20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

النارُ الهادئة وهدنة الواجهة.. العالم في حيرة!

في الحروب الحديثة، لا تكون الهدنة دائماً طريقاً إلى السلام، بل قد تتحول إلى أداة لإعادة التموضع وقياس الإرادات

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
٩ مايو ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
31 مشاهدة
روسيا وأوكرانيا

روسيا وأوكرانيا

في الحروب الحديثة، لا تكون الهدنة دائماً طريقاً إلى السلام، بل قد تتحول إلى أداة لإعادة التموضع وقياس الإرادات، وبينما ترسم الخرائط العسكرية والتدفقات التجارية واقعاً جديداً يتجاوز مجرد تبادل القذائف إلى إعادة صياغة الاقتصاد العالمي، دخل الصراع الروسي الأوكراني في مايو 2026 مرحلة معقدة من "التفاوض تحت النار". وموسكو تحتفل بذكرى "يوم النصر" 9 مايو، بالساحة الحمراء لكنها مسرحٍ مختلفة كانت لا - لاستعراض القوة العسكرية الروسية، بل تحولت إلى مختبرٍ جيوسياسي يكشف عن أعمق أزمات الاستراتيجية العسكرية في ق 21. 

إنّ إعلان الكرملين عن "هدنة من طرف واحد" في وقتٍ تنهمر فيه الصواريخ فوق خاركيف وأوديسا، ليس مجرد تناقضٍ ميداني، بل هو مناورةٌ في "الاقتصاد السياسي للحرب" تهدف إلى إعادة تموضع القوة في ظل استنزافٍ بشري وتقني غير مسبوق. لنرى حرب استنزاف مركّبة تمزج بين العمليات العسكرية، الحرب النفسية، والرسائل السياسية الدولية، وهُنا تصدق مقولة سون تزو، عن فن الحرب: "إنّ فنّ الحربِ العظيم هو خِداعُ العدوّ، فاجعل عجزكَ يبدو كقوة، وقوتك كعجز، وحركتك كسكون، وسكونك كحركة"، فبينما تحدثت روسيا عن "مبادرة إنسانية"، تعاملت أوكرانيا معها باعتبارها "مناورة تكتيكية" تهدف إلى حماية العمق الروسي وإعادة تنظيم القوات المنهكة.

أولا: الهُدنة التكتيكية: لقد اعتمد الدُب الروسي استراتيجية "التهدئة التكتيكية المشروطة والأحادية مع استمرار الضربات كمناورة شرعية مزدوجة لها هدفان: 

الأول: الظهور بمظهر الطرف "المسؤول" أمام حلفائها في (بريكس+)، وإلقاء عبء "استمرار الحرب" على كاهل كييف أمام المجتمع الدولي، خاصة مع دخول الوساطة الأمريكية (إعلان ترامب لهدنة الأيام الثلاثة) على الخط. وتصوير نفسها كطرف "منضبط" يحتفل بذكرى النصر (9 مايو)، بينما تستخدم الضربات الميدانية (تجاوز معدل الضربات الروسية خلال أيام الهدنة أكثر من 210 ضربات صاروخية وجوية يومياً، استهدفت بشكل أساسي مراكز الإمداد والبنية اللوجستية في خاركيف وزاباروجيا، في حين تم تسجيل أكثر من 850 هجوماً بالمسيرات خلال 24 ساعة فقط،) وكذلك اختباء المنظومات الصاروخية كـحبارير الصحراء خلف سواتر التمويه.. ما يعكس أن "الهدوء السياسي" لم ينعكس على الجبهة العسكرية، بل كان كعمليات "إجهاض استباقي" لأي هجوم أوكراني قد يستهدف العمق الروسي أثناء الاحتفالات.

الثاني: توفير غطاءً إعلامياً لإعادة تموضع الوحدات المنهكة. حيثُ تكبدت ما يقارب 1.2 مليون إصابة (بين قتيل وجريح) حتى ربيع 2026، وهي لا تستطيع تحمل "جمود" طويل يسمح لأوكرانيا استغلال الهدوء المفترض لإعادة تنظيم صفوفها.

