجاجات "الموت للغلاء" في 2022 والتي عمت 100 مدينة إيرانية، وعصيان تجار البازار التقليديين (الذين كانوا دائماً حلفاء للنظام) احتجاجاً على سياسات الحرس الاقتصادية. المعارضون يقولون: "بينما يعاني الشعب الإيراني من تضخم يتجاوز 50% وانهيار قيمة الريال، يواصل الحرس الثوري تمويل حلفائه في لبنان وسوريا واليمن وغزة بعشرات المليارات من الدولارات، وأقام مشاريع اقتصادية طفيلية لا تخدم إلا قادته".
الوجهة الثانية: سلاح الضرورة لردع العدوان وصون الكرامة
في المقابل، يرى أنصار هذه الرؤية أن الخلط بين "سبب الداء" و"عرضه" خطأٌ فادح. ويؤكدون أن المقاومة المسلحة ليست خياراً عبثياً، بل هي "حق تكفله الشرائع السماوية والقوانين الوضعية" للشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو التهديد المستمر، ولا يمكن فصل الحديث عن الخراب عن سياق الاحتلال والعدوان الخارجي.
حق قانوني وإنساني أصيل:
يستند المدافعون عن شرعية المقاومة إلى القانون الدولي، مستشهدين بالمادة الأولى من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" التي تؤكد حق الشعوب في تقرير مصيرها، وإلى البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف الذي يعترف بـ"أعضاء حركات المقاومة المنظمة" كمقاتلين شرعيين في مواجهة الاحتلال.
المثال الدامغ: رأي محكمة العدل الدولية بشأن جدار الفصل العنصري (2004) الذي أكد حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال بوسائل مشروعة. كما يُستشهد بتجارب تاريخية عديدة: المقاومة الفرنسية ضد النازية، وجبهة التحرير الوطني الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي. يقول أنصار هذه الرؤية: "لم يكن أحد ليقول للمجاهدين الجزائريين إن ثورتهم 'إرهاب' أو إنهم سبب تخلف الجزائر. الاحتلال هو السبب الأول للتخلف، والمقاومة مجرد ردة فعل".
معادلة الردع وحماية السيادة:
في لبنان: يرى مؤيدو "حزب الله" أن ترسانته العسكرية نجحت في فرض معادلة ردع مع إسرائيل.
المثال الدامغ: صمود الحزب في حرب يوليو 2006 رغم الدمار الهائل، والذي قاد إلى قرار مجلس الأمن 1701، ومنع إسرائيل من تحقيق أهدافها بتدمير الحزب. أيضاً، التطور النوعي في قدرات الحزب الصاروخية الدقيقة جعل إسرائيل تفكر ألف مرة قبل شن أي حرب جديدة على لبنان. يقول المؤيدون: "الجيش اللبناني وحده لا يستطيع حماية لبنان، والمقاومة هي التي حررت الجنوب عام 2000 وأخرجت الاحتلال الإسرائيلي بعد 22 عاماً".
في اليمن: يعتبر أنصار الحوثيين أن سلاحهم هو الضامن الوحيد لصمودهم في وجه "العدوان الخارجي" بقيادة السعودية والإمارات.
المثال الدامغ: استخدام الحوثيين للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة لاستهداف العمق السعودي (مطار أبها، منشآت أرامكو) هو ما أجبر الرياض على الجلوس إلى طاولة المفاوضات وقبول مبادئ وقف إطلاق النار عام 2022 بعد أن تكبدت خسائر اقتصادية فادحة. يقول المؤيدون: "لم يستمع العالم لليمن وهو يتعرض للقصف لسنوات، لكن عندما استهدف الحوثيون البحر الأحمر وأوقفوا حركة الملاحة، أصبحت القضية اليمنية فجأة على رأس أولويات العالم. هذا هو منطق القوة".
في العراق: يؤكد أنصار الفصائل المسلحة أن "الحشد الشعبي" هو من أنقذ العراق من السقوط بيد تنظيم داعش.
المثال الدامغ: فتوى الجهاد الكفائي للمرجع السيستاني عام 2014 والتي حشدت مئات الآلاف لمواجهة داعش بعد أن انهارت فرق الجيش النظامي في الموصل وتكريت. يقول المؤيدون: "دون الحشد، لكانت بغداد اليوم تحت سيطرة تنظيم داعش، ولأصبح العراق كسوريا. الحشد هو من حرر الموصل ومنع إقامة 'خلافة داعشية'. أما الفساد والطائفية فهما إرث حكومي سابق للاحتلال الأمريكي".
