13 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: بجماليون خزانة الماضي الأمريكية.. فضائح ولا حرج!

لقد شيدنا عالما سياسيا بات فيه اصطناع الحقيقة أكثر جاذبية من الحقيقة ذاتها، وصارت الجماهير لا تبحث عن القائد الذي بلا خطيئة، بل عن الذي يجيد مسرحة أخطائه ليتبدى أكثر إنسانية، ولا خير من ترمب الذ كذب في أكثر من 70 مرة في فعالية واحدة فقط،

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
منذ 2 ساعة
10 دقائق قراءة
4 مشاهدة
د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: بجماليون خزانة الماضي الأمريكية.. فضائح ولا حرج!

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: بجماليون خزانة الماضي الأمريكية.. فضائح ولا حرج!

لقد شيدنا عالما سياسيا بات فيه اصطناع الحقيقة أكثر جاذبية من الحقيقة ذاتها، وصارت الجماهير لا تبحث عن القائد الذي بلا خطيئة، بل عن الذي يجيد مسرحة أخطائه ليتبدى أكثر إنسانية، ولا خير من ترامب الذي كذب في أكثر من 70 مرة في فعالية واحدة فقط، بل وإنه يكذب في 70 في المائة من الوقت، وهو رقم قياسي خلال 4 سنوات وثقته صحيفة واشنطن بوست بإجمالي 30,573 ادعاءً كاذباً أو مضللاً أطلقها خلال فترة رئاسته الأولى (2017-2021)، بمتوسط يتجاوز 20 ادعاءً يومياً، فما بالك بالفترة الحالية أضعافها بعشرات المرات لاسيما في حرب إيران، بوتيرة متصاعدة، حيث استغرق الأمر 27 شهراً للوصول إلى 10 آلاف ادعاء، ثم 14 شهراً للوصول إلى 20 ألفاً، قبل أن يتجاوز حاجز الـ30 ألف ادعاء في الشهور الخمسة الأخيرة من ولايته.

سوق مسرح لبيع أكاذيب الساسة:

في الديمقراطيات الغربية الحديثة، لم تعد الانتخابات مجرد منافسة بين برامج اقتصادية أو أطروحات جيوسياسية، بل تحول تدريجياً من قيمة فلسفية نبتت في عصر التنوير إلى كليشيه مستهلك في دهاليز السياسة الأمريكية، يمر اليوم بأخطر تحولاته البنيوية. وهُنا نعود بالذاكرة التاريخية التحليلية إلى عام 1968، عندما زارت الصحفية جانيت مالكوم صالة عرض للأثاث الفاخر في نيويورك، وصفتها بأنها من "أجمل الأماكن وأكثرها إثارة للاهتمام". كان المكان من هندسة وارن بلاتنر، المصمم الذي اقتنى دونالد ترامب لاحقاً مجموعة من كراسيه، لتتحول الانتخابات معه إلى "سوق حبارى مُمسرح" لبيع الهويات وصناعة ما يُعرف بـ "الأصالة السياسية" وظل يزهو بها حتى أبداها علناً لمراسل صحيفة Times عام 2010. لكن المفارقة الاستراتيجية لا تكمن في الأثاث، بل في السلالة؛ فقد سلك ابن بلاتنر، "برونسون"، طريق القانون في ولاية مين، ليخرج من صلبه "غراهام بلاتنر"، الشاب الذي درس في "هوتشكيس" (أكثر المدارس الداخلية أرستقراطية ونخبوية في كونيتيكت)، حيث طُرد منها سريعاً لتمرد الغياب، لينتهي به المطاف لاعباً لدور "هنري هينغز" في مسرحية سيدتي الجميلة (My Fair Lady)؛ وهو ذلك العالم المتعجرف الذي يعيد صياغة لغة فتاة الشارع لتلائم مُجتمعات النخبة.

فهل نحن أمام أصالة حقيقية أم أمام أداء استعراضي متقن أملته ضرورة البقاء السياسي في فضاء ديمقراطي مأزوم؟، إننا اليوم، نرى غراهام بلاتنر يخلع عباءة "هنري هينغز" ليمارس الدور العكسي تماماً في معترك انتخابات مجلس الشيوخ 2026؛ حيث يعيد تسويق خلفيته الأرستقراطية النخبوية في قالب "مزارع المحار" البسيط والمحارب القديم في العراق وأفغانستان، معلناً ترشحه عن الحزب الديمقراطي عبر فيديو ترويجي مشحون بموسيقى صاخبة، يظهره وهو يقطع حبارير الحطب بقميص ضيق يبرز أوشام ذراعيه.

