17 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. أسعد العويوي يكتب: حين تتصافح واشنطن وطهران… هل تسمع فلسطين صوتها؟

في كل مرة تقترب فيها الولايات المتحدة وإيران من تفاهم سياسي، أجد نفسي أطرح السؤال ذاته: أين تقف فلسطين؟.. ليس لأن القضية الفلسطينية حاضرة على طاولة التفاوض، بل لأنني تعلمت عبر سنوات طويلة من متابعة السياسة في الشرق الأوسط أن أخطر ما يحدث أحيانًا ليس ما يُناقش خلف الأبواب المغلقة، بل ما يُترك خارجها.

بقلم: د. أسعد العويوي
منذ 1 ساعة
4 دقائق قراءة
8 مشاهدة
د. أسعد العويوي يكتب: حين تتصافح واشنطن وطهران… هل تسمع فلسطين صوتها؟

د. أسعد العويوي يكتب: حين تتصافح واشنطن وطهران… هل تسمع فلسطين صوتها؟

في كل مرة تقترب فيها الولايات المتحدة وإيران من تفاهم سياسي، أجد نفسي أطرح السؤال ذاته: أين تقف فلسطين؟.. ليس لأن القضية الفلسطينية حاضرة على طاولة التفاوض، بل لأنني تعلمت عبر سنوات طويلة من متابعة السياسة في الشرق الأوسط أن أخطر ما يحدث أحيانًا ليس ما يُناقش خلف الأبواب المغلقة، بل ما يُترك خارجها.
اليوم، بينما تتجه الأنظار إلى احتمالات اتفاق جديد بين واشنطن وطهران، ينشغل العالم بالبرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، وأمن الممرات البحرية، واحتمالات الحرب والسلام. أما فلسطين فتبدو، مرة أخرى، كأنها تقف في غرفة الانتظار، تراقب الآخرين وهم يرسمون خرائط المنطقة.

لكن هل يعني ذلك أن الفلسطينيين خارج المعادلة؟
لا أعتقد ذلك.
فالقضية الفلسطينية كانت دائمًا أكثر من مجرد ملف سياسي. إنها أحد المقاييس التي تكشف طبيعة النظام الإقليمي نفسه. ولذلك فإن أي تفاهم أمريكي إيراني لن يكون بعيدًا عنها، حتى لو لم تُذكر فلسطين في سطر واحد من نص الاتفاق.

هناك احتمال أول يثير القلق.

أن تنجح واشنطن وطهران في تبريد الصراع بينهما، فتتنفس المنطقة الصعداء، لكن على حساب القضية الفلسطينية. عندها قد يعتبر صناع القرار الدوليون أن أولوياتهم تحققت: لا حرب واسعة، لا أزمة نفطية، ولا سباق نووي متسارع. وفي مثل هذه الأجواء تصبح فلسطين ملفًا مؤجلًا، مرة أخرى، إلى إشعار آخر.

لقد شاهدنا هذا المشهد من قبل.
فعندما تتقدم المصالح الاستراتيجية الكبرى، غالبًا ما تتراجع القضايا التي تحتاج إلى إرادة سياسية وشجاعة أخلاقية. والقضية الفلسطينية، للأسف، كانت من أكثر القضايا تعرضًا لهذا النوع من التأجيل التاريخي.

لكن ثمة احتمال آخر لا يقل أهمية.

فربما يفتح الاتفاق بابًا مختلفًا تمامًا. فالتاريخ يعلمنا أن السياسة تزدهر عندما تتراجع أصوات المدافع. وإذا نجح الأمريكيون والإيرانيون في تخفيض مستوى التوتر الإقليمي، فقد تنشأ مساحة جديدة للدبلوماسية، ومساحة أوسع للحديث عن حلول سياسية كانت مستحيلة في ظل التصعيد المستمر.

السؤال هنا ليس ما إذا كانت واشنطن أو طهران تريدان حل القضية الفلسطينية، بل ما إذا كان استقرار المنطقة سيجعل تجاهلها أكثر صعوبة.

من وجهة نظري، تكمن المشكلة في أن كثيرين ينظرون إلى فلسطين باعتبارها نتيجة للتوازنات الإقليمية، بينما الحقيقة أنها أصبحت أيضًا عاملًا مؤثرًا فيها. فما يحدث في غزة والضفة الغربية والقدس لم يعد شأنًا محليًا، بل عنصرًا من عناصر الاستقرار أو عدم الاستقرار في الشرق الأوسط بأسره.

لهذا السبب أعتقد أن أي اتفاق أمريكي إيراني، مهما بلغت أهميته، لن يستطيع تجاوز القضية الفلسطينية إلى الأبد.

قد يؤجلها. قد يضعها في الهامش لبعض الوقت. لكنه لن يلغي حضورها.

ويبقى السؤال الأهم: ماذا سيفعل الفلسطينيون بهذه اللحظة؟

فالتاريخ لا يمنح الفرص بالتساوي، لكنه يمنحها لمن يعرف كيف يستثمرها. وإذا كان العالم يتغير من حولنا، فإن التحدي الحقيقي ليس ما ستقرره العواصم الكبرى، بل ما إذا كان الفلسطينيون قادرين على تحويل التحولات الدولية إلى مكاسب سياسية حقيقية.
في النهاية، قد تتصافح واشنطن وطهران، وقد تتغير خرائط النفوذ والتحالفات، لكن فلسطين ستبقى الاختبار الأصعب لأي نظام إقليمي جديد. لأن السلام الحقيقي في الشرق الأوسط لا يُقاس فقط بعدد الحروب التي تم تجنبها، بل بعدد القضايا العادلة التي وجدت طريقها إلى الحل.
ولهذا، كلما سمعت أخبار التقارب بين الولايات المتحدة وإيران، لا أسأل ماذا سيحدث للمنطقة فحسب.
أسأل أيضًا: هل ستسمع فلسطين صوتها في هذا المشهد الجديد، أم ستبقى مرة أخرى تتفرج من خلف الزجاج؟

 

د. أسعد العويوي

الدكتور أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية والقضية الفلسطينية في جامعة القدس.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

د. أسعد العويوي يكتب: حين تتصافح واشنطن وطهران… هل تسمع فلسطين صوتها؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°