في زوايا الذاكرة صور لا يبهت نورها مهما تعاقبت السنوات؛ صورة امرأة تجلس خلف ماكينة الخياطة، تنسج بخيوطها ثوبًا لفتاة تنتظر فرحتها، أو علمًا لفلسطين يرفرف في وجه الريح، أو أملًا جديدًا في قلب إنسان أنهكته الحياة. كانت تلك المرأة أمي، الحاجة زهديه أبو لافي، التي لم تجعل من الخياطة مهنة فحسب، بل حولتها إلى رسالة حب وعطاء وانتماء.
ومنذ طفولتها في القدس، حملت المدينة المقدسة في قلبها كما يحمل الإنسان نبضه. لم تكن القدس بالنسبة لها مكانًا عابرًا أو ذكرى بعيدة، بل كانت هويةً تسكن روحها وترافقها أينما ذهبت. وظلت ترى في فلسطين كلها بيتًا واسعًا يستحق أن يُخدم ويُحب ويُصان.
لم تكن والدتي مجرد معلمة خياطة أو مصممة أزياء مبدعة، بل كانت امرأة استثنائية جمعت بين حب الوطن وخدمة الإنسان. عُرفت في الخليل بلقب "أميرة الخياطة"، لما امتلكته من مهارة وإبداع، لكنها كانت ترى أن قيمة المهنة لا تكمن في جمال الثوب فقط، بل في قدرتها على صنع الأمل في حياة الآخرين.
وفي الجانب الوطني، حملت القدس في قلبها كما حملت فلسطين في وجدانها. شاركت في المناسبات الوطنية، وأسهمت خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى في خياطة الأعلام الفلسطينية، في زمن كان فيه العلم رمزًا للصمود والتحدي والتمسك بالهوية. كما كان لها دور بارز في المسيرات النسائية الوطنية، مؤمنة بأن المرأة الفلسطينية شريكة في النضال والبناء والعطاء.
وفي مدينة الخليل، كرّست سنوات طويلة لتعليم الفتيات مهنة الخياطة وتصميم الأزياء، ففتحت أمامهن أبواب المعرفة والعمل والاعتماد على الذات. لم تكن تعلمهن حرفة فحسب، بل كانت تغرس فيهن الثقة والكرامة والإيمان بالقدرة على صناعة المستقبل.
أما وجهها الأجمل، فكان وجهها الإنساني. فقد سخّرت جزءًا كبيرًا من حياتها لخدمة الأسر المحتاجة وذوي الدخل المحدود. وكانت تقف إلى جانب العرائس الفقيرات، فتشتري الأقمشة من مالها الخاص، وتشرف على تجهيزهن، إيمانًا منها بأن الفرح حق لكل إنسان، وأن التكافل هو أجمل ما يحفظ المجتمع.
لم تكن تنتظر شكرًا أو تقديرًا، لأن الخير بالنسبة لها كان واجبًا أخلاقيًا ورسالة حياة. ولذلك أحبتها الناس، ليس لما كانت تقوله، بل لما كانت تفعله بصمت وإخلاص.
واليوم، حين أكتب عن والدتي، لا أكتب عن سيرة امرأة واحدة، بل عن قصة جيل من النساء الفلسطينيات اللواتي صنعن المجد بصبرهن وعطائهن وإيمانهن بوطنهن. أكتب عن ابنة القدس التي بقيت وفية لعشقها الأول، وعن امرأة جعلت من الخياطة رسالة، ومن العمل الخيري نهجًا، ومن حب الناس إرثًا خالدًا.
لقد رحلت السنوات، لكن أثر زهديه أبو لافي ما زال حاضرًا في كل فتاة تعلمت على يديها معنى الإبداع والاعتماد على الذات، وفي كل أسرة ساعدتها، وفي كل قلب لمس دفء عطائها. وإذا كانت الأجساد ترحل يومًا، فإن الأرواح العظيمة تبقى حيّة بما زرعته من خير وما تركته من أثر لا يزول. وسيبقى اسمها شاهدًا على أن أعظم الناس ليسوا أولئك الذين عاشوا لأنفسهم، بل الذين عاشوا للآخرين، وتركوا خلفهم سيرةً تُروى بفخر، وذكرى تُحفَر في الوجدان، وتلهم الأجيال القادمة أن العطاء الصادق هو الطريق الأجمل إلى الخلود.







