180 تحقيقات – وحدة التحقيقات الأمنية:
في خضمّ حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة، برزت ظاهرة خطيرة تهدد النسيج الاجتماعي والأمني: ميليشيات محلية مسلّحة تدعمها إسرائيل بشكل غير مباشر، ظهرت كـ"قوات شعبية" بديلة، لكنها في الحقيقة تشكّل أذرعاً أمنية واستخباراتية للاحتلال تعمل تحت غطاء فلسطيني.
يقود هذه المجموعات ثلاثة أسماء مثيرة للجدل: ياسر أبو شباب، حسام الأسطل، وأشرف المنسي؛ شخصيات تجمعها خلفيات جنائية أو ارتباطات استخبارية قديمة، وجدت في حالة الفوضى وانهيار المنظومة الأمنية عقب قصف السجون بيئة مثالية للصعود مجدداً، لكن هذه المرة كـ"زعماء" ميليشيات تحظى بحماية مباشرة من الجيش الإسرائيلي.

أولاً: نشأة في الظلّ وسجلّات جنائية
ياسر أبو شباب (1990 – رفح): ينتمي إلى قبيلة الترابين، اعتقل قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بتهم جنائية، لكنه خرج بعد تدمير السجون بالقصف الإسرائيلي. قاد لاحقاً ما عُرف بـ"القوات الشعبية/عصابة أبو شباب" المتمركزة شرق رفح.
حسام الأسطل (مواليد 1975 – خان يونس): ضابط أمني سابق في السلطة الفلسطينية، ارتبط – بحسب ملفات أمنية – بأجهزة إسرائيلية منذ التسعينيات، وورد اسمه في قضايا استخباراتية أبرزها ضلوعه في اغتيال العالم الفلسطيني فادي البطش في كوالالمبور عام 2018، قبل أن يقود ميليشيا جديدة في خان يونس تحت شعار "بديل ما بعد الحرب".
أشرف المنسي (شمال غرب غزة): متهم من قِبل أمن المقاومة بتشكيل شبكة من 20 عنصراً من أصحاب السوابق في المخدرات والسرقة والتخابر، مقابل المال والمخدرات والحماية الإسرائيلية، ويسيطر على منطقة في حي الرضوان مستخدماً منشآت أممية كنقاط تمركز.

ثانياً: البيئة التي صنعتهم
1. انهيار أمني بعد القصف: تدمير المقرات الأمنية والسجون في الأيام الأولى للحرب أتاح هروب سجناء جنائيين ومتهمين بالتخابر، فتحوّل هؤلاء إلى أدوات ميدانية سهلة التجنيد.
2. الفراغ الإنساني والمعيشي: الحصار والمجاعة أوجدت أرضية خصبة للابتزاز الإنساني؛ فهذه الميليشيات قدّمت الطعام والماء والكهرباء مقابل الولاء، وجذبت عائلات نازحة إلى مناطقها.
3. خلفيات إجرامية وقبلية: أصولهم العشائرية أو السوابق الجنائية جعلتهم خارج دائرة الإجماع الشعبي، وبالتالي أقلّ حساسية تجاه وصمة التعاون مع الاحتلال.

ثالثاً: كيف يسخّرهم الاحتلال؟
وفق تقارير إعلامية إسرائيلية ودولية، لا تزود هذه المجموعات بأسلحة نظامية، بل بما صادره الجيش من مخازن المقاومة في غزة ومن أسلحة ضبطت لدى حزب الله، لتبدو "غنائم حرب" وليست دعماً رسمياً، بينما يحصل أفرادها على رواتب شهرية وتصاريح لحمل السلاح وحماية ميدانية.
المهام الموكلة إليهم:
جمع المعلومات عن مواقع المقاومة وتحركاتها.
مراقبة المناطق المفرغة من حماس والجهاد.
المشاركة في تمشيط الحدود والمناطق الحدودية.
السيطرة على توزيع المساعدات ونهب جزء منها وفرض إتاوات على المدنيين.
تسويق فكرة "الحكم البديل" وتهيئة بيئة اجتماعية خالية من نفوذ المقاومة.
رابعاً: الخطر الأمني والعسكري
يقول خبراء أمنيون إن هذه العصابات تمثل ثغرة أمنية خطيرة:
تفتح خطوط إمداد معلومات مباشرة للاحتلال.
تهدد النسيج الاجتماعي عبر خلق مناطق نفوذ مغلقة.
تشكّل ميليشيات مرتزقة يمكن استخدامها في قتال داخلي أو في فرض وقائع ميدانية.
تضع المدنيين بين سندان الاحتلال ومطرقة الميليشيا، وتمنح الاحتلال أداة "محلية" لإدارة الأمن في مناطق معينة.

خامساً: منبوذون اجتماعياً
تحمل هذه الشخصيات وصمة الخيانة في المجتمع الغزّي، إضافة إلى تاريخها الإجرامي في السرقات والمخدرات. وقد أصدرت المقاومة الفلسطينية بيانات تطالب عائلاتهم بالبراءة العلنية منهم، محذرة من التستر عليهم، ونفّذت بالفعل أحكام إعدام بحق عدد من العملاء والمتورطين بالتخابر في الشهور الأخيرة.
سادساً: سيناريوهات المصير – درس من جيش لحد
التاريخ الإقليمي يكشف نمطاً متكرراً: الاحتلال يدعم ميليشيا محلية لأهداف مؤقتة، ثم يتخلى عنها عند تغيّر الظروف، كما حدث مع جيش لحد في جنوب لبنان عام 2000 حين انهار مع انسحاب الجيش الإسرائيلي، وتعرض عناصره للهروب أو المحاكمات.
من المرجّح أن تواجه هذه المجموعات المصير ذاته:
انهيار سريع عند رفع الغطاء الإسرائيلي.
تصفية أو محاكمة قادتها محلياً.
هروب جماعي لمن يتمكن إلى مناطق حدودية أو خارج القطاع.
سابعاً: خلاصة أمنية – عسكرية
ظاهرة "المرتزقة المحليين" ليست سوى تكتيك قصير المدى للاحتلال يهدف إلى إضعاف المقاومة من الداخل وتوفير حزام أمني مؤقت لقواته. لكنها تشكّل خطراً طويل المدى على النسيج الاجتماعي والأمني الفلسطيني.
تجارب التاريخ تثبت أن هذه الكيانات إلى زوال بزوال الداعم، لكنها تترك وراءها فراغاً اجتماعياً وندوباً أمنية لمعالجات جذرية بعد الحرب.