"عملة المملكة" مبارزة عفوية مُستهلكة:

في أعقاب الهزيمة الثانية للحزب الديمقراطي أمام دونالد ترامب، دهمت الحزب أزمة وجودية حادة ولدت شعوراً عاماً بأن النخب الحزبية باتت معزولة بنسبة تتجاوز الفجوة التقليدية عن واقع المواطن الأمريكي العادي، وهو ما تُظهره المؤشرات الإحصائية والتحليلية في السلوك الانتخابي الحديث أن "الأصالة السياسية" باتت تُعامل كـ "عملة المملكة"، من هنا تحولت الانتخابات التمهيدية الأخيرة، لاسيما في ولاية أيوا وميشيغان وتكساس، إلى ما يمكن تسميته إحصائياً بـ "مبارزة العفوية المستهلكة"، وعلى سبيل المثال لا الحصر:

  1. زعمت جاسمين كروكيت (مرشحة تكساس السابقة) أن الجمهوريين يخشون "أصالتها"، ليرد عليها نائب الرئيس جي دي فانس بتهكم إحصائي ومجازي واصفاً شخصيتها بأنها "مصطنعة كأظافرها المركبة".
  2. في ميشيغان، دافعت مالوري مكمورو عن منشورات قديمة تُزدري فيها ناخبي الوسط الغربي بأنها مجرد "تغريدات طبيعية لشخص طبيعي"، مؤكدة أن الناخبين باتوا يتوقون للأصالة بنسب قياسية.
  3. أما غراهام بلاتنر فقد ذهب أبعد من ذلك، معتبراً نفسه مالكاً لـ "أصالة يعجز الآخرون عن تقديمها لأنها ستكون زيفاً إن فعلوها".

 

حرب الأصالة والزيف المُمسرح:

المفارقة الرقمية الصادمة هنا هي أن وفق بيانات رصد الاتجاهات السياسية، فإن مفهوم الأصالة بات يمثل فخاً مزدوجاً؛ فلا شيء يصرخ بالزيف أكثر من الإصرار المُستمر على إثبات الأصالة، فهو فخ للمرأة المرشحة التي تُرمى بالضعف إن تصرفت بطبيعتها الأنوثية أو بالزيف إن تجنبته، وفخ لمرشحي الأقليات الملونة الذين يُطالبون بالبقاء ضمن أطر "مفهومة وغير مهددة للوضع القائم" بنسبة 100%. وباتت الأصالة تعني إحصائياً دمج سمات ممسرحة: (حدة الطباع، البساطة المصطنعة، اللسان السليط، والأصول الريفية الموجهة (هي السمات التي استوفاها بلاتنر (الرجل الأبيض، الفظ، المحارب) ليحوز ثناء بيرني ساندرز الذي وصفه بأنه "ابن ولاية مين حتى النخاع"، ومسؤولين نقابيين رأوا فيه "الرجل الذي تلتقي به في قاعات النقابات العمالية".

الفضائح الرقمية والماضي الملوث:

كجزء من ديناميكيات الحرب السياسية الحديثة، والتسويقية الفجة، لم يكد بلاتنر يعلن ترشحه حتى نبشت منصات الإعلام والصحافة في ماضيه الرقمي على موقع (Reddit)، لتتكشف آراء وصفت بالصادمة سياسياً وأخلاقياً:

  1. تعليقات تزدري الأقليات "لماذا لا يترك السود إكراميات؟".
  2. منشورات سياسية مأزومة "لقد كبرت في السن وأصبحت شيوعياً".
  3. تصريحات عن انتشار الاعتداءات الجنسية في المؤسسة العسكرية وتلقي باللوم على الضحايا الثملات.
  4. الاعتراف الصادم عبر بودكاست Pod Save America بامتلاكه وشماً قديماً لجمجمة وعظمتين تشبه شعار توتنكوبف (Totenkopf) النازي.

هذا السلوك يشير إلى أن "الماضي الملوث" بات لدى شريحة واسعة دليلاً استراتيجياً على الأصالة على يد المستشارين ومجموعات التركيز والمؤسسات الحزبية الموجهة التي خنقت العمل السياسي على مدار العقود الثلاثة الماضية في عالم تكتسحه أخبار حبارير التزييف العميق وصناعة المحتوى المفبرك. فقبل عام 2016، كانت هذه الفضائح كفيلة بإنهاء أي مسيرة سياسية فوراً بنسبة حتمية، غير أن الاستراتيجية الانتخابية الحديثة شهدت تحولاً مغايراً؛ إذ استمرت حملة بلاتنر في الصعود والزخم، ولكن في استطلاع موضعي نشرته صحيفة Midcoast Villager المحلية في بلدة نيوكاسل بمين، عبّر أحد الناخبين عن هذا التحول بقوله: "لم أرَ ناخباً حقيقياً واحداً انزعج من هذه الأمور.. الجميع قلقون فقط من أن ينزعج ناخب آخر، لكنهم هم أنفسهم لم ينفروا".

