"الدول لا تُقاس بصوتها المرتفع وقت الأزمات، بل بقدرتها على حماية مصالحها عندما يضطرب الجميع"، في خضم التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران وعزوف الاتحاد الاوروبي، لم يعد الخليج مجرد ساحة جغرافية تقع على هامش الصراع، بل تحول إلى مركز حساس لإدارة التوازنات الدولية والطاقة والأمن الإقليمي. ومع اتساع دائرة التوتر، ظهرت بوضوح تباينات خليجية في مقاربة الأزمة، ليس بوصفها انقسامًا حادًا بقدر ما هي اختلاف في أدوات إدارة المخاطر وأولويات الأمن الوطني.
أولاً- الكتلة السياسية الموحدة أم السيادية:
اللافت أن هذه التباينات لم تخرج عن الإطار الخليجي العام، لكنها كشفت عن حقيقة مهمة: أن دول الخليج لم تعد تتحرك بمنطق الكتلة السياسية الموحدة كما في مراحل سابقة، بل بمنطق الدولة السيادية التي تُقدّم حساباتها الوطنية أولًا، فهناك اختلاف حقيقي وملموس في المقاربات الخليجية تجاه التصعيد مع إيران، لكنه محكوم بإدارة المخاطر، وليس بالضرورة صراعاً استراتيجياً صفرياً، فاختيار السعودية وقطر للاستقرار يعكس توافقاً ضمنياً على أن كلفة الحرب أعلى بكثير من كلفة الدبلوماسية، بينما يمثل الموقف الإماراتي تكتيكاً مختلفاً يركز على الردع الاقتصادي والأمني المتوازن.
ظاهريًا، تبدو المواقف الخليجية مُتقاربة في رفض الحرب الشاملة، لكن القراءة العميقة تكشف اختلافًا في طريقة إدارة الأزمة. فالسعودية وقطر اتجهتا بصورة أوضح نحو خطاب التهدئة ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، بينما بدت الإمارات أكثر تشددًا في بعض مراحل الأزمة، خصوصًا فيما يتعلق بضرورة استمرار الضغط على إيران ومنع تمدد نفوذها الإقليمي.
لكن هذا الاختلاف لا يعني وجود صراع داخل البيت الخليجي، بل يعكس تباينًا في تقييم الأخطار:
السعودية تتبنى اليوم استراتيجية "صفر مشاكل إقليمية" لحماية مشروعها التنموي الضخم (رؤية 2030).. وترى أن أي حرب واسعة ستجعل الخليج كله ساحة مفتوحة للاستنزاف الأمني والاقتصادي. لذا تسعى للاستقرار عبر قنوات دبلوماسية مباشرة مع طهران (امتداداً لاتفاق بكين). وهُنا يكون اختيارها للتهدئة ليس ضعفاً، بل هو قرار سيادي يدرك أن أي حرب إقليمية شاملة ستعطل خطط التحول الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية.
إذاً: السعودية تتبنى سيادة القرار لا سياسة المحاور، وهو ما يعكس تحولًا مهمًا في العقيدة السياسية للمملكة خلال السنوات الأخيرة. فالرياض لم تعد تتحرك فقط ضمن منطق التحالفات التقليدية، بل وفق رؤية سيادية مُستقلة تُقدّم الاستقرار الوطني والإقليمي على حساب المغامرات العسكرية.
قطر تتفق مع الرياض في التهدئة، وتعتمد على دبلوماسيتها المرنة كجسر للتواصل، وبالتالي فهي تنطلق من فلسفة سياسية قائمة على الوساطة والحفاظ على قنوات الاتصال مع جميع الأطراف، فأي تصعيد عسكري له خطراً مباشراً على أمن الطاقة وحرية الملاحة في الخليج، وهي ملفات حيوية لاقتصادها.
