استحضر شي جين بينج مفهوم "فخ ثوسيديديس" خلال لقائه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بكين، في إشارة واضحة إلى المخاطر الكامنة في تصاعد التوتر بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة. هذا الطرح لم يكن مجرد استدعاء نظري، بل جاء في سياق سياسي يعكس قلقًا صينيًا متزايدًا من مسار العلاقات الثنائية، خاصة في ظل تصاعد النزاعات التجارية والتكنولوجية بين البلدين.
تحذير بكين يحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز اللحظة الراهنة، إذ يسعى إلى وضع إطار تفسيري للصراع المحتمل، مع التأكيد على أن التاريخ يقدم نماذج مقلقة عندما تفشل القوى الكبرى في إدارة انتقالات القوة بشكل سلمي. ومن هنا، فإن الرسالة الصينية لا تخلو من محاولة لإلقاء مسؤولية تجنب الصدام على الطرفين، مع إبراز الحاجة إلى إعادة ضبط العلاقة وفق قواعد أكثر توازنًا.
جذور المفهوم
يعود مصطلح "فخ ثوسيديديس" إلى المؤرخ الإغريقي ثوسيديديس، الذي وثّق في كتاباته كيف أدى صعود أثينا إلى إثارة مخاوف إسبرطة، ما انتهى باندلاع الحرب البيلوبونيسية في القرن الخامس قبل الميلاد. هذا النموذج التاريخي تحول لاحقًا إلى إطار تحليلي لفهم ديناميات الصراع بين القوى الكبرى.
وفي العصر الحديث، أعاد غراهام أليسون إحياء هذا المفهوم من خلال دراساته في جامعة هارفارد، حيث أشار إلى أن العديد من الحروب الكبرى في التاريخ اندلعت عندما تحدت قوة صاعدة قوة مهيمنة. هذا الطرح عزز من حضور المفهوم في دوائر صنع القرار، خاصة في الولايات المتحدة، التي ترى في صعود الصين تحديًا استراتيجيًا طويل الأمد.
سباق النفوذ
يتجسد التنافس بين أمريكا والصين في مجالات متعددة، تتجاوز البعد العسكري إلى الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل التوريد العالمية. فحجم التبادل التجاري بين البلدين، الذي يبلغ مئات المليارات من الدولارات سنويًا، يعكس تشابكًا معقدًا يجعل أي تصعيد سياسي ذا انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي.
إلى جانب ذلك، يتصاعد التنافس في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، حيث تسعى كل من واشنطن وبكين إلى تأمين موقع متقدم في النظام الدولي الجديد. هذا السباق لا يقتصر على تحقيق التفوق، بل يمتد إلى محاولة إعادة تشكيل قواعد اللعبة العالمية، بما يخدم المصالح الاستراتيجية لكل طرف.
اختبار التاريخ
يبقى السؤال المركزي: هل يمكن للطرفين تجنب الوقوع في "فخ ثوسيديديس"؟ الواقع يشير إلى أن الإجابة ليست محسومة، إذ يعتمد ذلك على قدرة القيادتين على إدارة التنافس دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. تصريحات شي جين بينغ تعكس إدراكًا لخطورة اللحظة، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن حجم التحدي الذي يواجه العلاقات الثنائية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن السياسات الأمريكية، خاصة في ظل توجهات إدارة ترامب، تميل إلى الاحتواء والضغط، سواء عبر الحرب التجارية أو القيود التكنولوجية، وهو ما يزيد من احتمالات التصعيد. وبين هذا وذاك، يقف العالم أمام مفترق طرق تاريخي، حيث قد تحدد طبيعة العلاقة بين القوتين شكل النظام الدولي في العقود القادمة، إما نحو صدام مفتوح، أو نحو توازن هش تحكمه المصالح المتبادلة والخوف من الكلفة الباهظة للمواجهة







