21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

من الشك الأبستمولوجي إلى اليقين

بهذا الشك المعرفي يصبح لديك دماغ مُمْتَلِئ بالأفكار السليمة، ويغدو لديك عقل سليم الفكر والاعتقاد، وهذا هو الشكّ الإبستمولوجي

بقلم: محمد نبيل كبها
١ يونيو ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
29 مشاهدة
من الشك الأبستمولوجي إلى اليقين

من الشك الأبستمولوجي إلى اليقين

عالم الفيزياء التجريبي العراقي (الحسن ابن الهيثم) كتب مرّة يقول: "الحقيقة تكمن في بطن الشّك"، والأديب العراقي (الجاحظ) والذي كان يعتبر الشك أساس المنهج العلمي المفضي إلى المعرفة اليقينية، خط فيه قائلا: "الشاك أقرب إليك من الجاحد، ولم يكن يَقينٌ قط حتى كان قبله شكّ، ولم ينتقل أحد من اعتقاد إلى آخر حتّى يكون بينهما حال من الشكّ". 

أما الكاتب والأديب المصري (توفيق الحكيم) والذي خاض بدورهِ معاركهُ الشكية الفكرية مُتجاوزاً خط الدين، نثر هو الآخر هذه العبارة: "التفكير هو حركة الشك"، بينما راح الرّوائي والكاتب والأديب الروسي العميق (فيودور دوستويفسكي) يعلن ويسطر فلسفة الشك بهذه الكلمات: "إنني لم أؤمن بالله ولم أعترف به كما يفعل الطفل، وإنما أنا وصلت إلى هذا الإيمان صاعداً من الشك والإلحاد بمشقّة كبيرة وعذاب أليم".

الشك الساذج وتعليق الحكم في الأشياء

إنّ كل إنسان مفكر يعتريه الشّك في مرحلة من حياته، ولكن ليس الشّك الساذجة "Skepticism" لشيخ الشكاك ومؤسس المدرسة الشكيّة الفيلسوف اليوناني (بيرون)، لأن هذا الاتجاه الفلسفي يعتمد على توقيف القرار في الأشياء، ففي هذه المدرسة كل شيء وكل مسألة قابلة للنفي والإثبات والسّلب والإيجاب بقوى متساوية ومتعادلة، فتبقى المسألة معلّقة، ويضيع القطع والتّأكيد فيها، وعليه فإن الإنسان يصبح غير قابل للمعرفة من خلالها.

مؤسس هذا المذهب الشكّي هو الفيلسوف اليوناني (بيرو أو بيرون) وملخّص الشك لديه ولدى الشكّاك هو: "لا أدري، ولا أدري أنّني لا أدري!!"، بمعنى: "أنا أشك، وأشك في شكي، وأشك في أنني أشك".

لقد تبع خُطاهُ الفيلسوف اليوناني (أنيسيديموس) كما تأثر به الفيلسوف (تيمون) والذي حمل لواء الشك من بعده وكان خليفته، وعندما مات تيمون مات الشك، ولكن تم إنعاشه ليحيي من جديد في مصر لفترة زمنيّة بعيدة ثم إنتهى بعدها.

أنا لا أتحدث عن هذا الشك المذهبي الغرير، وإنما عن الشك الإبستمولوجي "الشك المعرفي"، وهذا الذي قصده (الحسن ابن الهيثم، والجاحظ، وفيودور دوستويفسكي، وتوفيق الحكيم، وحجّة الإسلام "الغزالي"، والفيلسوف الفرنسي "رينيه ديكارت") وهذا ما حدث معي أنا أيضاً في مرحلة ما في حياتي، ويحدث مع كل مفكر واضح وفيلسوف جَلِيّ على صحن الأرض، يبحث عن حقيقة وجوده وحقيقة الوجود الموضوعي من حوله، حيث يكون شكّهُ منهجيّاً، فيبدأ به وينتهي باليقين.

سلّة التفاح.. واختبار الأفكار

لكي يتّضح المقال، سأضرب مثالاً على شك الفيلسوف الفرنسي (رينيه ديكارت) حيث كان شكّه سُلّماً وطريقاً للوصول إلى اليقين، فمن وجهة نظره لا نستطيع التمييز بين الحق والباطل إلا إذا أعدنا اختبار كل آرائنا وأفكارنا، لذلك كان شكّه منهجي، ولم يكن مذهبي واعتقادي، لأنه بدأ بالشكّ وانتهى باليقين. 

