الديمقراطية لا تبدأ بصندوق الاقتراع، بل تبدأ عندما يشعر الإنسان أن القانون يحميه. هناك سؤال يتكرر كثيرًا في النقاشات الدولية حول الفلسطينيين: متى ستُجرى الانتخابات التشريعية؟
لكن السؤال الذي يسبق هذا السؤال، والذي يبدو أن العالم يتجنبه، هو: في أي ظروف يُطلب من الناس أن يمارسوا حقهم الديمقراطي؟
في قرية تل غرب نابلس، لم يكن الفلسطينيون في الأيام الأخيرة منشغلين بالتحضير لحملة انتخابية، ولا بالنقاش حول القوائم والمرشحين والبرامج السياسية. كان انشغالهم أكثر بدائية: حماية المنازل، تأمين العائلات، ومحاولة النجاة من موجة جديدة من العنف.
الأحداث التي شهدتها القرية، والتي جاءت في سياق تصاعد التوترات والعنف المرتبط بالمستوطنين والاحتكاكات الأمنية، ليست مجرد حادثة محلية عابرة. بالنسبة لسكان القرى الفلسطينية، فإن مثل هذه الأحداث أصبحت جزءًا من واقع يومي يجعل فكرة الاستقرار السياسي تبدو بعيدة عن التجربة التي يعيشونها.
قد تختلف الروايات حول تفاصيل كل حادثة، وقد تتبادل الأطراف الاتهامات، لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: المدنيون هم من يدفعون الثمن، والإنسان الذي يعيش تحت الخوف لا ينظر إلى السياسة بالطريقة نفسها التي ينظر إليها من يعيش في بيئة مستقرة.
أنا لا أكتب هذا دفاعًا عن تأجيل الديمقراطية. على العكس، أعتقد أن الفلسطينيين، مثل أي شعب آخر، يستحقون مؤسسات منتخبة تمثلهم وتخضع للمساءلة. لكنني أرفض الفكرة القائلة إن الانتخابات وحدها قادرة على إنتاج الشرعية إذا غابت الشروط الأساسية التي تمنحها معناها.
الديمقراطية ليست يومًا واحدًا يقف فيه المواطن خلف الستارة ليضع ورقة في صندوق. الديمقراطية هي منظومة كاملة: حرية الاختيار، حرية التعبير، سيادة القانون، حماية المدنيين، وقدرة المؤسسات المنتخبة على ممارسة صلاحياتها.
عندما يغيب أحد هذه العناصر، يصبح السؤال ليس فقط: هل حدث الاقتراع؟ بل: هل كان لهذا الاقتراع القدرة على تغيير حياة الناس؟
في الحالة الفلسطينية، تبدو المعضلة أكثر تعقيدًا. فهناك حاجة حقيقية إلى تجديد المؤسسات السياسية بعد سنوات من الجمود والانقسام. وهناك أيضًا واقع يومي قاسٍ يجعل كثيرين يرون أن الأولوية الأولى ليست المنافسة السياسية، بل حماية الإنسان.
هذان الأمران ليسا متعارضين. بل إنهما مرتبطان. فالانتخابات التي لا تأتي ضمن مشروع أوسع يعالج أزمة الحقوق والأمن وسيادة القانون قد تصبح مجرد لحظة إجرائية، لا بداية لتحول سياسي حقيقي.
لقد تعامل العالم طويلًا مع القضية الفلسطينية من خلال لغة الدبلوماسية: مفاوضات، مبادرات، مؤتمرات، وخرائط طريق. لكن خلف هذه اللغة توجد حياة بشرية كاملة. هناك مزارع يخشى الوصول إلى أرضه، وعائلة تخشى الليل، وطفل يتعلم أسماء الأحداث قبل أن يتعلم معنى الأمان.
هذه التفاصيل ليست هامشية. إنها جوهر السياسة. فأي نظام سياسي يفقد قدرته على حماية الإنسان يفقد جزءًا من شرعيته، وأي عملية ديمقراطية لا تمنح المواطن شعورًا بأن صوته قادر على تحسين حياته تبقى معرضة لفقدان الثقة.
القانون الدولي نفسه يضع حماية المدنيين والحقوق الأساسية في قلب أي نظام يقوم على احترام الإنسان. فالحق في المشاركة السياسية لا يمكن فصله عن الحق في الحياة والأمان والكرامة. وهذه ليست مطالب سياسية إضافية، بل شروط أساسية لأي مجتمع يريد بناء مستقبل ديمقراطي.
المشكلة ليست أن الفلسطينيين لا يريدون الانتخابات. المشكلة أن كثيرين يسألون، بحق: ماذا ستغير الانتخابات إذا بقيت الظروف التي تحاصر حياتهم اليومية كما هي؟
إن المجتمع الدولي يرتكب خطأ متكررًا عندما يتعامل مع الانتخابات باعتبارها نهاية الطريق بدل أن يراها جزءًا من طريق أطول. الانتخابات قد تمنح المؤسسات شرعية، لكنها لا تستطيع وحدها إنهاء العنف، أو بناء الثقة، أو ضمان احترام الحقوق.
الديمقراطية لا تزدهر في الفراغ. إن ما حدث في تل، كما يحدث في أماكن فلسطينية أخرى، يجب أن يدفع العالم إلى إعادة ترتيب الأسئلة. فبدل الاكتفاء بالسؤال عن موعد الانتخابات، ينبغي السؤال عن البيئة التي تجعل الانتخابات ذات معنى.
هل يستطيع المواطن أن يختار بحرية إذا كان يشعر بالخوف؟
هل يستطيع أن يثق بالمؤسسات إذا كان القانون يبدو عاجزًا عن حمايته؟
هل يمكن لصندوق الاقتراع أن يحمل الأمل إذا كان الواقع اليومي يحمل رسالة مختلفة؟
هذه ليست دعوة للتخلي عن الديمقراطية، بل دعوة إلى احترام معناها الحقيقي.
الفلسطينيون لا يحتاجون فقط إلى انتخابات. يحتاجون إلى انتخابات تكون جزءًا من حياة سياسية طبيعية، لا محاولة لإدارة أزمة مستمرة. يحتاجون إلى مؤسسات قوية، وقانون يحميهم، ومستقبل يشعرون فيه أن صوتهم ليس مجرد إجراء رمزي.
قبل أن يطلب العالم من الفلسطينيين أن يصوتوا، عليه أن يستمع إلى سؤالهم الأعمق: هل ستجعلون من الممكن لنا أن نعيش أولًا؟
لأن الديمقراطية تبدأ من الإنسان. وإذا فقد الإنسان شعوره بالأمان والكرامة، فإن كل صناديق الاقتراع في العالم لن تكون كافية لإقناعه بأن صوته مسموع.