في إيران: يرى المدافعون عن نظام الحرس الثوري أن سياساته التوسعية ليست طمعاً، بل استراتيجية دفاعية للردع.
المثال الدامغ: تطوير برنامج الصواريخ الباليستية الذي منع الولايات المتحدة وإسرائيل من شن حرب على إيران رغم التهديدات المتكررة. كما أن دعم الحرس لـ"محور المقاومة" هو الذي أوصل إيران إلى طاولة المفاوضات النووية وجعلها قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها. يقول المؤيدون: "دول الجوار الإيراني (كالإمارات والسعودية) لم تجلس للتفاوض مع طهران إلا بعد أن أظهر الحرس قدرته على استهداف مصالحهم (كاستهداف أرامكو 2019). هذا هو منطق الردع الذي يحمي السيادة الوطنية"
لا تنمية دون حرية وعدالة:
يرفض أنصار المقاومة الفصل بين "التنمية" و"الحرية". ويرون أن انتظار التنمية تحت نير الاحتلال والحصار وهمٌ كبير.
المثال الدامغ: قطاع غزة المحاصر براً وبحراً وجواً من قبل إسرائيل منذ 2007، كيف يمكن الحديث عن نهضة اقتصادية في سجن مفتوح؟ وفي اليمن، كيف يمكن تحقيق التنمية في بلد يُقصف منذ 8 سنوات ويُحاصر اقتصادياً من قبل تحالف يمنع دخول الوقود والأدوية والمواد الغذائية الأساسية؟ بالنسبة لأنصار المقاومة، التنمية المستدامة الحقيقية لا تبدأ إلا بعد التحرر من الوصاية الخارجية وبناء دولة قوية تتمتع بسيادة كاملة على قرارها ومواردها. والمقاومة، مهما كان ثمنها، هي الأداة لانتزاع هذه السيادة.
بين رماد الحرب وأمل التحرر – لا إجابات سهلة
يقف المراقب أمام مفارقة جوهرية لا تحتمل التبسيط: الوجهة الأولى ترى في ركام غزة والجنوب اللبناني، وأزمات إيران وخراب اليمن، وتعثر الدولة العراقية، دليلاً دامغاً وملموساً على فشل رهان المقاومة المسلحة. تقدم هذه الوجهة أرقاماً قاسية: ملايين اللاجئين، مدن مدمرة، دول على شفا الانهيار، وأجيال حرمت من التعليم والصحة بسبب الأولوية للسلاح على التنمية. تقول هذه الوجهة: "أين وعد النصر؟ أين هي الدولة المستقلة والقوية التي وعدت بها المقاومة؟ لقد ذهبتم بالشعوب إلى الهاوية".
بينما ترى الوجهة الثانية في هذا الركام نفسه الثمن الباهظ الذي تدفعه الشعوب لانتزاع حريتها، وتعتبر أن إلقاء اللوم على المقاومة هو "اتهام الضحية". وتطرح سؤالها المضاد: "هل كان وضع غزة قبل 7 أكتوبر أفضل؟ هل كانت التنمية مزدهرة تحت الحصار؟ هل كان اليمن قبل الحرب جنة؟ هل كانت إيران قبل تخصيب اليورانيوم سويسرا الشرق الأوسط؟" وفق هذه الرؤية، فإن غياب المقاومة يعني الاستسلام الكامل لوصاية قوى كبرى وإقليمية، والرضوخ لنهب الموارد وتصفية الحقوق على مذبح "الاستقرار" الذي لا يخدم إلا القوي.
يبقى السؤال الفلسفي والسياسي معلقاً فوق أنقاض المدن وفي قلوب الناس المكلومة: هل يُبنى المستقبل بالتنمية التي تتطلب الاستقرار، أم أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق دون كرامة، والكرامة قد لا تنتزع إلا بالقوة؟ لعل الإجابة الصعبة تكمن في موقعك من هذه المعادلة: هل أنت من أولئك الذين يرون في السلاح المقدس أم في الخبز والماء والمدرسة؟ بين هذين القطبين، تدور رحى مأساة الشرق الأوسط التي لا يبدو أن لها نهاية قريبة.










