من ضريح صلاح الدين إلى مصانع توساش.. هل تحقق المقاتلة التركية “قآن” وعد الطيارين الأوائل الذين دفنوا إلى جوار البطل الكردي في دمشق؟
في باحة ضريح صلاح الدين الأيوبي بدمشق، يرقد ثلاثة من رواد الطيران العثمانيين: صادق بك، فتحي بك، ونوري بك.
هؤلاء الشبان انطلقوا قبل أكثر من قرن، في فبراير/شباط 1914، في رحلة بطولية من إسطنبول إلى القاهرة مرورًا بدمشق والقدس، لرفع الروح المعنوية للجيش العثماني وجمع التبرعات لتطوير سلاح الطيران الوليد.
لكن الرحلة انتهت بالفاجعة؛ إذ سقطت طائرتان قرب بحيرة طبريا وسواحل يافا، ودُفن الطيارون الثلاثة إلى جوار صلاح الدين، في مشهد رمزي عميق: جيل يقاتل بالسيف يرقد بجانب جيل حلم بالتحليق في السماء.
اليوم، وبعد أكثر من مئة عام، تعود تركيا الحديثة لتحيي ذلك الحلم عبر مشروع مقاتلتها الوطنية “قآن”، محاولةً أن تكسر للمرة الأولى منذ سقوط الدولة العثمانية الوصاية الجوية الغربية التي كبّلت قرارها السيادي لعقود.
من يشيلكوي إلى قيصري: البدايات الموءودة
منذ أن استخدم الإيطاليون الطائرات في حرب طرابلس عام 1911، أدرك العثمانيون أن السماء ستكون ميدان المعركة المقبلة.
تأسيس أولى مدارس الطيران في يشيلكوي عام 1912، وابتعاث مهندسين إلى أوروبا لتعلم صناعة الطائرات (مصدر: Mumcu, Ottoman Air Force 1912-1918). 1925: شراكة مع شركة يونكرز لتأسيس أول مصنع للطائرات في قيصري، محاولة لتوطين التكنولوجيا الجوية.
لكن الضغوط الدولية، ونقص التمويل والخبرة، جعلت الحلم يتبخر سريعًا. تحوّلت المصانع إلى خطوط إنتاج للجرارات والنسيج بدل المحركات والطائرات، ودفعت تركيا ثمنًا باهظًا لدخولها مبكرًا تحت المظلة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية.
بين السماء الأميركية والسقف السياسي
خلال خطة مارشال، تلقت أنقرة مساعدات سخية شملت أكثر من 600 طائرة أميركية، لكنها فقدت معها استقلال قرارها العسكري (مصدر: Ersan Bozoglu & Mehmet Aslan, Turkish Aviation Industry 1925–1950).
تحولت الأكاديميات الجوية التركية إلى نسخ مصغرة من مدارس فورت ليفنوورث الأميركية، وأصبح سلاح الجو التركي يدور في فلك واشنطن.
لكن الحلم بالتصنيع الذاتي لم يمت، بل عاد للظهور بعد صدمة العقوبات الأميركية إثر غزو قبرص عام 1974، حين أدركت أنقرة أن الاعتماد على الخارج يُضعف أمنها القومي.
ومن رحم تلك الأزمة وُلدت شركات توساش، أصيلسان، وهافيلسان، التي أرست لبنات الصناعات الدفاعية التركية الحديثة، قبل أن تبدأ شراكتها الكبرى مع جنرال دايناميكس لإنتاج طائرات إف-16 داخل الأراضي التركية عام 1987 (مصدر: تقارير وزارة الدفاع التركية).
الجيل الخامس.. وحلم الاستقلال الجوي
اليوم، تركيا تواجه مفترقًا حاسمًا. أسطولها الجوي المؤسس على مقاتلات إف-16 القديمة يقترب من نهاية عمره التشغيلي، بينما تمتلك جاراتها إسرائيل واليونان مقاتلات الجيل الخامس إف-35.
بعد استبعاد أنقرة من برنامج إف-35 عام 2019 بسبب صفقة “إس-400” الروسية، أدركت أن السماء لا تُستأجر.. بل تُصنع.
من هنا وُلد مشروع المقاتلة “قآن” – رمز الجيل الخامس التركي – الذي أُجري له أول اختبار طيران في عام 2024 (مصدر: Anadolu Agency / Hürriyet Daily News).
صحيح أنها لا تزال تعتمد على محركات أميركية من إنتاج “جنرال إلكتريك”، لكن الخطط الجارية لتطوير محرك محلي تمثل جوهر الاستقلال الصناعي الذي تسعى إليه تركيا بحلول عام 2030.
بين الحاجة العاجلة والرهان البعيد
تركيا اليوم توازن بين ثلاث استراتيجيات:
-شراء محدود من مقاتلات يوروفايتر الأوروبية لتغطية الفجوة الزمنية.
- تحديث واسع لأسطول إف-16 بتقنيات محلية.
- تسريع إنتاج “قآن” كمشروع وطني استراتيجي بعيد المدى.
هذه المعادلة تعكس إدراك القيادة التركية أن القوة الجوية الحديثة ليست قرار شراء، بل خيار حضاري يستند إلى منظومة علمية وصناعية طويلة النفس.
“قآن”.. من الحلم إلى السيادة
تاريخ الطيران التركي ليس مجرد سرد تقني، بل رحلة بحث عن السيادة المفقودة. الطائرات التي احترقت في البلقان، المصانع التي أُغلقت بأوامر البنك الدولي، والعقوبات التي فُرضت بسبب قبرص، كلها محطات في طريق طويل نحو الحرية الصناعية.
تركيا اليوم تعود إلى السماء لا كدولة مستوردة، بل كصانعة للمستقبل. نجاح مشروع “قآن” لن يكون انتصارًا تكنولوجيًا فحسب، بل وفاءً رمزيًا لأولئك الطيارين الراقدين بجانب صلاح الدين، الذين حلموا برفع راية أمتهم في السماء فسقطوا قبل أن يروها تحلّق.
اليوم، بعد أكثر من قرن، ربما آن للسماء أن تُجيب عن سؤالهم القديم: هل تتحقق الأحلام المؤجلة إذا امتلكت الأمة إرادة الصناعة؟ تركيا تراهن على أن الجواب سيكون: نعم، حين تكون السماء وطنًا.
- المصادر
1. Mumcu, Ahmet – Ottoman Air Force 1912-1918.
2. Ersan Bozoglu & Mehmet Aslan – Turkish Aviation Industry 1925–1950: Impacts of Post-WWII International Context.
3. تقارير وزارة الدفاع التركية – مشاريع توساش وهافيلسان.
4. NATO Air Power Reports – التدخلات التركية والتدريب على النمط الأميركي.
5. Anadolu Agency / Hürriyet Daily News – أخبار تطوير قآن والاختبارات الطيرانية.
6. Jane’s Defence Weekly / FlightGlobal – تحليلات الجيل الخامس للطائرات الوطنية.
7. تصريحات أردوغان ووزير الدفاع التركي يشار غولر حول مشروع قآن










