تتسابق خوارزميات اقتصاد الشهرة والنفوذ عندما يصبح الانتباه سلعة... والقيم هي الثمن، وما لا يمكن قياسه، لا يمكن تحسينه. هكذا لم تعد المنصات الرقمية مجرد تطبيقات للتواصل أو الترفيه، بل تحولت إلى أحد أكثر الفاعلين تأثيراً في الاقتصاد والمجتمع والثقافة والسياسة.
فهي اليوم لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تصنعه، ولا تكتفي بعكس اهتمامات الجمهور، بل تعيد تشكيلها، ولا تكتفي بقياس التفاعل، بل تؤثر في قرارات الشراء، وتعيد تعريف النجاح، وتصنع نجوماً وأسواقاً وثروات في زمن قياسي.
هذه القوة الهائلة فرضت واقعاً جديداً على العالم العربي؛ فمع التوسع المتسارع في استخدام الإنترنت والهواتف الذكية ومنصات التواصل، أصبحت الخوارزميات شريكاً غير مرئي في تشكيل الرأي العام، وتوجيه السلوك الاستهلاكي، وصناعة الذوق العام. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: كم بلغ عدد المستخدمين؟ بل: إلى أين يقودهم هذا الاستخدام؟
إن التحول الحقيقي الذي يشهده الإعلان الرقمي لا يتمثل في زيادة الإنفاق، وإنما في الانتقال من اقتصاد المشاهدات إلى اقتصاد النتائج، ومن قياس النجاح بعدد مرات الظهور إلى قياسه بالأثر الحقيقي على الاقتصاد والمجتمع.
وهذا ما تؤكده أحدث الدراسات؛ إذ أظهر إطار نضج الإعلان الرقمي الذي طورته Snap بالتعاون مع Kearney أن الإنفاق على الإعلان الرقمي في السعودية نما بنسبة 23.5% خلال عام 2024، وهي أعلى نسبة نمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في حين تأخر نمو التجارة الإلكترونية بثماني نقاط مئوية، وهو ما يكشف أن زيادة الإنفاق لا تعني بالضرورة زيادة العائد، وأن التحدي الحقيقي يكمن في كفاءة الاستثمار والقياس، لا في حجمه فقط.
ورغم أن هذه الدراسة انطلقت من السوق السعودية، فإن دلالاتها تتجاوز الحدود الجغرافية، لأنها تعكس تحولات تعيشها معظم الأسواق العربية؛ حيث تنمو ميزانيات الإعلان الرقمي بوتيرة متسارعة، بينما لا تزال مؤشرات قياس العائد، وبناء الثقة، وتحويل التفاعل إلى قيمة اقتصادية مستدامة، تواجه تحديات واضحة.
من اقتصاد المعرفة إلى اقتصاد الانتباه
قبل عقد من الزمن، كان المحتوى الرقمي يُنظر إليه باعتباره فرصة غير مسبوقة لنشر المعرفة، وتمكين الشباب، وفتح آفاق جديدة لريادة الأعمال. وقد نجحت المنصات بالفعل في تحقيق جانب كبير من هذا الوعد؛ إذ أتاحت لآلاف المشاريع الصغيرة الوصول إلى عملائها دون الحاجة إلى ميزانيات ضخمة، ووفرت أدوات تسويقية لم تكن متاحة في السابق إلا لكبرى الشركات. غير أن هذا النجاح حمل معه وجهاً آخر لا يقل أهمية.
فالخوارزميات التي صُممت لتعظيم التفاعل، بدأت – في كثير من الأحيان – تكافئ المحتوى الأكثر إثارة للانتباه، وليس بالضرورة الأكثر قيمة. ومع مرور الوقت، ظهر ما يمكن تسميته بـ "اقتصاد الانتباه"؛ حيث أصبح الوقت الذي يقضيه المستخدم على الشاشة هو السلعة الأغلى، وأصبحت المنافسة تدور حول اجتذاب النظر، لا حول جودة الفكرة. من هنا نشأ ما يمكن وصفه بـ اقتصاد الشهرة، وهو اقتصاد قد يحقق أرباحاً سريعة لبعض الأفراد والمنصات، لكنه يطرح أسئلة عميقة حول تأثيره في القيم، والهوية، وأنماط التفكير، خصوصاً لدى الأجيال الشابة.
