لم يكن ظهورها على مقعدٍ جانبي في الكنيست الإسرائيلي حدثًا عابراً . حين التفت إليها دونالد ترامب خلال خطابه الأخير بمناسبة توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة قائلاً: “مريام. قفي” ، كان يسلّط الضوء — عن قصد أو بدونه — على واحدة من أكثر الشخصيات نفوذاً وغموضاً في التحالف الأميركي–الإسرائيلي المعاصر. في تلك اللحظة، فجّر ترامب سؤالاً ظلّ لعقود محرّمًا في السياسة الأميركية: أين يبدأ الولاء للوطن وأين ينتهي لصالح إسرائيل؟
المال الذي يصنع القرار
تُعد ميريام أديلسون، الطبيبة والمليارديرة الأميركية–الإسرائيلية، ثالث أكبر متبرعة في الولايات المتحدة بعد إيلون ماسك وتيموثي ميلون، وفقًا للصحف الإسرائيلية، إذ تجاوزت تبرعاتها السياسية حاجز 100 مليون دولار خلال انتخابات 2020 وحدها.
وفي خطابه بالكنيست، ذكر ترامب أن ثروتها تبلغ نحو 60 مليار دولار، قبل أن يصف زوجها الراحل شيلدون أديلسون — الذي كان من أكبر ممولي حملاته — بقوله: “كان رجلاً عدوانيًا، لكني أحببته.”
لكن وراء هذه العبارات الودية تكمن شبكة نفوذ مالية–أيديولوجية كان لها دور حاسم في صياغة سياسات ترامب تجاه الشرق الأوسط. فالزوجان أديلسون موّلا حملات ترامب لتحقيق هدفين واضحين:
1. الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
2. الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان.
وقد قال ترامب صراحةً في الخطاب نفسه: “كانا مسؤولين عن الكثير مما جعلني أفكر في مرتفعات الجولان.”
بهذا الاعتراف العلني، يكون ترامب قد ربط القرار السياسي الأميركي بدعم مالي مصدره شخصيات مرتبطة بالمشروع الصهيوني.
السؤال المحظور: الولاء المزدوج
في لحظة بدت عفوية لكنها كانت مشحونة بالرمزية، توجّه ترامب إلى ميريام أديلسون بالسؤال الذي وصفته منظمات يهودية بأنه “خطاب كراهية” وخرقٌ لمعايير الحساسية السياسية:
“من تحبين أكثر، أمريكا أم إسرائيل؟”
صمتت أديلسون لثوانٍ، ثم ابتسمت دون إجابة، ليرد ترامب ساخرًا: “قد يعني ذلك إسرائيل.”
هذه العبارة وحدها كانت كافية لإعادة إشعال الجدل حول الولاء المزدوج الذي يطارد اللوبيات الإسرائيلية في واشنطن، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأمريكية – الإسرائيلية (AIPAC). فالكثير من الأميركيين باتوا يرون أن النفوذ المالي الصهيوني تجاوز حدود التأثير المشروع، وأصبح يخدم مصالح دولة أجنبية على حساب شعار “أمريكا أولاً” الذي رفعه ترامب نفسه.
امرأة خلف الكواليس
منذ وفاة زوجها عام 2021، تحوّلت ميريام أديلسون إلى الوريثة السياسية للنفوذ المالي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة. ورغم أن نشاطها يبدو إنسانيًا أو ثقافيًا عبر “مؤسسة أديلسون الطبية” و”صندوق دعم إسرائيل”، فإن تقارير متعددة تشير إلى أنها شاركت — بشكل غير مباشر — في صفقة تبادل الأسرى الأخيرة بين إسرائيل وحركة حماس، من خلال دعمها المالي والإعلامي لبرامج تعبئة الرأي العام الإسرائيلي.
لقد فهمت ميريام مبكرًا أن المال يمكن أن يصنع السياسة، وأن النفوذ الحقيقي لا يحتاج إلى منصب رسمي. ولهذا ظلت دائمًا في الظل، تموّل وتوجّه وتنتظر اللحظة المناسبة لتتحرك من خلف الستار.
ترامب والرسالة المبطنة
هل كان ترامب يفضح سرًّا كان يُفترض أن يظل طي الكتمان حين أشار إلى دور أديلسون وزوجها في قراراته المتعلقة بالقدس والجولان؟
أم أنه كان يرسل رسالة سياسية مبطنة إلى قاعدة دعمه الإنجيلي واللوبي الصهيوني معًا، بأن التحالف ما زال قائمًا، وأن المصالح المتبادلة لم تتبدّل؟
سواء كانت زلّة لسان أو تصريحًا محسوبًا، فإن ترامب أعاد إلى الواجهة جدلاً قديمًا حول من يصنع القرار الأميركي في الشرق الأوسط: هل هو البيت الأبيض أم شبكات المال التي تشتري النفوذ في واشنطن وتل أبيب؟
في النهاية، تجسد ميريام أديلسون نموذجًا فريدًا في علاقة المال بالسياسة والهوية. إنها “امرأة خلف الكواليس” تحرك خيوطًا تمتد من لاس فيغاس إلى القدس، ومن واشنطن إلى تل أبيب، تُموّل وتؤثر وتعيد رسم ملامح العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، مستندة إلى ثروة لا تقل وزنًا عن نفوذها الأيديولوجي.
أما سؤال ترامب — “من تحبين أكثر، أمريكا أم إسرائيل؟” — فقد يظل معلّقًا، لأنه ببساطة لا يبحث عن إجابة، بل يفضح حقيقة كانت حاضرة في الكواليس منذ زمن بعيد.










