20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

من خاتين إلى دير ياسين إلى غزة: الذاكرة التي تُحرق كل يوم

ما يربط خاتين ودير ياسين وغزة ليس التشابه الحرفي بين الوقائع، بل الفكرة التي تقف خلفها: حين تصبح القوة العسكرية قادرة على إعادة تشكيل حياة المدنيين بالكامل.

بقلم: د. أسعد العويوي
١٣ مايو ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
42 مشاهدة
مرضى غزة

مرضى غزة

ليست المأساة الفلسطينية مجرد فصل طويل من الحزن السياسي، بل تجربة إنسانية يومية يعيش فيها الناس وهم يشعرون أن التاريخ لا يمضي إلى الأمام، بل يعيد نفسه بأسماء جديدة. حين أقرأ عن مجزرة خاتين، ثم أتوقف عند مجزرة دير ياسين، لا أتعامل معهما كوقائع بعيدة في كتب التاريخ، بل كمرآة قاسية لما يعيشه الفلسطيني اليوم؛ الخوف ذاته، الإحساس ذاته بانعدام الأمان، والفكرة ذاتها: أن المدني يمكن أن يتحول في لحظة إلى هدف تحت ذرائع الحرب.

في خاتين، تلك القرية البيلاروسية الصغيرة التي أحرقتها القوات النازية بمن فيها عام 1943 خلال الحرب العالمية الثانية، لم يكن القتل مجرد عملية عسكرية، بل رسالة رعب جماعية هدفها إخضاع الناس بالخوف وترهيب من بقي خارج النار. وفي دير ياسين، لم يكن الدم مجرد نتيجة جانبية للمعركة، بل أداة نفسية ساهمت في نشر الذعر ودفع الناس إلى الفرار. واليوم، حين ينظر الفلسطيني إلى المشهد من غزة إلى مخيمات الضفة الغربية، يشعر أن الفكرة القديمة نفسها ما تزال تعمل بكفاءة مخيفة: تحويل الحياة المدنية إلى مساحة هشّة، وإبقاء الناس في حالة خوف دائم من الغد.

الفلسطيني اليوم لا يعيش الحرب فقط حين تسقط القذائف؛ إنه يعيشها في تفاصيله الصغيرة أيضًا. في الأم التي تخشى أن يخرج ابنها ولا يعود، في العائلة التي تنام وهي لا تعرف إن كان البيت سيبقى قائمًا حتى الصباح، في الطفل الذي كبر قبل أوانه لأنه تعلّم أسماء الطائرات والصواريخ قبل أن يتعلم أسماء الألعاب. هذه ليست مجرد “آثار جانبية للنزاع”، بل واقع نفسي متراكم يصنع جيلًا كاملًا يعيش تحت ضغط النجاة المستمرة.

الأخطر من الدمار المادي هو التآكل البطيء لمعنى الحياة الطبيعية. حين يصبح الموت خبرًا يوميًا، يفقد العالم قدرته على الصدمة. تتحول صور الركام إلى مشهد اعتيادي في نشرات الأخبار، ويتحول الإنسان الفلسطيني تدريجيًا إلى رقم في إحصاءات السياسة الدولية. هنا تحديدًا تكمن المأساة الأعمق: ليس فقط في القتل، بل في اعتياد العالم عليه.

منذ دير ياسين، لم يكن الرعب مجرد حدث عابر في الوعي الفلسطيني؛ لقد أصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية. الذاكرة التي تنتقل من الجد إلى الحفيد، لا عبر الكتب فقط، بل عبر الحكايات المنزلية، وأسماء القرى المعلقة على الجدران، والمفاتيح القديمة التي ما تزال بعض العائلات تحتفظ بها كأن العودة يمكن أن تحدث غدًا. ولهذا، حين يرى الفلسطيني مدينة تُقصف أو حيًا يُمحى، فهو لا يرى الحاضر وحده؛ إنه يرى سلسلة كاملة من الفقدان المتكرر.

وربما لهذا يبدو الألم الفلسطيني مختلفًا في عمقه؛ لأنه ليس ألم لحظة، بل ألم ممتد عبر عقود، يشعر فيه الناس أن عليهم دائمًا إثبات إنسانيتهم أمام عالم يطلب منهم باستمرار مزيدًا من التبرير لكي يتعاطف معهم.

ما يربط خاتين ودير ياسين وغزة ليس التشابه الحرفي بين الوقائع، بل الفكرة التي تقف خلفها: حين تصبح القوة العسكرية قادرة على إعادة تشكيل حياة المدنيين بالكامل، وحين يتحول الخوف إلى أداة سياسية طويلة الأمد. كل مرة يُدفع فيها المدنيون إلى النزوح، وكل مرة يُختبر فيها بقاؤهم اليومي، يعود السؤال الأخلاقي نفسه: إلى أي حد يمكن للعالم أن يتعايش مع معاناة شعب كامل قبل أن يعتبرها وضعًا طبيعيًا؟

الفلسطيني اليوم لا يريد من العالم شفقة عابرة، بل يريد استعادة المعنى البسيط للحياة: أن يعيش دون أن يشعر أن بيته مؤقت، وأن أطفاله مشاريع نجاة دائمة، وأن مستقبله معلق بقرار حرب جديدة. يريد أن يتوقف التاريخ عن المرور فوق جسده كل مرة وهو يكرر الشعارات ذاتها عن الأمن والحرب والضرورة.

ومن خاتين إلى دير ياسين إلى غزة، يبقى الدرس الأكثر قسوة أن المأساة لا تبدأ حين تُهدم البيوت، بل حين يعتاد العالم رؤية البيوت وهي تُهدم دون أن يهتز ضميره.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. أسعد العويوي

الدكتور أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية والقضية الفلسطينية في جامعة القدس.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير