لكل مائدة قصة محبوكة معه.. وبعدها يقول: "لست منزعجاً لأنك كذبت عليّ، لكنني منزعج لأنني لن أستطيع تصديقك بعد الآن"، هكذا صدح قول الفيلسوف فريدريك نيتشه، فلطالما كان اغتيال الموائد والكذب في السياسة أداة للمناورة، لكنه مع ترامب تحول إلى "إستراتيجية اتصال" كاملة، حرر كلماتها بعمق العلاقة المعقدة بين الحقيقة والسلطة أبراهام لينكولن: "يمكنك أن تخدع بعض الناس كل الوقت، وكل الناس بعض الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت".
الإعلاميون والحقيقة الخالدة:
فلقد بنى ترامب هويته السياسية على أنقاض الحقيقة التقليدية، واضعاً رقبته نحت سن القلم وكاميرا المراسلين لا سيما القسم المهني والمتاب أمثالنا،
كل مرة ينجوا بأكذوبة، فنجا من محاولة اغتيال خلال تجمع انتخابي في بتلر بولاية بنسيلفانيا عام 2024 "لقد حاولت بشدة البقاء" في العشاء، لكن عناصر الخدمة السرية طلبوا منه المغادرة، وأوضح أن موعداً جديداً سيحدد للفعالية. وأضاف "سننظمها مرة أخرى"، مؤكداً "لن نسمح لأحد بالسيطرة على مجتمعنا".
الصدمة والترهيب الصحافي:
هكذا معتبرا أن تكرار الإدعاء يحوله إلى واقع لدى مريديه، ومتبنياً مقولة مارك توين الشهيرة: "تستطيع الكذبة أن تدور حول العالم، في حين لا تزال الحقيقة ترتدي أحذيتها"، بالفعل لقد ارتدت على رأسه بلغة الصدام والترهيب، إذ لم يكتفِ ترامب بالنقد، بل حوّل المنصة الإعلامية إلى ساحة معركة شخصية وُثقت مئات الحالات التي وصف فيها ترامب صحفيين بأسماء مهينة مثل "عدو الشعب"، "فاشل"، "محتال". من أبرزها مشاداته مع "جيم أكوستا" (CNN) و"سيسيليا فيغا (ABC)، وكُلهم نحن الإعلاميين والمراسلين ممن تم سحب الاعتمادات لهم والطرد كما طُردت الصحفية "كايتلان كولينز" من مؤتمرات صحفية بسبب أسئلة "غير لائقة" من وجهة نظر البيت الأبيض في سابقة ديمقراطية، بل وتعليق التصريح الصحفي لجيم أكوستا في 2018. وصل الأمر إلى التهديد بالملاحقة، بل و لوّح مراراً بتغيير قوانين القذف لتسهيل مقاضاة الصُحف، وطالب أجهزة إنفاذ القانون بالتحقيق مع مسربي المعلومات للصحافة، مُعتبراً أن بعض التغطيات ترقى لدرجة "الخيانة العظمى"، فماذا نقول لأفعاله هو؟، تلك الخيانات للكلمة الشريفة وسمعتنا التي أقسمنا عليها، فبينما تقتضي التقاليد حضور الرئيس "عشاء مراسلين البيت الأبيض" كبادرة تقدير للتعديل الأول للدستور، كسر ترامب هذا التقليد لسنوات، مفضلاً إقامة مهرجانات خطابية موازية يهاجم فيها الإعلام، مما عكس قطيعة نفسية ومؤسسية مع "السلطة الرابعة".
فضاءات وتناقضات الحبارى:
وفي خضم الصراع بين دونالد ترامب والإعلام، تتطاير حبارير التصريحات المُتناقضة في فضاء الأخبار، فتربك المتلقي بين الحقيقة والادعاء، وبشكل عام، تر معظم المؤسسات الإعلامية الكبرى "ترمب" بسُمعة سلبية وشخصية مُعادية للصحافة، حتى بعض وسائل الإعلام المحافظة انتقدت أسلوبه، لتتأرجح سمعته بين نقيضين أولاهما ينظر إليه الإعلام التقليدي كخطر داهم على الديمقراطية، إذ لم يلتزم الإعلام الصمت، بل كثف من عمليات التحقق من الحقائق، وظهرت منصات متخصصة لرصد تصريحاته، ما خلق حالة مواجهة مباشرة بين الطرفين-منها ما أسردناه في مقال الجزيرة من قبل-، بينما يراه الإعلام اليميني البديل "بطلاً" يحطم قيد "النخب الثقافية"، حيثُ نجح ترامب في كسب ثقة شريحة من الجمهور منها (الماجا)، ليُظهر أحيانًا قدرًا من حبور أمام أنصاره، مستثمرًا اللحظة الإعلامية لصناعة صورة القائد الواثق.. لكن النظرة العالمية رأته كظاهرة "الشعبوية الإعلامية" التي تستبدل الحقائق بالعواطف، وهُنا كان رد الفعل الإعلامي أن طورت الصحافة ما يسمى بـتدقيق الحقائق الفوري لمواجهة ما وصفته بـ "مهاترات ترامب"، مما جعل التغطية الإعلامية له تبدو وكأنها "تصحيح مستمر" أكثر من كونها "نقلاً للأخبار".