ولتحليل التحولات الهيكلية للإنفاق الرقمي ومواضع الخلل والتحديات المستقبلية في المنطقة العربية، ندرج المقارنة الاستراتيجية التالية:
المحور التحليلي حقبة التوسع الأولية (الماضي) واقع السوق والإنفاق (الحاضر) المآل الاستراتيجي المطلوب (المستقبل)
معيار النجاح الرقمي أرقام المشاهدات والمتابعات العابرة نسبة التحويل وتكلفة الاستحواذ المباشرة كفاءة العائد الاستثماري والأثر المؤسسي والاجتماعي المستدام
طبيعة المحتوى والخطاب الإثارة، الاستفزاز، والشهرة لأجل الشهرة محتوى تجاري سريع ينقصه العمق والملاءمة هندسة محتوى قيم تدمج الأصالة الثقافية بالفاعلية الاقتصادية
الملاءمة الثقافية والمحلية ترجمة النصوص وتطبيق نماذج معولمة مستوردة توطين ظاهري (المظهر، الأزياء، اللهجة السطحية) توطين شامل وعميق يراعي القيم والأبعاد الثقافية
نموذج القياس والأدوات القياس الأحادي المبسط عبر القناة الأخيرة القياس المتقاطع المحدود والتخبط بين البيانات نماذج قياس متكاملة (Multi-touch) تعتمد التحليل التنبئي
الشهرة ليست إنجازا
ليس من العدل تحميل المنصات الرقمية وحدها مسؤولية هذا التحول؛ فهي أدوات محايدة في أصلها، ويمكن استخدامها في التعليم والابتكار وريادة الأعمال، كما يمكن استخدامها في الإثارة والسطحية والمعلومات المضللة. لكن الخلل يبدأ عندما تتحول الشهرة من نتيجة طبيعية للإنجاز إلى غاية مستقلة. حينها يصبح عدد المتابعين معياراً للنجاح، لا حجم المعرفة. وتصبح المشاهدات أكثر قيمة من المهارة، ويصبح الجدل وسيلة تسويق، ولو كان على حساب الحقيقة أو الذوق العام أو الخصوصية.
وهنا لا تكمن المشكلة في المنصة، بل في المنظومة التي تكافئ هذا النمط من المحتوى؛ بدءاً من الخوارزمية، مروراً بالمعلنين الذين يربطون ميزانياتهم بمؤشرات التفاعل فقط، وانتهاءً بالمستخدم الذي يمنح وقته واهتمامه لما يثيره أكثر مما يفيده.
ماذا تقول الأرقام؟
تؤكد البيانات أن المنصات الاجتماعية أصبحت جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية في المنطقة، وأن بعض الأسواق العربية تُعد من بين الأعلى عالمياً في معدلات الاستخدام. ففي السعودية، على سبيل المثال، تشير بيانات DataReportal إلى أن أدوات الإعلان الخاصة بـ Snap قدرت وصول المنصة إلى أكثر من 25 مليون مستخدم بنهاية عام 2025، وهو ما يعادل نحو 73 % من السكان وقرابة 89 %من البالغين المؤهلين. غير أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في حجمها، بل في دلالتها؛ إذ تعني أن المنصات لم تعد مجرد وسيلة تواصل، بل أصبحت بنية تحتية اقتصادية وإعلامية تؤثر في قرارات الشراء، وتوجه سلوك المستهلك، وتعيد رسم العلاقة بين الشركات والعملاء. وهذا ما يفسر انتقال كبريات المؤسسات العالمية من سؤال: كم أنفقنا؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا حققنا؟.
فالمؤسسات التي تكتفي بقياس عدد المشاهدات قد تحقق انتشاراً واسعاً، لكنها قد تعجز عن تفسير سبب تراجع المبيعات أو ضعف ولاء العملاء. أما المؤسسات التي تربط بين الاستراتيجية والإبداع والبيانات والقياس، فهي الأقرب إلى تحويل الاستثمار الإعلاني إلى نتائج أعمال مستدامة.
