وسط ركام البيوت في غزة، وتحت أنقاض المدارس التي احتضنت آلاف اللاجئين، يبقى شعار "الأونروا" حاضرًا لا بوصفه علامة لمؤسسة إغاثية فحسب، بل باعتباره شاهدًا حيًا على استمرار النكبة وتجددها. فوجوده في هذا السياق الكارثي لا يعكس مجرد حضور إداري أممي، بل يرمز إلى ذاكرة جماعية تؤكد أن اللجوء الفلسطيني لم يُطوَ بعد، وأن جذور المأساة ما تزال ممتدة في الجغرافيا والسياسة والوعي.
الأونروا بين الوظيفة الإغاثية والرمزية السياسية
ليست وكالة الأونروا مجرد جهاز إغاثي، بل هي تمثيل مؤسسي لحق العودة الفلسطيني وشاهد قانوني على استمرار قضية اللاجئين منذ عام 1948. فمنذ تأسيسها بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 عام 1949، تولّت الوكالة تقديم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس: غزة، الضفة الغربية، الأردن، لبنان، وسوريا، لتتحول تدريجيًا إلى شريان حياة لملايين اللاجئين، وإلى أحد أهم مرتكزات الذاكرة السياسية الفلسطينية.
وفي قطاع غزة وحده، تخدم الأونروا نحو 1.7 مليون لاجئ، وتدير أكثر من 280 مدرسة و22 مركزًا صحيًا، إضافة إلى تشغيل ما يقارب 13 ألف موظف. ومع كل مدرسة تُدمَّر أو مركز يُستهدف، يتعمق البعد الرمزي للوكالة باعتبارها حاملًا للذاكرة الجماعية، لا مجرد مقدم خدمات.
استهداف الأونروا وإعادة هندسة دورها
في السنوات الأخيرة، تصاعدت السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تقليص دور الأونروا، وصولًا إلى محاولات تشريعية لتقييد عملها داخل الأراضي الخاضعة لسيطرتها، بما في ذلك مشاريع قوانين تتعلق بقطع الخدمات الأساسية عنها أو مصادرة ممتلكاتها. ويأتي ذلك في سياق خطاب سياسي متصاعد يتهم الوكالة بالتحيز أو الارتباط بجهات فلسطينية، في محاولة لتقويض شرعيتها الدولية.
وبالتوازي مع ذلك، تعرضت الأونروا لحملات سياسية وإعلامية منظمة، شملت اتهامات وابتزازًا ماليًا وتقليصًا تدريجيًا في التمويل. وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على خدماتها، خاصة مع تراجع المساهمات الدولية بنسبة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، ما أدى إلى تقليص البرامج التعليمية والصحية والإغاثية.
ومع حرب الإبادة في قطاع غزة، تعرضت منشآت الأونروا لدمار واسع، حيث تم استهداف عشرات المدارس والمراكز، وسقط عدد كبير من موظفيها، ما يعكس حجم الاستهداف المباشر لبنيتها التشغيلية ودورها الميداني.
من أزمة تمويل إلى أزمة تفويض
لم تعد الأزمة التي تواجه الأونروا أزمة مالية فحسب، بل تحولت إلى أزمة تفويض سياسي تهدد جوهر وجودها. إذ يجري الدفع نحو إعادة تعريف دورها تحت شعار "الحياد"، بما يفضي عمليًا إلى تقليص قدرتها على تمثيل قضية اللاجئين بوصفها قضية سياسية وقانونية، وتحويلها إلى ملف إنساني محدود.
وفي هذا السياق، يُستخدم مفهوم الحياد أحيانًا لتقييد المجال التعبيري والحقوقي داخل المؤسسات التعليمية التابعة لها، بما يفتح الباب أمام محاولات التأثير في المناهج والمضامين التعليمية، الأمر الذي يثير مخاوف من المساس بالهوية الوطنية والذاكرة التاريخية للاجئين.
الأبعاد الدولية والصراع على الرواية
تشهد الساحة الدولية، وخاصة داخل الكونغرس الأمريكي، جدلًا متصاعدًا حول مستقبل تمويل الأونروا، حيث طُرحت مبادرات لتقليص أو وقف الدعم عنها ضمن موازنة عام 2026، استنادًا إلى اتهامات لم تُثبت بشكل قاطع ضد بعض موظفيها.
وفي المقابل، يحذر داعمو القضية الفلسطينية من أن استهداف الأونروا لا ينفصل عن محاولة إعادة تشكيل بنية قضية اللاجئين، عبر استبدالها بجهات بديلة أقل ارتباطًا بالبعد القانوني والسياسي للنكبة، بما يؤدي إلى تفريغ القضية من مضمونها التاريخي.
كما تكشف الرسائل الصادرة عن عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي عن انتقال النقاش من مستوى الإصلاح المؤسسي إلى مستوى تفكيك الوكالة، وهو ما يعكس تحولًا في طبيعة الصراع من صراع تمويل إلى صراع على الرواية والشرعية.
الموقف الأوروبي ومسارات التمويل
في المقابل، يتسم الموقف الأوروبي بدرجة من الحذر والتوازن، حيث أقرّت المفوضية الأوروبية برامج دعم مالية موجهة لكل من السلطة الفلسطينية والأونروا ضمن إطار "برنامج الجوار الأوروبي"، بهدف الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي والخدماتي في ظل الأزمة المالية المتفاقمة.
ويتضمن هذا الدعم برامج لتعزيز الحوكمة والشفافية، إلى جانب دعم مباشر للاجئين، إلا أنه يبقى مرتبطًا بسياقات سياسية واشتراطات إصلاحية، ما يجعله دعمًا غير مستقر على المدى الطويل.
الأونروا وحماية الذاكرة الجمعية
تكشف بعض التقارير الدولية، ومنها تحقيقات صحفية أوروبية، عن الأبعاد العميقة لدور الأونروا في حفظ الأرشيف والذاكرة الفلسطينية، بما في ذلك توثيق بيانات اللاجئين منذ عام 1948، وهو ما يمنحها بعدًا يتجاوز العمل الإغاثي إلى كونها حارسًا للذاكرة القانونية والتاريخية.
وفي هذا الإطار، تبدو محاولات إعادة توزيع مهامها على جهات متعددة بمثابة انتقال من نموذج أممي موحد إلى نموذج مجزأ، بما قد يؤدي إلى إضعاف مرجعية اللاجئين وتشتيت تمثيلهم المؤسسي.
الأونروا في قلب معركة الوجود
إن ما يجري حول الأونروا يتجاوز مسألة التمويل أو الإدارة إلى صراع أعمق حول الهوية والحقوق والرواية التاريخية. فهي ليست مجرد مؤسسة إنسانية، بل شاهد أممي على استمرار قضية اللاجئين وحق العودة.
وبناءً عليه، فإن الدفاع عن الأونروا لا يندرج ضمن إطار إداري أو تقني، بل يمثل موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا مرتبطًا ببقاء القضية الفلسطينية حية في الوعي والقانون الدولي.
وفي المحصلة، فإن استهداف الأونروا اليوم ليس سوى محاولة لإعادة صياغة القضية الفلسطينية كملف إنساني منزوع السياسة، وهو ما يجعل حمايتها ضرورة تتجاوز الاعتبارات المؤسسية إلى كونها معركة على الذاكرة والعدالة والوجود.