 

الأصالة السياسية فلسفياً وتاريخياً:

من منظور أكاديمي، يظل مفهوم الأصالة مراوغاً، ففي قاموس ميريام ويبستر هي "ما ليس زائفاً"، وفي الوقت نفسه "مطابقة الأصل لإنتاج السمات الأساسية". وعند البحث العميق نرى مفارقة رقمية عن "بلاتنر والأصالة"، تبرز أسئلة حول كيفية كشف طاولة طعام مزيفة من تصميم الجد وارن بلاتنر!. ليكون المفهوم مع الحداثة، أو كما يعبر عالم الاجتماع تشارلز لندهولم بـ "حالة العيش بين الغرباء"، وهي الحالة التي تطلبت الانتقال من المجتمعات الهيراركية المغلقة في العصور الوسطى إلى مجتمعات تتطلب "الثقة والصدق السلوكي". ولنأتي للمعنى تاريخياً، وهو ما نجده في رموز خطابات الرؤساء الأمريكيين عبر محطات إحصائية بارزة:

الحقبة الزمنية / الرئيس

الرمزية السياسية المستخدمة للأصالة

الأثر الاستراتيجي على الناخبين

ويليام هنري هاريسون

الكوخ الخشبي البسيط والنشأة الريفية

صناعة صورة القائد الشعبي القريب من الطبقات الكادحة.

ثيودور روزفلت

الأسلوب الهجومي الصارم والحيوية الجسدية

اشتكى خصمه وودرو ويلسون من ظهوره كـ "شخصية افتراضية غامضة" أمام روزفلت الحقيقي.

ريتشارد نيكسون

خطاب الكلب الصغير "تشيكرز" وعاطفة الأسرة

محاولة مستميتة لغسل السمعة السياسية عبر استدرار العواطف العائلية البسيطة.

جيمي كارتر (بعد ووترغيت)

المزارع البسيط القادم من خارج المنظومة (Outsider)

غيّر المفهوم؛ فبعد أن كان الترشح لإظهار "البطولة في الهروب من الفقر"، أصبح لإثبات "البقاء عادياً".

 

من سطحية ترامب إلى عفوية ممداني الرقمية:

انهار منذ عام 2016 النموذج التقليدي للأصالة على يد دونالد ترمب، وتعريته؛ فهو كاذب باستمرار وبأرقام فلكية، ولم يكن يوماً رجلاً عادياً، بل جاء من البيئة الاستعراضية المصطنعة لتلفزيون الواقع (Reality TV)، ووصفه عالم النفس السردي دان بي ماك آدامز عام 2020 بأنه "الرجل العرضي" الذي يفتقر لقصة داخلية موحدة ويعيش الحياة كمعارك متتالية بلا ترابط أخلاقي.. وفي المقابل، برزت نماذج جديدة تحاول ضخ دماء راديكالية في المفهوم، تماشياً مع مقولة الفيلسوف الماركسي مارشال بيرمان قبل عقود بأن "البحث عن الأصالة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالرفض الجذري للأشياء كما هي عليه".. وهي جملة تُجسدت بحملة "زهران ممداني" لمنصب رئيس بلدية نيويورك؛ والذي حظي بإشادة واسعة النطاق لـ "أصالته الرقمية".

"بيجماليون" وخزانة الماضي:

هنا نصل إلى ذروة الأطروحة الاستراتيجية، فشخصية "هنري هيغنز" التي لعبها بلاتنر في صباه، مستوحاة أصلاً من أسطورة النحات الإغريقي "بيجماليون" الذي سخط على عيوب البشر، فنحت تمثالاً مثالياً من العاج ليعشقه، لنرى غراهام بلاتنر قد عاد ليواجه العواصف الاتصالية الأعنف؛ في عام 2026، حيثُ كشفت تقارير استقصائية مدعومة بالوثائق من صحيفتي Wall Street Journal وTimes عن فضائح شخصية طالت زواجه الحديث من إيمي غرتنر عام 2023، أبرزها: (رسائل جنسية صريحة مع نساء أخريات، أعقبتها شهادات صادمة من ثلاث نساء واعدنه بين عامي 2013 و2021، يصفن سلوكه بـ "المزدرِي للمرأة، الخائن، والمسيء جسدياً ونفسياً" من بينهن ليندسي فيفيلد التي شاركت مذكراتها المكتوبة عام 2016 واصفة إياه بـ "الرجل الأكثر سمية وإساءة على وجه الأرض"). بينما ادعى بلاتنر سابقاً لشبكة CNN أن خزانة ماضيه خالية من أي هياكل عظمية أخرى.

إن صمود مرشحين مثل بلاتنر أو ترامب رغم الأرقام السلبية والفضائح المتلاحقة لا يعكس كفاءة برامجهم، بل يعكس حجم الاغتراب والرفض الجذري الذي يشعر به الناخب المعاصر تجاه "المنظومة المؤسسية الزائفة"، التي جعلت العيوب الفجة هي الضمانة الوحيدة المتبقية لإثبات بشرية المرشح في عصر التزييف الخوارزمي.

وقفة: "تستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وتستطيع أن تخدع بعض الناس كل الوقت، ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت.. وفي الديمقراطيات الحديثة، لن يفوز بالعرش من كان بلا خطيئة، بل من نجح في إقناع الناخبين بأن خطاياه هي الضمانة الحقيقية الوحيدة لإنسانيته وعفويته." @drIbrahimgalal

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال