أحيانًا لا تبدأ التحولات الكبرى من ساحات المعارك، بل من لحظة تتغير فيها الكلمات. فحين يخرج مسؤولون إسرائيليون سابقون من قلب المؤسسة الأمنية والسياسية ليستخدموا تعبيرات كانت تُرفض لسنوات، فإن القضية لا تعود مجرد خلاف على المصطلحات، بل تصبح علامة على تغير أعمق في طريقة رؤية الواقع.
عندما وصف الرئيس السابق لجهاز الشاباك والوزير الإسرائيلي السابق عامي أيالون الاعتداء في بلدة تل، غرب نابلس، بأنه “إرهاب يهودي”، لم يكن يستخدم تعبيرًا صادرًا عن جهة معادية لإسرائيل أو عن خطاب فلسطيني، بل عن شخصية خدمت في أعلى مستويات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وعندما حذّر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت من أن سياسات حكومة بنيامين نتنياهو تقود إسرائيل نحو مسارات خطيرة أخلاقيًا وسياسيًا، فإن الأمر لم يعد مجرد خلاف سياسي داخلي، بل أصبح مؤشرًا على أزمة أوسع في صورة الدولة ومسارها.
لعقود طويلة، امتلكت إسرائيل قدرة كبيرة على تحديد المفردات التي يُنظر من خلالها إلى الصراع. فقد ارتبط مفهوم “الإرهاب” في الخطاب الرسمي الإسرائيلي بصورة أساسية بالأفعال الفلسطينية، بينما جرى التعامل مع اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين باعتبارها “حوادث فردية” أو “تصرفات متطرفة” لا تعكس واقعًا أوسع.
لكن المشكلة بالنسبة لهذا الخطاب أن الوقائع تراكمت، وأصبح من الصعب إبقاء كل حادثة في إطار الاستثناء. فالعنف المرتبط بجماعات استيطانية متطرفة، واتساع نفوذ التيارات الأكثر تشددًا، دفعا شخصيات إسرائيلية بارزة إلى استخدام لغة مختلفة في توصيف ما يحدث.
إن أهمية تصريحات عامي أيالون لا تكمن فقط في الكلمات التي استخدمها، بل في موقع صاحبها. فحين يأتي توصيف “الإرهاب اليهودي” من شخصية قادت جهازًا أمنيًا إسرائيليًا، فإنه يفتح ثغرة في الرواية التي حاولت دائمًا الفصل بين الاحتلال والاستيطان والعنف المرتبط بهما. وهو اعتراف بأن هناك مشكلة داخلية لا يمكن تفسيرها دائمًا باعتبارها مجرد تجاوزات فردية.
أما تصريحات إيهود أولمرت فتضيف بُعدًا سياسيًا لهذا التحول؛ فانتقاد رئيس وزراء إسرائيلي سابق للحكومة الحالية لا يمثل فقط موقفًا شخصيًا، بل يعكس وجود صراع داخل إسرائيل حول هوية الدولة ومستقبلها، وحول حدود العلاقة بين القوة العسكرية والقيم التي تدّعي الدولة تمثيلها.
لكن التحول الأهم ليس في أن بعض الإسرائيليين بدأوا باستخدام لغة أقرب إلى اللغة الفلسطينية، بل في أن احتكار تعريف الواقع بدأ يتعرض للتحدي من الداخل. فالروايات السياسية لا تنهار فقط عندما يرفضها الخصوم، بل عندما يبدأ جزء من أصحابها في إعادة وصف الواقع بمفردات جديدة.
وهنا تظهر مسؤولية الفلسطينيين في كيفية التعامل مع هذه اللحظة. فالمطلوب ليس الاكتفاء بالقول إن “إسرائيليين اعترفوا بما نقوله”، لأن القضية الفلسطينية لا تحتاج فقط إلى إثبات صحة الرواية، بل تحتاج إلى تحويل هذا التغير في الخطاب إلى أدوات سياسية وقانونية وإعلامية.
يجب استخدام هذه التحولات لإظهار أن الحديث عن عنف المستوطنين لم يكن دعاية سياسية، بل قضية أصبحت تجد اعترافات من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها. ويجب الانتقال من معركة إثبات وقوع الانتهاكات إلى طرح الأسئلة الأكبر: ما هي المنظومة التي تسمح باستمرارها؟ ولماذا لا تتحول الاعترافات إلى محاسبة؟ وكيف يمكن للمجتمع الدولي التعامل مع واقع تعترف به أصوات من داخل إسرائيل نفسها؟
إن قيمة هذه التصريحات لا تكمن في أنها ستغير السياسات الإسرائيلية غدًا، فالسياسات لا تتبدل بمجرد تغير اللغة، لكنها تخلق شرخًا مهمًا في السردية التقليدية، وتمنح الفلسطينيين فرصة لإعادة تقديم قضيتهم باعتبارها قضية حقوق وواقع موثّق، لا مجرد رواية في مواجهة رواية أخرى.
ربما لا تكون هذه اللحظة نهاية للرواية الإسرائيلية التقليدية، لكنها بلا شك لحظة فارقة. فالسؤال لم يعد فقط: ماذا يقول الفلسطينيون عن الاحتلال والاستيطان والعنف؟ بل أصبح أيضًا: لماذا بدأ بعض أبرز المسؤولين الإسرائيليين السابقين يقولون، من داخل تجربتهم ومواقعهم السابقة، ما ظل الفلسطينيون يؤكدونه لعقود؟
فحين تتغير اللغة داخل مركز القوة نفسه، فإن ذلك لا يعني أن التغيير قد حدث، لكنه يعني أن إنكار الواقع أصبح أكثر صعوبة.