الصحافة تصنع وتخلع:
لطالما قيل إن الصحافة هي التي "تصنع الرؤساء وتخلعهم"، ولطالما لعب كثيرين منا دوراً محورياً في تشكيل مسيرته، فلا نلُومّنّ إلا أنفسنا، ولنضربنها بالـ (القباقيب)، فلم نستغل محاصرته قانونياً وسياسياً بتغطية التحقيقات الاستقصائية في قضايا مثل التدخل الروسي، وعزله الأول، وأحداث اقتحام الكابيتول 2021، وكشف سجلاته الضريبية، لكن هنا فرصة رغم أن بعض المحللين من يرى أن هجوم الإعلام الشرس عليه يمنحه "مظلومية" يعشقها جمهوره، مما يجعل الإعلام أحياناً وقوداً لاستمراره بدلاً من كونه أداة لإنهاء مسيرته.. فهل يمكن أن نُنهي (الإعلام) مسيرته؟.
شعبوية الضجيج السياسي:
وبين ضجيج الخطاب السياسي، بدت بعض المؤسسات الصحفية كالحباري في الصحراء؛ حذرة، تراقب من بعيد، وتتحرك بدقة لتجنب عواصف التضليل، لكن الأرقام والإستراتيجيات كانت أكبر دليل لمواجهة التضليل الترامبي فوفقًا لواشنطن بوست، أدلى ترامب بأكثر من 30,573 ادعاءً كاذباً أو مضللاً خلال فترة رئاسته، نجح في إقناع الملايين بوجود "دولة عميقة" تحاربه، وبأن انتخابات 2020 كانت "مسروقة"، وهو ما يثبت قوة تكرار الرواية مهما افتقرت للأدلة، ويعكس أزمة ثقة أعمق بين الجمهور والإعلام، وبالتالي علينا بآليات المواجهة:
- إخراج الحقائق من السياق الحزبي والتركيز على البيانات الجافة والرسوم البيانية.
- إستراتيجية "السندويش "أي ذكر الحقيقة أولاً، ثم الإشارة إلى الكذبة، ثم العودة لتأكيد الحقيقة (لتجنب ترسيخ الكذبة في ذهن القارئ).
- الشفافية الراديكالية وكشف كواليس الحصول على المعلومات لدحض تهمة "الأخبار الزائفة" مع التركيز على التثقيف الإعلامي للجمهور.
يسبنا ويأكل معنا:
وعلى مائدتنا أجلى رجال الخدمة السرية الرئيس الاميركي دونالد ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في واشنطن، بحجة أنه سُمع دوي قوي لطلقات نارية، وفق ما أفاد شهود عيان بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، الأمر ذاته تكرر في أغسطس 2020، وأثناء مؤتمر صحفي (وليس عشاء المراسلين الذي قاطعه ترامب غالباً)، في إشارة إلى رفضه لمنظومة إعلامية كاملة. وكأن الحادثة أظهرت ترامب في موقف "المحمي" من الدولة التي يهاجم مؤسساتها أحياناً، ليستغلها فور عودته للمنصة ليظهر بمظهر "القائد الصامد"، وهي لحظة إعلامية مدروسة لتحويل الأزمات الأمنية إلى مكاسب سياسية دعائية في محراب السلطة التي أثبتت سيرة ترامب الإعلامية بأن السلطة قد تنجح في "تطويع" الحقيقة لفترة، لكنها لا تستطيع "إعدامها".
وقفة:
يقول الفيلسوف الروماني سينيكا: "الكذب يخاف من الزمن، أما الحقيقة فكلما مر عليها الوقت ازدادت لمعاناً"، ليبقى ترامب الدرس الأهم في كليات الإعلام حول العالم؛ ليس كزعيم سياسي فحسب، بل كظاهرة أثبتت أن الكلمة قد تكون أمضى من الرصاص، وأن المعركة على "وعي الجمهور" هي المعركة الحقيقية الوحيدة في عصرنا الحالي. وكما يُقال: "من يتزوج بالكذب، ينجب أطفالاً سيتبرأون منه عند ظهور الحقيقة"، وبينما قد تتغير الوجوه السياسية، يبقى السؤال قائماً: هل الإعلام قادر على حماية الحقيقة، أم أنه أصبح جزءاً من معركتها؟.