لقد قام بإرسال رسالة للراهب والقس (ميلان) يقول له فيها: (مثل الشك المعرفي كمثل سلة فيها تفاح، جزء منها سليم وجزء منهم مريض، فليس من الصّواب والسّداد أن نقول: "التفاح في السلّة سليم"، كما أنه ليس من الصّواب أن نقول: "التفاح في السلّة مريض"، وفي ذات الوقت لا يجب أن نَدع التفاحة المريضة بقرب السليمة لكيلا تنقل لها العدوى فتُتلفها! وإنما الحل السليم والصحيح هو أن نُفرغ كل سلّة التّفاح، ولا نعيد إليها سوى التفّاحة السليمة بعد إمعان النّظر فيها وتفحصها، والتفّاحة المعطوبة والمُصابة والمريضة نُنحّيها، وهكذا ننجو من أن تغتال التفّاحة المريضة التفّاحة السليمة).

ما عناهُ ديكارت بالتفّاح هو "الأفكار"، والسلّة "الدماغ"، بمعنى أن تُخرج وتُفرغ كل ما في دماغك من أفكار، وتضعها في ماعون التفتيش والتنقيب، والمحكمة العلميّة والعقليّة، فالصحيح منها تعيده إلى السلّة "الدماغ" والمصاب والمعطوب منها تستبعدها، وهكذا تنجوا من أن تغتال الأفكار المريضة الأفكار السليمة.

الشك المعرفي والانتهاء إلى يقين ما

بهذا الشك المعرفي يصبح لديك دماغ مُمْتَلِئ بالأفكار السليمة، ويغدو لديك عقل سليم الفكر والاعتقاد، وهذا هو الشكّ الإبستمولوجي، وهذا ما حدث مع الإمام الغزالي، حيث اعتزل الناس 11 عاماً، فغادر بغداد في شهر ذي القعدة "سنة ثمان وثمانين وأربعمئة"، فحج وتوجه إلى الشام، وأقام بها عشر سنين، قضى بعضها في بيت المقدس، وكان غالب وقته فيها عزلة وخلوة، ورياضة، ومجاهدة للنفس بتزكيتها، وتصفية القلب لذكر الله تعالى، كما أنه وأثناء تواجده في سوريا، كان يعتكف في منارة مسجد دمشق طول النهار، لينتهي ويعود بعدها صوفي الاتجاه.

لقد نشب بي ما جرى معه، وبدأت سفري بالشك الإبستمولوجي، باحثاً عن نفسي وعن سرّها وعن حقيقة وجودها ومُوجدها، وإنتهيت منه موقناً أن الرسول ﷺ حق، والإسلام حق، والقرآن حق، والله سبحانه هو الحق، قال تعالى: "ذلك بأن الله هو الحق وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ" (الأية رقم 62 من سورة الحج) إن الله عز وجل هو الحقيقة الأولى والتي انبثقت منها كل الحقائق.

المفكر من يشرع بالشك الأبستمولوجي وينتهي باليقين

الإنسان ليس حجراً أو صنماً أو شجرة أو بقرة، بل إنه مفكّر، لكن عندما يبدأ بالشك وينتهي به، فإنه يصبح غاية لنفسه ولذاته، ولا يُتَطلع من خلاله إلى غاية أخرى أو هدف مُغاير، ولكن عندما يبدأ شاكّاً وينتهي موقنا ومعتقداً بشيء ما، هنا تصبح المعرفة ممكنة وسليمة.

إن كل مفكر أو عالم أو فيلسوف، عَبّر عن شكهِ وانتهائه لدين معين أو إيمانه بإله كان وفق مفهومه هو للإله، وليس وفق مفهومي أنا، ولكن في المحصلة المفكر الحقيقي هو من يشرع بالشك الأبستمولوجي وينتهي باليقين.  

لذلك، إنتبه أن تغتال التفّاحة المريضة التفّاحة السليمة!

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

محمد نبيل كبها

مفكر وباحث إسلامي وأديب فلسطيني

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير