20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

المؤتمر الثامن لحركة فتح… بين التوريث السياسي واحتمالات الانفجار الفلسطيني

ما شهده المؤتمر الثامن لحركة فتح، الذي انعقد في رام الله تحت واقع الهيمنة الأمنية والسياسية للاحتلال الإسرائيلي، يعكس انقلاباً واضحاً على القواعد التنظيمية والتاريخية للحركة.

بقلم: يوسف أبو سامر موسى
١٨ مايو ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
89 مشاهدة
الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال المؤتمر الثامن لحركة التحرير الفلسطينية "فتح" في رام الله. 14 مايو 2026 - وفا

الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال المؤتمر الثامن لحركة التحرير الفلسطينية "فتح" في رام الله. 14 مايو 2026 - وفا

منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وبغضّ النظر عن اختلاف المواقف حول ظروف تأسيسها والأهداف التي رافقت تلك المرحلة، ثم لاحقاً تأسيس حركة فتح التي شكّلت العمود الفقري للمنظمة، وُضعت أنظمة ولوائح تنظيمية هدفت إلى حماية البنية الحركية وضبط آليات العمل الداخلي، بما يحفظ التسلسل التنظيمي، ويكرّس مبدأ التدرج وفق الكفاءة والنضال والتاريخ الحركي.

وعلى امتداد العقود الماضية، كانت القاعدة التنظيمية داخل حركة فتح تقوم ـ نظرياً على الأقل ـ على مسار يبدأ من الأطر الدنيا وصولاً إلى أعلى المواقع القيادية، بحيث يشكّل الوصول إلى عضوية اللجنة المركزية تتويجاً لمسيرة طويلة من العمل التنظيمي والتضحيات والانخراط الحقيقي في المشروع الوطني الفلسطيني.

إلا أن ما شهده المؤتمر الثامن لحركة فتح، الذي انعقد في رام الله تحت واقع الهيمنة الأمنية والسياسية للاحتلال الإسرائيلي، وبما ينسجم مع الرؤية الأمريكية لمسار السلطة الفلسطينية، يعكس ـ بحسب كثيرين ـ انقلاباً واضحاً على القواعد التنظيمية والتاريخية للحركة، ويفتح الباب أمام إعادة تشكيل البنية القيادية وفق معايير الولاء السياسي والارتباط الخارجي، لا وفق معايير النضال والكفاءة والانتماء الحقيقي للحركة.

فالمتابع لنتائج المؤتمر يلحظ بوضوح الدفع بشخصيات لا تمتلك تاريخاً تنظيمياً معروفاً داخل فتح، وبعضها لم يمر أصلاً بالمراحل الحركية الطبيعية، فيما جرى ترفيع أسماء ارتبطت باتهامات فساد أو ارتهان سياسي وأمني، في مقابل تهميش وإقصاء شخصيات وطنية وتاريخية قدّمت الكثير للمشروع الوطني الفلسطيني، سواء داخل السجون أو في ميادين المواجهة أو في ساحات العمل الشعبي والسياسي.

الأخطر من ذلك أن المؤتمر بدا وكأنه محاولة منظمة لإضفاء شرعية داخلية على مشروع “التوريث السياسي”، بما يضمن استمرار النهج القائم داخل السلطة الفلسطينية، وهو النهج الذي يزداد ابتعاداً عن روح المقاومة والتحرر الوطني، ويتجه أكثر نحو تكريس واقع التبعية السياسية والأمنية والاقتصادية للاحتلال.

ولعلّ التصريحات السابقة لرئيس السلطة محمود عباس، والتي أقرّ فيها بأنهم “يعيشون تحت البسطار الإسرائيلي وراضون بذلك”، تعكس حجم الأزمة البنيوية التي تعيشها السلطة الفلسطينية، ليس فقط على مستوى الأداء السياسي، بل على مستوى الرؤية الوطنية نفسها.

إن خطورة ما جرى لا تنحصر داخل أروقة حركة فتح، بل تتجاوزها إلى مستقبل القرار الفلسطيني بأكمله، لأن من يتم تصعيدهم اليوم داخل اللجنة المركزية للحركة سيكونون لاحقاً في قلب مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، صاحبة القرار في الملفات الوطنية الحساسة، ما يعني عملياً إعادة إنتاج النهج ذاته لسنوات طويلة قادمة، وإغلاق الباب أمام أي مراجعة حقيقية للمسار السياسي الذي أوصل القضية الفلسطينية إلى هذا المستوى من التآكل والانقسام.

ان المخاوف الاساسية التي تنتاب الشارع الفلسطيني بشكل عام والشتات بشكل خاص هو غياب اي تمثيل للشتات بحيث لا تُظهر المعطيات المتداولة حول نتائج المؤتمر الثامن لـ حركة فتح وجود شخصية بارزة من الساحة اللبنانية أو من الشتات الفلسطيني ضمن الوجوه الأساسية المتصدرة للجنة المركزية الجديدة على الرغم من مشاركة أقاليم الخارج ولبنان في أعمال المؤتمر والتصويت. 

وقد جرت الانتخابات بشكل متزامن بين رام الله وقطاع غزة وبيروت والقاهرة مع مشاركة ممثلين عن الساحات الخارجية، لكن و عملياً يبدو أن الثقل القيادي بقي متركزاً ضمن الشخصيات المرتبطة بمركز القرار في الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية وهو ما أثار انتقادات داخلية تتحدث عن تراجع تمثيل الشتات الفلسطيني والذي يعتبر الركيزة الاساسية لقرار حق العودة للاجئين الفلسطينيين  194 الصادر سنة 1948 وخاصة ان هذه الساحات تاريخية كلبنان وسوريا رغم الدور التاريخي الذي لعبته في انطلاقة الثورة الفلسطينية والعمل الفدائي.

وفي المقابل، تبدو المفارقة صارخة بين هذا الواقع السياسي المأزوم وبين ما حققته القضية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة على المستوى الدولي، حيث نجحت المقاومة الفلسطينية ـ لا السلطة الفلسطينية ـ في إعادة القضية إلى واجهة الاهتمام العالمي، وكشف الطبيعة الإجرامية للاحتلال الإسرائيلي أمام الرأي العام الدولي، بعد أن ارتوت أرض فلسطين بدماء آلاف الشهداء والجرحى، وظهرت حقيقة الدعم الأمريكي والغربي غير المحدود للكيان الصهيوني، إلى جانب حالة التواطؤ أو الصمت العربي الرسمي، باستثناء بعض المواقف الحرة التي ما زالت تعتبر فلسطين قضية الأمة المركزية.

لقد استطاعت المقاومة، رغم الحصار والحروب، أن تمنع الاحتلال من فرض هيمنته الكاملة على الأرض الفلسطينية، وأن تكسر صورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وأن تفرض معادلات جديدة في الوعي الشعبي العربي والعالمي، بينما بدت السلطة الفلسطينية في موقع العاجز أو المنفصل عن نبض الشارع الفلسطيني.

من هنا، فإن السؤال الكبير الذي يفرض نفسه بعد انتهاء المؤتمر الثامن ليس فقط: ماذا بعد؟ بل إلى أين تتجه الساحة الفلسطينية في ظل هذا الانقسام الحاد بين نهج المقاومة ونهج التسوية؟

هل ستنجح سياسة التوريث والمحسوبيات في فرض أمر واقع جديد داخل المؤسسات الفلسطينية؟ أم أن الشارع الفلسطيني، في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، يتجه نحو حالة رفض وغضب أوسع قد تتحول إلى انتفاضة سياسية وشعبية وتنظيمية ضد واقع التفريط والاستسلام؟

إن المؤشرات المتراكمة على الأرض توحي بأن المرحلة المقبلة ستكون شديدة الحساسية، وأن حالة الاحتقان الشعبي والسياسي مرشحة للتصاعد، خصوصاً مع اتساع الفجوة بين القيادة الرسمية والوجدان الوطني الفلسطيني، ومع تنامي القناعة لدى قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني بأن مشروع التسوية وصل إلى طريق مسدود، وأن إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني باتت ضرورة وجودية لا تحتمل التأجيل.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو الحاجة ملحّة اليوم إلى حوار وطني فلسطيني شامل، يعيد الاعتبار للثوابت الوطنية، ويؤسس لمرحلة جديدة تقوم على الشراكة الحقيقية، واحترام إرادة الشعب الفلسطيني، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية بعيداً عن الهيمنة الخارجية والتفرد والإقصاء، لأن الشعوب التي قدمت كل هذه التضحيات لا يمكن أن تقبل بأن تُختزل قضيتها التاريخية في مشروع إدارة ذاتية مرتهن لإرادة الاحتلال.

أخيراً: وفي خضمّ هذه التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة، ومع ما أظهره الكيان الصهيوني من عجز وفشل في حسم المواجهات رغم امتلاكه أضخم آلة عسكرية ودعماً غربياً مفتوحاً، ومع تراجع قدرة الإدارة الأمريكية على فرض هيبتها أو حماية مصالحها وحلفائها في المنطقة كما في السابق، يبرز سؤال جوهري أمام القيادة الفلسطينية: إلى متى سيبقى المفاوض الفلسطيني يراهن على الدعم الأمريكي بوصفه مظلة حماية سياسية؟ وإلى متى ستبقى بعض دوائر القرار الفلسطيني أسيرة لوهم أن واشنطن قادرة أو راغبة في منح الشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية؟ 

إن الوقائع الميدانية والسياسية تؤكد يوماً بعد يوم أن الإدارة الأمريكية ليست وسيطاً نزيهاً، بل شريكاً كاملاً في العدوان على الشعب الفلسطيني وداعماً أساسياً لاستمرار الاحتلال ومشاريعه التوسعية. ومن هنا، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً لعودة منظمة التحرير الفلسطينية إلى الإمساك الحقيقي بزمام القرار الوطني بعيداً عن القيود السياسية والأمنية التي كبّلتها لسنوات طويلة، واستعادة دورها كحركة تحرر وطني لا كسلطة مقيدة باتفاقات أثبتت فشلها. 

كما أن حركة فتح، بما تمثله من تاريخ نضالي ورمزية وطنية، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تعود إلى موقعها الطبيعي في صدارة مشروع المقاومة والتحرر الوطني، لا أن تتحول إلى غطاء سياسي لنهج الارتهان والانحدار والتنسيق الأمني. فالحركة التي قدّمت آلاف الشهداء والأسرى لا يليق بها أن تُختزل في مشروع إدارة أزمة تحت سقف الاحتلال، بل يفترض بها أن تنتفض على هذا الواقع، وأن تعيد تصويب البوصلة الوطنية نحو خيار الكرامة والتحرير، بدل الاستمرار في تجديد التفويض لنهج أورث الشعب الفلسطيني مزيداً من الذلّ والإهانة والتراجع الوطني.

يوسف أبو سامر موسى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

المؤتمر الثامن لحركة فتح… بين التوريث السياسي واحتمالات الانفجار الفلسطيني - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°