الإمارات توازن بدقة متناهية بين جبهتين؛ فتنظر إلى الملف الإيراني من زاوية أمن الممرات البحرية ومواجهة النفوذ الإقليمي، من جهة، تمتلك أبوظبي علاقات تجارية واقتصادية ضخمة مع إيران وترغب في حمايتها وتجنب أي رد فعل إيراني مباشر على أراضيها، يُقابلها الجهة الأخرى، لديها توجس أمني عميق من النفوذ الإقليمي الإيراني وشبكة وكلائها، مما يجعلها أحياناً أكثر ميلاً لضرورة ممارسة "ضغوط حازمة" (ردع) لمنع طهران من تغيير قواعد الاشتباك، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. ومع ذلك، فإن الدول الثلاث تشترك في نقطة محورية: "رفض الانهيار الكامل للاستقرار الإقليمي".
ثانيًا- دبلوماسية التهدئة لا الحياد السلبي:
وفيها لعبتا قطر وعُمان دورًا مختلفًا، يقوم على إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة مع الجميع، وهو محور يعكس تبايناً واضحاً في الأدوار الوظيفية للدول الخليجية في السياسة الخارجية، بل وأن هذا التوجه لا يعكس ضعفًا، بل فهمًا عميقًا لطبيعة المنطقة، حيث يصعب تحقيق الأمن عبر القطيعة الكاملة أو التصعيد الدائم.
دوافع قطر وعُمان (الوساطة والتهدئة):
-
- مسقط تمتلك إرثاً تاريخياً طويلاً في "الحياد الإيجابي" وعلاقات ثنائية استثنائية مع طهران، وتمثل قناة خلفية للحوار في الأزمات الكبرى، وترى في نفسها صمام أمان لمنع الانفجار الإقليمي.
- الدوحة تستثمر في علاقاتها الجيدة مع إيران (والتي تعززت بفعل حقل غاز الشمال المشترك)، فنجحت في توظيف علاقاتها المتشعبة للعب أدوار الوساطة، سواء مع واشنطن أو طهران أو القوى الدولية الأخرى. والدوافع أمنية (تجنب الشظايا) وسياسية (تعزيز المكانة الدولية كصانع سلام).
ثالثاً- المواقف الداعية لاستمرار الضغط:
بعض المقاربات الخليجية (والتي تتقاطع أحياناً مع رؤى قوى إقليمية ودولية) ترى أن التهدئة المجانية قد تفهمها طهران كضوء أخضر للتوسع أو للاستمرار في برنامجها النووي والباليستي. فالإمارات تنظر إلى الأزمة من زاوية مختلفة نسبيًا، ما بين نارين (الأمن البحري ومنطق الردع)، بحكم ارتباط اقتصادها العميق بالبنية الاقتصادية المرتبطة بالتجارة العالمية والموانئ والطاقة، لذلك تميل أبوظبي إلى مقاربة تقوم على الردع ومنع إيران من فرض معادلات جديدة في المنطقة.
أما الاختلاف هنا تكتيكي؛ فالجميع متفق على ضرورة كبح جماح الطموحات الإيرانية المهددة للأمن، لكن الخلاف يكمن في الوسيلة: هل نكبحها بالدمج الاقتصادي والدبلوماسية (رؤية الرياض والدوحة الحالية)، أم بالضغط الأقصى والعزل (المقاربة الأخرى)؟. لكن حتى هذا الموقف لا يعني بالضرورة الرغبة في حرب مفتوحة، بل السعي إلى رفع كلفة التصعيد على إيران.
رابعًا- الاستهدافات والحسابات الوطنية:
حين تصبح منشآت الطاقة والبنية التحتية تحت التهديد المباشر، تتحول الحرب من ملف سياسي إلى قضية أمن قومي يومية، إذ أحدثت الاستهدافات السابقة للبنى التحتية الحيوية (سواء الهجمات التاريخية على منشآت النفط أو التهديدات المحيطة بمنشآت الغاز كـ رصان لفان، أو الهجمات التي تعرضت لها العمق الإماراتي في سنوات سابقة من قبل الوكلاء) تحولاً جذرياً في العقيدة الأمنية الخليجية عزز القناعة بأن الحل العسكري وحده لا يكفي ولا بد من ضرورة:
-
إعادة صياغة المفهوم الأمني: أدركت الدول الخليجية أن المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية لم تعد "شيكاً على بياض"، وأن الحلفاء الغربيين قد لا يتدخلون عسكرياً لحماية المنشآت النفطية أو الاقتصادية الخليجية إذا لم تتعرض مصالحهم المباشرة للخطر.