عندما تقود الخوارزميات الثقافة
لم يعد تأثير المنصات الرقمية يقتصر على توجيه الإعلانات أو تسويق المنتجات، بل تجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل الثقافة اليومية. فالخوارزمية لا تخبر المستخدم بما يريد فقط، بل تقترح عليه ما ينبغي أن يشاهده، وما الذي يستحق وقته، ومن الذي يستحق أن يتابعه. ومع تكرار هذا النمط، تتشكل قناعات جديدة، وتُصنع نماذج نجاح قد لا تقوم على العلم أو العمل أو الإبداع، بل على القدرة على جذب الانتباه. وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية. فحين تصبح معايير الشهرة منفصلة عن معايير القيمة، يصبح من السهل أن يتصدر المشهد محتوى يحقق ملايين المشاهدات، لكنه لا يضيف إلى المجتمع معرفة أو وعياً أو مهارة. والأسوأ من ذلك أن بعض الشباب يبدأ في إعادة تعريف النجاح وفق ما تفرضه الخوارزميات، لا وفق ما يحتاجه المجتمع أو سوق العمل. إن أخطر ما تفعله الخوارزميات ليس أنها تروّج للمحتوى المثير، بل أنها تجعل هذا المحتوى يبدو طبيعياً ومتكرراً، حتى يعتاد المتلقي عليه ويصبح جزءاً من المشهد اليومي.
المؤثرون.. بين المسؤولية والربحية
لا يمكن إنكار أن اقتصاد المؤثرين أوجد فرصاً حقيقية لآلاف الشباب العربي، وأسهم في نمو التجارة الإلكترونية، ودعم الشركات الناشئة، وفتح قنوات جديدة للتسويق. غير أن هذا النجاح لا يعفي من النقد. فالمشكلة ليست في وجود المؤثرين، بل في غياب المعايير التي تميز بين التأثير الحقيقي والتأثير القائم على الإثارة. فكلما أصبحت خوارزميات المنصات تكافئ الجدل أكثر من الجودة، ارتفعت احتمالات انتشار محتوى يفتقر إلى القيمة، وانخفضت حوافز إنتاج المعرفة. وقد أفرز هذا الواقع سباقاً محموماً نحو الشهرة، حتى بات بعض صناع المحتوى يعتقدون أن أي وسيلة تؤدي إلى زيادة المتابعين هي وسيلة مشروعة، ولو كان ثمنها انتهاك الخصوصية، أو استغلال الأطفال، أو نشر معلومات مضللة، أو إضعاف منظومة القيم.
بين اقتصاد القيمة والانتباه
اقتصاد القيمة اقتصاد الانتباه
يكافئ المعرفة والابتكار يكافئ الإثارة والجدل
يبني الثقة طويلة الأجل يحقق انتشاراً سريعاً ومؤقتاً
يدعم ريادة الأعمال يشجع أحياناً على الاستعراض
يقاس بالعائد الحقيقي يقاس بعدد المشاهدات والتفاعلات
يعزز التنمية المستدامة قد يخلق شهرة بلا أثر حقيقي
حين تتغير الأولويات اجتماعياً
في كثير من المجتمعات العربية، أصبح الهاتف الذكي نافذة الحياة اليومية، وأصبحت المنصات الرقمية تؤثر في اللغة، والعلاقات الأسرية، وأنماط الاستهلاك، وحتى في مفهوم النجاح الشخصي. فبدلاً من أن يكون السؤال: ماذا تعلمت اليوم؟، أصبح السؤال لدى بعض الفئات: كم حصلت على إعجاب؟ وبدلاً من البحث عن مشروع أو مهارة، أصبح البعض يبحث عن "ترند" يرفع عدد المتابعين في ساعات. ولا يعني ذلك أن المنصات هي سبب كل المشكلات، لكنها أصبحت بيئة تتضخم فيها هذه الظواهر إذا غابت الثقافة الرقمية، وضعفت الرقابة الذاتية، وتراجعت المسؤولية الاجتماعية.
الإعلان الذكي يبدأ بالثقة
تشير أحدث الاتجاهات العالمية في التسويق إلى أن المستقبل لن يكون للأكثر إنفاقاً، بل للأكثر قدرة على بناء الثقة. فالمستهلك اليوم أكثر وعياً، وأكثر قدرة على التحقق من المعلومات، وأقل استعداداً للاستجابة للإعلانات التي تفتقر إلى المصداقية أو الملاءمة الثقافية.
ومن هنا فإن نجاح أي حملة لا يتحقق بكثرة الظهور، بل بقدرتها على تقديم رسالة ذات معنى، واحترام خصوصية المجتمع، وفهم احتياجاته، وربط الإبداع بالبيانات والقياس.
ماذا تحتاج الدول العربية؟
إن التحول الرقمي لا يحتاج إلى مزيد من المنصات بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الحوكمة والوعي. ويمكن تلخيص الأولويات في خمس نقاط:
تعزيز الثقافة الرقمية في المدارس والجامعات، بحيث يصبح المستخدم قادراً على التمييز بين المحتوى النافع والمحتوى المضلل.
تطوير أطر تنظيمية تضمن الشفافية في الإعلان الرقمي، وتحمي المستهلك من التضليل، وتحافظ على المنافسة العادلة.
تشجيع المحتوى المعرفي والإبداعي عبر مبادرات وحوافز تدعم صناع المحتوى الذين يقدمون قيمة حقيقية.
اعتماد مؤشرات أداء جديدة تقيس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للحملات، بدلاً من الاكتفاء بعدد المشاهدات أو النقرات.
تعزيز الشراكة بين المنصات، والمعلنين، والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، لبناء بيئة رقمية أكثر توازناً.
المستقبل... من يربح؟
لن تربح المنصة التي تمتلك أكبر عدد من المستخدمين فقط، بل المنصة التي تحافظ على ثقتهم. ولن تنجح العلامة التجارية التي تحقق أعلى انتشار مؤقت، بل تلك التي تبني علاقة طويلة الأمد مع جمهورها. ولن يكون المؤثر الحقيقي هو الأكثر ضجيجاً، بل الأكثر قدرة على إحداث أثر إيجابي في مجتمعه.
لقد دخل العالم مرحلة جديدة لم تعد فيها البيانات وحدها كافية، بل أصبحت جودة البيانات، وطريقة تحليلها، وربطها بالاستراتيجية هي الفارق بين النجاح العابر والنجاح المستدام، فالمنصات الرقمية ليست عدواً للمجتمع، كما أنها ليست الحل السحري لكل تحدياته. إنها أدوات بالغة القوة، وقيمة هذه الأدوات تتحدد بالطريقة التي نستخدمها بها، وبالقيم التي نغرسها في الأجيال، وبالمعايير التي نكافئها في الاقتصاد والإعلام.
وإذا كان العالم العربي قد نجح في تبني التحول الرقمي بوتيرة متسارعة، فإن التحدي الأكبر اليوم لم يعد في سرعة الانتشار، بل في جودة الأثر. فاقتصاد يقوم على المعرفة والإبداع والثقة سيكون أكثر قدرة على تحقيق التنمية، بينما اقتصاد يقوم على اللهاث خلف المشاهدات والشهرة السريعة سيظل يستهلك الانتباه أكثر مما يصنع القيمة.
وقفة: السمعة تُبنى في سنوات، وقد تُفقد في دقائق؛ فإذا فكرت في ذلك، ستفعل الأشياء بطريقة مختلفة؛ لأن الدول، والمؤسسات، والمنصات، وصناع المحتوى، جميعهم أمام مسؤولية مشتركة وهي: (أن يتحول الفضاء الرقمي من سوقٍ للمنافسة على الانتباه إلى فضاءٍ للتنافس على القيمة)، لأن المجتمعات لا تنهض بما يلفت النظر فقط، بل بما يبقى أثره في العقول والاقتصاد والإنسان.









