قرار مجلس الأمن 2803 ليس مجرد بند تقني أو إجراء إداري، بل انعكاس صارخ لاختلال موازين القوى الإقليمية والدولية ومحاولة لفرض وصاية جديدة على شعبنا الفلسطيني. في جوهره، يتجاهل استمرار الاحتلال ويعيد إنتاج فصل غزة عن الضفة الغربية، وكأنما يريد تفكيك حلم الدولة الفلسطينية ووضع حقوقنا الوطنية في مسار هش أمام إرادة خارجية موحدة.
لكن التعامل مع هذا القرار ليس استسلامًا، بل معركة سياسية دقيقة تتطلب مرونة استراتيجية ووحدة فلسطينية حصينة. التعاطف العالمي مع مأساة غزة يمكن أن يتحول إلى أداة قوية، تجعل من القرار سلاحًا سياسيًا، وتثبت بند "تهيئة الظروف لإقامة الدولة" كراية تُرفع في وجه الاحتلال، مع الإبقاء على السلاح الفلسطيني حصنًا للدفاع عن حق تقرير المصير، وحصر أي دور دولي في مراقبة وقف إطلاق النار والفصل بين الأطراف، دون المساس بالقوة الوطنية.
ورغم الانحياز الصريح للقرار، فإن فيه بذورًا يمكن البناء عليها: منع الحرب، تثبيت وقف النار، تسهيل وصول المساعدات الإنسانية، دعم إعادة الإعمار، وكشف محاولات تحويل سلاح المقاومة إلى قضية مفتوحة بينما يُغفل سلاح الاحتلال والمستوطنين. المطلوب خطة فلسطينية واضحة تُلزم الاحتلال بوقف الانتهاكات، وضمان انسحابه الكامل من غزة، وتمنع تحويل قضية "نزع السلاح" إلى حجر عثرة أمام التعافي والإعمار، مع إدارة سياسية موحدة لتفسير القرار بما يخدم الهوية والكيانية الوطنية.
تحويل التهديد إلى فرصة ليس شعارًا يُرفع، بل عملية واقعية وعقلانية تعتمد على: وضوح الهدف، وحدة الرأي والعمل المؤسسي، الاعتماد على أوراق القوة الذاتية والحاضنة الشعبية، ضبط الخلافات الداخلية، القيادة الموحدة، الحصانة التنظيمية، التفكير الجمعي، وإدارة المعلومات بوعي.
ولا يجوز التعويل على "الضامنين" الإقليميين والدوليين الذين أثبتوا محدودية تأثيرهم في جولات سابقة. التقييم الواقعي للقرار يحتاج صبرًا وترويًا، أما اليقين الحقيقي فيستند إلى سنن الله التي لا تضيّع دماء الشهداء ولا تترك للظلم ختامًا.
القرار ليس قدرًا محتوماً، بل تحدٍّ يمكن تحويله إلى فرصة إذا توحّد الفلسطينيون وأداروا المرحلة بوعي وصلابة، ليصبح درسًا عمليًا خالدًا بأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، وانتزاعها يبدأ من وحدة الصف وضبط أدوات القوة، والإيمان بأن الله غالب على أمره.
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: 127]