- تنويع التحالفات: هذا الإدراك دفع دولاً مثل الإمارات والسعودية إلى تسريع تنويع شراكاتها الأمنية والسياسية (الانفتاح الأكبر على الصين وروسيا، وتطوير الصناعات الدفاعية المحلية).
- البراغماتية الدفاعية: بالنسبة لقطر والإمارات، أصبح أمن المنشآت الحيوية مرتبطاً بـ "تصفير الأزمات" مع الجيران بدلاً من الاعتماد فقط على منظومات الدفاع الجوي. فالوقاية الدبلوماسية باتت خط الدفاع الأول لحماية الطفرة الاقتصادية.
خامسًا- الدبلوماسية المستقبلية للأزمة:
تمتلك الدبلوماسية الخليجية اليوم أوراق قوة غير مسبوقة بفضل الفائض المالي، والمكانة الجيوسياسية، والعلاقات المتوازنة مع القوى العظمى (أمريكا، الصين، روسيا)، ورغم ذلك تبدو الدبلوماسية الخليجية أمام اختبار تاريخي. وبالتالي نجد آليات دبلوماسية مقترحة لخفض التصعيد ومن المرجح أن تلعب السعودية دورًا محوريًا في هذا المسار، بحكم ثقلها السياسي والاقتصادي، إلى جانب أدوار الوساطة التي قد تستمر بها قطر وعُمان:
- منصة حوار إقليمي مستدام (خليجي - إيراني): الانتقال من اللقاءات الثنائية المؤقتة إلى مأسسة الحوار عبر مظلة مجلس التعاون الخليجي، للتباحث في ملفات الأمن البحري، الخطوط الساخنة لمنع الاحتكاك العسكري، والتعاون البيئي والمناخي.
- صيغة "الأمن المقابل للتنمية": قيادة السعودية والإمارات لمبادرات استثمارية واقتصادية إقليمية تشمل إيران (بشرط التزامها بالتهدئة والكف عن دعم الميليشيات). ربط مصالح طهران الاقتصادية باستقرار الخليج هو أقوى أداة ردع دبلوماسية.
- الوساطة الخليجية المتكاملة: توزيع الأدوار؛ بحيث تقود قطر وعُمان خطوط الاتصال الخلفية بين واشنطن وطهران لحل الملف النووي، بينما تقود السعودية التوازنات السياسية الكبرى في ملفات اليمن، سوريا، ولبنان لضمان كبح نفوذ الوكلاء الإيرانيين.
السيناريو المستقبلي الأرجح: استمرار حالة "السلام البارد الحذر". فلن تصبح إيران حليفاً لدول الخليج بسبب الخلافات الأيديولوجية والجيوسياسية العميق، ولكن الدبلوماسية الخليجية - بقيادة الرياض وبمؤازرة العواصم الأخرى - ستنجح في تحويل الصراع من مواجهة عسكرية مدمرة إلى منافسة سياسية ودبلوماسية يتم إدارتها تحت سقف السيطرة، مما يضمن استمرار قطار التنمية الخليجي دون توقف.
وقفة: "الحكمة ليست في القدرة على خوض الحرب، بل في معرفة متى يصبح السلام أكثر قوة من السلاح." في عالم يتغير بسرعة، قد لا يكون أخطر ما تواجهه المنطقة هو الحرب ذاتها، بل سوء تقدير اللحظة التي يمكن فيها تجنبها. @drIbrahimgalal