ثانياً: الهُدنة المجروحة: أما رفض أوكرانيا وإعلانها هدنة مضادة كان لغرض "اختبار للنوايا"، كغطاء أمني؛ لتثبت للعالم أن روسيا لن تلتزم بوقف إطلاق النار إذا لم يخدم جدول أعمالها الرمزي، وبالتالي فإن قبول الطرفين أخيراً بوساطة واشنطن لهدنة الأيام الثلاثة (9-11 مايو) مقابل تبادل 1000 أسير من كل جانب، يعكس حاجة الطرفين لالتقاط الأنفاس اقتصادياً؛ حيث تواجه أوكرانيا عجزاً في الموازنة يصل إلى  %18.5 من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026، وضعف الدعم الغربي الأمريكي لها(خاصة من الناتو)، لتغطية ما يقارب 60% من نفقاتها العسكرية. وفي المقابل، تخصص روسيا قرابة 145 مليار دولار للإنفاق الدفاعي، أي ما يعادل نحو 40% من الإنفاق الفيدرالي للدولة، ما يعكس دخول الاقتصاد الروسي مرحلة "اقتصاد الحرب الكامل"، بينما يتباطأ النمو الروسي إلى 0.9  %نتيجة استنزاف موارد الدولة في التصنيع العسكري.

ثالثًا: الإنكار المبرر: وبين الفريقين عدوى إعلامية ترامبية بالبيانات المُتبادلة حول خرق الهدنة، لنرى ساحة الحرب الروسية الأوكرانية واحدة من أكبر ساحات "حرب المعلومات" في العصر الحديث، بعد الصراع الإعلامي لمنصة (تروث سوشيال)، فكلا الطرفين يستخدم استراتيجية الإنكار المبرر، في ظل غياب آلية رقابة دولية مستقلة على الأرض، لُصبح المعلومات جزءاً من أدوات التفاوض النفسي والسياسي أكثر من كونها حقائق ميدانية مجردة. وتهدف البيانات المتضاربة إلى خلق حالة من "اللايقين" لدى الجنود على الجبهة، مما يضعف الروح المعنوية ويجعل قرار الهجوم محفوفاً بالمخاطر السياسية وحبارير الموت، والمصداقية حالياً تميل للجهات التي توفر "بيانات مفتوحة المصدر" (OSINT) وليس لبيانات وزارات الدفاع.

وتشير البيانات الميدانية المجمعة حتى 9 مايو 2026 إلى دخول الصراع مرحلة "الاستنزاف التكنولوجي الحرج"، وقد استعرضنا عدد الضربات الروسية في "خاركيف" و"زاباروجيا"، ولكن تُشير التقديرات إلى أن روسيا فقدت ما يقارب 14,500 دبابة ومركبة مدرعة منذ بداية النزاع، مع تراجع وتيرة التعويض الصناعي بنسبة 12% في الربع الأول من 2026 بسبب نقص العمالة المتخصصة. وهُنا لابد من التنويه إلأى أن التكلفة الاقتصادية كانت أكبر في ميزانية الدفاع الروسية لعام 2026 البالغة 145 مليار دولار، أي 40% من الإنفاق الفيدرالي، بينما تعتمد أوكرانيا على حزم دعم غربية تغطي 60% من نفقاتها العسكرية.

رابعاً: الحرب وعقيدة التحول: سحب المعدات من العروض العسكرية هو تحول بل اعتراف روسي صريح بـ "تغير عقيدة الحرب" لمثلث حرج:

•    أولاهما أمني للحفاظ على الأصول: سحب الدبابات مثل T-14 Armata من الساحة الحمراء ليس نقصاً في العدد فحسب، بل هو اعتراف بـ انكشاف العمق، فتكلفة حماية العرض من "أسراب المسيرات" الأوكرانية أصبحت تفوق القيمة الرمزية للعرض نفسه، فتدمير دبابة "T-90" بقيمة 4.5 مليون دولار بواسطة مسيرة بقيمة 500 دولار فوق الساحة الحمراء يمثل كارثة دعائية ومالية.

•    والثاني اقتصادي: حيثُ تقدر كلفة تأمين الأجواء فوق موسكو في يوم 9 مايو بنحو 350 مليون دولار من حيث استهلاك صواريخ الدفاع الجوي وساعات طيران التحريم، وهو استنزاف غير منطقي اقتصادياً في ظل الحاجة للجبهة.

•    لوجستيً:  بلغ فيها استنزاف المعدات لمستويات حرجة؛ حيث تفضل القيادة الروسية توجيه كل "برغي" إلى الجبهة بدلاً من استعراضه. الأرقام تشير إلى انخفاض عدد القطع المشاركة في العروض بنسبة  %100 للمعدات الثقيلة هذا العام مقارنة بما قبل الحرب.

خامسًا: السيناريو الأكثر احتمالاً بعد 9 مايو 2026

1.    سيناريو الطاقة والغذاء.. والرهان على "الاستنزاف النوعي" كونهما محركان حقيقيان لما سيحدث بعد 9 مايو:

•    الطاقة: نجحت روسيا في إعادة توجيه  %85 من صادراتها الغازية نحو آسيا، لكنها تصطدم بحقيقة أن النمو الاقتصادي الروسي المتباطئ عند  %0.9 لا يمكنه الصمود أمام حرب استنزاف تكنولوجية طويلة.

•    الحبوب: مع بقاء أسعار القمح عالمياً بين 310 و330 دولاراً للطن، تستخدم روسيا "الهدنة" كأداة ضغط على الممرات البحرية، محاولةً مقايضة التهدئة الميدانية برفع القيود عن تحويلاتها المالية (سويفت) للمنتجات الزراعية.

2.    سيناريو المعطيات الاقتصادية والميدانية، ووثائق مسربة "بعد النصر" :

•    مرحلة التكتيك الميداني: ستنتقل أوكرانيا إلى استراتيجية "قطع الشرايين"، بالتركيز على تدمير جسور الإمداد والمستودعات في القرم، مستغلة استنزاف الدفاعات الجوية الروسية خلال فترة الأعياد. ومن المتوقع عودة الضربات البعيدة المدى (الصاروخية والمسيرات) لتأمين مكاسب على الطاولة التفاوضية، مع استبعاد أي هجمات برية واسعة النطاق من الطرفين نظراً لاستنزاف القدرات البشرية التي تقترب من حاجز 2 مليون ضحية إجمالاً بحلول نهاية الشهر الحالي.

•    مرحلة التجميد النشط: الصراع يتجه نحو "الجمود المسلح" لعدم امتلاك أي طرف القدرة على الحسم العسكري الكامل، مما سيجعل النصف الثاني من عام 2026 عام "المفاوضات الشاقة" تحت ضغط الانهيار الاقتصادي، فإذا نجحت صفقة تبادل الأسرى (2000 جندي إجمالاً)، فقد ننتقل من "حرب استنزاف شاملة" إلى "صراع منخفض الكثافة" بانتظار تسوية سياسية كبرى.

•    اقتصادياً: سيضغط "صداع العمالة" في روسيا (نقص حاد غير مسبوق في اليد العاملة) وانهيار البنية التحتية الطاقية في أوكرانيا نحو القبول بـ "خرائط سيطرة واقعية".

وقفة: الهدنة الروسية لم تكن غصن زيتون، بل كانت "درعاً إعلامياً" لحماية ما تبقى من هيبة الدولة في ذكرى نصرها التاريخي، بينما الرد الأوكراني تأكيداً على أن زمن الإملاءات قد ولى، ليصدق الجنرال الألماني كارل فون كلاوزفيتز في كتابه "عن الحرب: "إنّ الحرب ليست مجرد عمل سياسي، بل هي أداة سياسية حقيقية، واستمرار للعمل السياسي ولكن بوسائل أخرى"، وما نشهده اليوم هو "السياسة بالبارود"، حيث تُكتب المسودة الأولى لاتفاقيات السلام القادمة بمدادٍ من أرقام الخسائر الاقتصادية، وصمود الجبهات، وقدرة الدول على تحويل الأزمات إلى فرص للبقاء في نظام عالمي لم يعد يعترف إلا بالقوي القادر على إدارة أزماته بأقل التكاليف.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

النارُ الهادئة وهدنة الواجهة.. العالم في حيرة! - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°